عندما انطلق منذ أكثر من أربعة آلاف سنة، زعيم قبيلة سامية يسمى إبراهيم، مستجيباً لدافع لا يقاوم أسماه يهوه، في رحلة استثنائية عبر الشرق الأوسط، كان بوسعه أن يتصور أنه من خلال ذرية وعد بها "بعدد نجوم السماء" سيعترف به يوماً ما كمكتشف للإله الواحد وكأب روحي لثلاث ديانات كبيرة هي: اليهودية والمسيحية والإسلام.
إن أحداث مغامرته -أول ما سجلت في كتاب سفر التكوين- ما إن خرجت من دائرة القصة حتى أخذت بعداً تاريخياً لم نتمكن من مقاومة سحره. منذ عشر سنوات ونحن نحلم بالعثور على آثار البطريرك، وإعادة قراءة المشاهد والأمكنة التي وجهت مسيرته، وإعادة الصلة بالتقليد التوراتي، لكن هذا الحج لا يمكن أن يتحول إلى جردة أثرية وإلى مجرد "عودة إلى الجذور" فملاءمة مثل هذه المسيرة هي خاضعة للنقاش.
"شعرت بنفسي وثنياً في اليونان مسلماً في مصر وموحداً بين الدروز ومتديناً في البحار في الكواكب الالهية لبلدان الكلدان" بهذا المقتبس لـ نيرفال يستهل هذا الكتاب رحلة زوجان عبر الشرق الاوسط على خطى ابراهيم الاب الروحي لثلاث ديانات كبيرة اليهودية والمسيحية والاسلام رحلة البحث للعثور على اثار البطريرك واعادة قراءة المشاهد والامكنة التي وجهت مسيرته استناداً على كتاب سفر التكوين والاساطير التوراتية
جاك ونيكول بلجيكان قدما للشرق لتصوير افلام تسجيلية روائية عن المذاهب والملل الدينية وخاصة الطوائف الصغيرة والاكثر انغلاقا وتحوي الرموز والاسرار وباطنية كالدروز واليزيديين والهاسيديم والسامريين ويتعقب التاريخ والمعتقدات والعادات لشعوب الشرق الاوسط الذين يشتركون في نسل ابراهيم وكان الحديث عن اليزيديين والدروز والهاسيديم والبكتاشيين النصيب الاكبر النساطرة على ضفاف الفرات والاقباط على ضفاف النيل والموارنة والدروز في جبل لبنان هنا مجموعة من افلامه http://www.jackcallebaut.be/Filmograp...
على خطى ابراهيم من أور الى القدس من بيروت الى دمشق الى بغداد للبحث عن يهوه! فكم مرة وقفت سياسة البشر حاجزاً امام طريق ابراهيم؟
"وخلق يهوه العالم والقدس في وسط العالم وفي وسط القدس يقوم الهيكل!!!
بدأت الرحلة من بيروت الى دمشق ومن هناك للعراق بفترة عصيبة شهدت حرب تشرين 1973 والثورة الكردية 1974 والحرب الاهلية اللبنانية وكان لمعرفتهم بكمال جنبلاط ومعرفة جنبلاط بشبلي العيسمي دور كبير بمساعدتهم الا ان العراق شدد عليهما لانهما كانا باسرائيل وقد سجن جاك لايام بالعراق ولكن ان ترتحل وتسلك طريقاً في سبيل الاستكشاف والبحث هل عليك ان تحمل تاريخك وتصوراتك وما يتخزن بذاكرتك من معلومات عن هذه المناطق؟ لماذا عليك ان تسرد وفق رؤيتك وما تعرفه انت لا ما تراه وتجده ولم تغفل الجانب الاخر من التاريخ وتحتفظ بتاريخك واساطيرك؟ في كل منطقة يحطان بها يمعنان ويتأملان التاريخ ويتخذان من المرويات التوراتية والمرويات الاسرائيلية اليهودية مدخلاً تاريخياً لاكتشاف تاريخ المنطقة خاصة الاكتشافات الاثرية بعد الحرب العالمية الاولى وكأنها حقائق ثابته لقراءة تاريخ الشرق القديم تلعب فيها الاسطورة دوراً كبيراً
" وخلق يهوه العالم, والقدس في وسط العالم وفي وسط القدس يقوم الهيكل"
"عندئذ ادركت انني اسير بعكس الطريق: من اجل ان نعرف بلاد الرافدين وندرك بعدها التوراتي كان علينا ان ننطلق من هنا حيث تنتقل التوراة من الاسطورة الى التاريخ"
ومع ذلك فثمة وصف شاعري للاماكن يوضح حبهما وشغفهما بها ويذكرانك بالمستشرقين وكتاباتهم ووصفهم للاماكن التي مروا بها وخيالهم القابع فيهم يلعب دورا كبيرا في حديثهم وتصوراتهم وسرد تاريخي واضح فيه الانحياز للتاريخ اليهودي بل واحيانا الطمع ونسب التاريخ لهم كما ترويه اسفار التوراة ومحاولة اسقاط ما ورد في تاريخهم على الأماكن وكأنها البدايات والنهايات لهم ومن حقهم كأنه لم يكن للشرق تاريخ قبل اليهود حتى الطقوس والعادات والعبادات تربط باصول يهودية ومسيحية حتى الزعيم الكردي مصطفى الملا يصفه بانه كان من الفئة النسطورية
" تتوقف الصحراء فجأة أمام النهر على ابواب بغداد نهر رائع عريض غزير يحتضن مياهاً غرينية تندفع بسرعة :الفرات! اسم خرج من كتاب الجغرافيا بخط مستقيم اسم يدفع الى الحلم شريط عريض من الاخضر القاتم يتعرج الى جانب مجرى المياه جنة التوراة على الارض! "اسواق دمشق هي اجمل واوسع الاسواق في الشرق الادنى لا يمكن مقاومة جاذبيتها وخاصة مقاومة جمال الاشياء المعروضة اثاث وتحف من الابنوس المرصع باللؤلؤ وشراشف المائدة الدمشقية وفساتين انيقة قديمة مطرزة باليد ومصاغات من الذهب والفضة وحلى قديمة مرصعة باحجار نصف كريمة والعقود الثقيلة من الفضة للنساء البدويات هذا عدا الاشياء القديمة التي لا تحصى"
" احلم امام القدس التي تتذهب باخر اشعة الشمس وظهري على جذع خشن لشجرة زيتون قديمة وعلى ركبتي خريطة المدينة نسجت تلك الحجارة التي تبدأ على مداخل الصحراء ثلاثة الاف سنة من التاريخ ثلاثة الاف سنة من الحروب والغزوات والهزائم والعبودية والمجد كل ذلك لكي تشهد على فكرة واحدة هي اذا ما بدت لنا اليوم مكانا مشتركا فهي قد كانت في السابق وحيا استثنائياً اي ان الله هو اله شخصي اله حب وهو واحد احد مدينة شاهدة على الله, مدينة مقدسة, مدينة يتنازعها اليهود والمسيحيون والمسلمون القدس التي تبدو هادئة وغارقة بين جبال قاحلة ومثلمة"
"دعينا في المناطق الخالية من النفط لزيارة احد الابار الاولى لاستخراج النفط في الشرق الادنى لم تتوقف محطة الضخ عن العمل منذ 1925 اعترف ان مخيلتي تلتهب الف مرة اكثر من رؤية لهب النار الدائمة التي تنبعث بشكل طبيعي من الارض بعد خروج غاز الهيدروكاربير من ثغرات الطبقات التحتية هل هذه هي الافران الشهيرة الحامية التي تتكلم عنها التوراة والتي يراقبها اشور بانيبال من اعالي درجات قصره في كالخ "نمرود" القديمة؟
والغريب في الامر هو ان نجد في طقوس الرهبان النسطوريين الكلدانيين تحركات تعودنا ان نعتبرها اسلامية بينما هي تعود الى التقليد المسيحي القديم وكذلك انهم يقفون في خط مستقيم قبالة المذبح ثم يجلسون على مؤخراتهم على الارض يسجدون على ركبتيهم ملامسين الارض بجبينهم كما يفعل المسلمون تماما في مسجدهم. اتخذ الاسلام هذه العادات من المسيحيين وكذلك مظهر الحجاب ورسم اشارة الصليب على الخبز كما تفعل النساء المسلمات في سوريا وبلاد الرافدين وهو اشارة التبريك عندما كانت هذه الارياف مسيحية
"عندما نجتاز اول خاصرة جبل لبنان نجد المنحدرات المشجرة التي تحيط بنا تحت سيطرة التمثال الضخم لعذراء حريصا او سيدة لبنان نحن اذا في قلب بلاد مارونية؟ وهؤلاء المسيحيين اولاد ابراهيم وقد قررنا اعادة اكتشافهم