شاب اسمر البشرة، اسود الشعر أجعدة، هادئ القسمات، كنت أراه في مقهى «الهافانا» وحيدا هادئا يتأمل وجوه الروّاد، زائغ البصر، غارقا في عوالم بعيدة، سألت عنه. فقيل لي إنه « عبـــــــدالله خلــــــــيفة» وهو كاتب من البحرين. ثم شاءت الصدف أن تقع روايته «أغنية الماء والنار» بين يدي. قرأتها مرة ومرة ومرة. لقد سحرتني. وما كنت أظن أنها قادرة على ذلك. وعن طريق هذه الرواية زادت معرفتي به.. ولكن.. عن بعد.. عن طريق القراءة..!! كتب على صفحة الكتاب الأخيرة: "رواية لكاتب عربي من البحرين فيها تصوير معبر للصراع الاجتماعي على أطراف مدينة في بيئة شعبية، وللحياة المرّة للفقراء في قرية ساحلية. البحر هو كل محور الحياة فيها. إفساد الفقير بإعطائه البقايا وتمنيته بالوعود. وصلابة البعض الذي يأبى الذلّ والهزيمة. وتقول الرواية الكثير دون مباشرة أو تقريرية، عن حياة البسطاء وأحلامهم وكفاحهم ضد قوى الشر والاستغلال. وهي نافذة جيدة على أدب قطر عربي شقيق. ويموج أسلوب المؤلف فيها بين الشاعرية والسرد الجميل". تدور أحداث هذه الرواية، بصورة مقتضبة، حول سقّاء يدعى «راشداً» كان يحمل الماء إلى البيوت ليجمع، في آخر النهار، دريهمات قليلة، وليغرق في النوم إرهاقاً وضجراً والماً. لم يتعلم في المدارس لكي يحصل على وظيفة في شركة النفط.. كانت حياته كلها تتلخص في أن "يحمل الماء، ويغني، ويحكي القصص للأطفال، ويشاكس النساء" لكنه كان "يعيش في قلق لأن مهنته مهددة بالزوال بعد التفكير بمدّ أنابيب غريبة تحت الأرض لتصب الماء في البيوت" لذا كان يفكر دائماً في مهنة يعمل بها في المستقبل..! كما كان يحلم كثيراً بإغراء «زهرة» بالحب، حتى تقبل به زوجاً. حينئذ ستتغير حياته، وسينجب الأطفال، ويسكن في بيت من الحجر، فيه كهرباء وماء. وبعدئذ سيموت راضياً. غنها أحلام فقير..! إذ أن «زهرة» تشيح عنه، ولا تشجعه.. بل إنها تميل إلى صديقه «جابر» وتمازحه وتواعده.. فيمتلئ صدره غيظاً. وفي جهة الجنوب كان بيت حجري كبير منعزل، نوافذه كثيرة، وفيه كهرباء ومراوح. وكانت تسكنه امرأة "لا تشرب غلا في كؤوس من الذهب".. تحكى عن حياتها الأساطير. يحلم «راشد» في الانتقال إلى ذلك البيت ليعيش مع تلط المرأة. كان «راشد» يوزع الماء في النهار، ويوزع الفزع في الليل، ويعرف عروق الحارة كما راحة يده.. وكان وقته موزعاً بين كوخه والخمّارة والمومس. يعاقر الخمرة الرخيصة، ويزور المومس الملعونة.. وكان الدخول إلى بيت تلك المرأة سريعا والخروج اسرع. وكان «راشد» يحوم دائما حول البيت الكبير، يقترب من النوافذ. ويعود إلى بيته. تنتبه إليه السيدة صاحبة ذلك البيت. وتستدعيه يملأ الماء لبيتها، لأن البئر قد نضبت. تعجب السيدة بشبابه وبذكائه، ثم تقرّبه أكثر فتسرح سائقها العجوز، وتعينه سائقاً، ثم تقربه أكثر من ذلك فتعينه جابياً لإيجارات مساكنها. وحتى بعد أن تتزوج السيدة من غني، كبير السن، تظل تغريه، فيقوم بجمع الإيجارات دون تهاون أو تساهل، حتى مع أعز الناس عنده: جارته «فاطمة» التي كانت تعطف عليه وتهيئ له الطعام، وصديقه «سالم»، و«زهرة» التي كان يحبها ويحلم بالزواج منها. ويبتعد الناس عنه. لكنه لم يأبه مادامت السيدة معه، والسيدة تتلذذ بتعذيبه. وحين ترى تأثيرها تقول له: "إنني متضايقة منة هذه الأكواخ.. هل تخلصني منها؟" وتوحي إليه بطريقة شيطانية: "صفيحة من البنزين وعود ثقاب فيقتنع، وينفذ...!". هذه هي القصة، بكل بساطة. لكن بلغتها الشعرية وأسلوبها الجميل، تلخيصها لا يغني عن قراءتها والتمتع وأفكارها الغنية، وابطالها وشخصياته... وتفصيلاتها. اقرأ عن «راشد» مثلاً، فيبرز أمامك ذلك الشاب السقّاء الذي يحمل الماء إلى البيوت ليجمع، في آخر النهار، نقوداً تساعده على شراء زجاجة الخمر الرخيصة، وليغرق في النوم إرهاقاً وضجراً والماً. بل إنك سوف تعيش معه وهو يسرد حكاياته على الأطفال، وسوف تضحك عندما تراه يشاكس النساء. وسوف تحس بغيظه عندما يطارد «زهرة» التي تفضل عليه صديقه «جابراً». وسوف ترافقه في أحلامه ورغبته في الصعود، وفي الزواج، وفي إنجاب الأولاد. وسوف تقرّعه لأنه ضل الطريق وجانب الصواب، ولأنه سلّم نفسه للسيدة صاحبة البيت الكبير التي سيطرت عليه، ودفعته إلى ارتكاب أشنع جريمة بحق أهله وأقاربه وأصدقائه. إنك سوف تراه ممتلئاً، عملاقاً، تزلزل خطواته الأرض. حالماً، ذكياً، لطيفاً، شرساً، محباً للادعاء. ولن تعجب لانقلابه إلى شرير مجرم، بعد أن كان ساذجاً بريئاً، يحبه الصغار وتعجب به الصبايا. سوف يبتعد عنه الصغار اشمئزازا. وسوف يتلقى الإهانات من السكان الذين كانوا يحبونه. لكنه سوف يرّد عليهم بالزجر والعجرفة.. وسوف تهجره الفتيات..! لماذا؟ لأنه باع نفسه وروحه للشيطان.. للسيدة..!! وسوف تدرك أن «راشداً» هذا كان يعيش في نكوص دائم وحنين إلى الطفولة.. إلى صدر الأم..! إنه يشعر بالوحدة "وحدي، دائما.. أين أنت يا أمي، وأين أمنت يا أبي؟ انظر غليّ وحيدا، منبوذا، ساقطا، تافها.. لماذا تركتماني أتعذب وحدي؟(ص 100)، نعم.. أنه يريد أن ينسى عذابه على صدر أمه: "وأحس بيد أمه تمسح على شعره وسمع كلماتها تهدهده" ص 124. وحين يكتشف «راشد» أن الحياة كلها خدعة، بما فيها من حب وإيمان وصداقة.. وأنها كلها أكاذيب، وأنها «ملهاة» الأغنياء و«مأساة» الفقراء.. ص 129 يجد الناس يقفون في وجهه ليقولوا له: "قد تكون الحياة كذلك. ولكن هذا لا تعني أن تصبح مهرجاً لكي تتمتع" ص 129 ولا يعني أيضا أن تبيع نفسك وتنقلب على وطنك. ثم تنتقل إلى «جابر» صديق «راشد» وغريمه فترى شاباً نحيف الجسم، قصير القامة، ناعماً، لطيفاً، لا تكاد نسمع وطء قدميه...! إنه متعلم، ولديه وظيفة جيدة توفر له، عيشاً متواضعاً. تميل «زهرة» إليه، وتخرج معه. فيشتد غضب «راشد» وحنقه.. ويصل إلى درجة يحاول معها أن يكشف أمرهما ليفضحهما إنتقاما.. عند «جابر» شيء من الغرور.. لا يتمكن من الزواج من «زهرة». لكنه يظل مرتبطا بها، بعد زواجها من رجل غني قاس متسلط. تعطيه «زهرة» نقوداً، من مال زوجها، ليستأجر غرفة في المد...
المـاء والنـار وما بينهمـــا .. هدية حسين* من معاناة الفقراء اليومية، من احلامهم المستحيلة وخوفهم المستديم، من قهرهم وانسحاقهم يقدم لنا الروائي عبدالله خليفة أغنية الماء والنار ويعرض علينا موضوعته ببساطة تناسب بساطة شخصياته، وهي بساطة الروائي المحترف الذي يذكرنا دوماً بما نسيناه او ما تناسيناه في خضم الركض وراء سراب الحياة، يذكرنا بأولئك الناس الذين ما يزالون يشكلون النسبة الاكبر على هذا الكوكب، تلك النسبة التي تعيش بصدام لا ينتهي وهي تقف على حافة مسننة من هامش ضيق من الحياة، تأتي الى الدنيا وتشقى ثم تمضي منها دون ان تحقق ما تصبو اليه . . انها فوضى الحياة التي تأخذ منهم ولا تعطيهم ما يستحقون، ويأخذ آخرون اكثر بكثير دون ان يعطوا شيئاً .. هذه هي المعادلة المختلة التي تقوم عليها حياتنا والتي لم تستقم ابداً منذ بدء الخليقة .. ومنها انبثقت رواية اغنية الماء والنار الصراع الدائم بين الاغنياء والفقراء. تنطلق الرواية من حي فقير جداً يعيش سكانه في اكواخ وبيوت وعشش من التنك والصفيح، تمتلك ارضه سيدة تسكن بعيداً عن الاكواخ في بيت حجري، سيدة لها سطوة وجاه تصل الى المتنفذين من سلك الشرطة، وبيتها هو الوحيد الذي تصله الكهرباء في ذلك المكان، بينما الحي بأكمله يعيش في ظلام دامس في الليل، ويقال عن هذه المرأة بأنها اميرة الاميرات ولها حرس وخادمات. يتغلغل عبدالله خليفة في مفاصل هذا الحي ليكشف لنا نمط العلاقات السائدة والمعاناة التي يعيشها الناس والتي تكاد تكون زادهم اليومي. الشخصية الرئيسية في العمل منحها الروائي لشاب يعمل في السقاية يدعى «راشد» .. فهو المسؤول عن ايصال المياه الى البيوت . . حياة هذا الشاب اكثر من بسيطة، يعيش في كوخ هو كل ما يملكه. هو شخصية مرحة معظم الوقت، يحكي الحكايات لأطفال الحي ويشاكس النساء احياناً . . في الليل حيث يأوي سنعرف ان لراشد وجهاً آخر، فهو يحلم بالزواج من «زهرة» احدى بنات الحي، يتمنى ان يعيش معها في بيت حجري وينجب الكثير من الاولاد، و«زهرة» هذه لا تشبه الاخريات اللواتي يداوينه اذا جرحت قدماه، ويضحكن له اذا قص عليهن طرفة، ويسألن عنه اذا تأخر .. انها تغلق الباب دونه، وتحتقره وتشيح عنه اذا مر بالقرب منها، بينما تضحك لصديقه «جابر» وتقف معه طويلاً عند الباب .. وسنعرف انهما – زهرة وجابر – على علاقة سرية ستكشفها الايام. لكن احلام «راشد» لا تقف عند «زهرة» . . فلطالما ود ان يرى اميرة الاميرات، وتحقق له ذلك ذات صباح حين رأى سيارتها تنتظر قرب بوابة قصرها، ومنذ تلك اللحظة كره الحياة التي وجد نفسه عليها، كره حياة الفقر والعمل المضنى في حمل الماء، وكره الكوخ البائس الذي يحتوي جسده المتعب في الليل . . لكنه كان يهرب من هذا الواقع الى الاحلام، وكان من شأن الذين كان يقص عليهم القصص، وعن النساء اللواتي لا يجد فيهن ما يأخذه الى مغامرة كتلك التي تحققها له اميرة الاميرات في احلامه والتي تأخذه الى بيت تلك السيدة فيرى نفسه وقد اضاء مصابيح بيتها واطل من نوافذها العالية على الاكواخ البائسة . . بل اخذته احلامه اكثر من ذلك فوجد نفسه على فراشها الوثير المضمخ بماء الورد . . لقد خرجت احلامه عن نطاق احلام الفقراء، وصار عليه ان يسعى الى ذلك البيت الحجري بأية طريقة. كان اهل الحي يسمونه ملك الماء ذلك ان مهنته لا تبور طالما بقيت الاكواخ غير مشمولة بمد انابيب الماء الصافي . . ومع ذلك فان هذه المهنة لا توفر له اكثر من قوت يومه . . يأكل القليل ويهرب الى احدى الخمارات لعله ينسى بؤس يومه. وعبر رحلة «راشد» على أرض الواقع وفي طيات الاحلام يلقي عبدالله خليفة الضوء شيئاً فشيئاً على شخصياته، فهناك «جابر» صديق «راشد»، وهو شاب يعيل اسرة كبيرة متكونة من ام واب واخوة مما يعيق علاقته بزهرة ويحجم عن الزواج منها بسبب ضيق ذات اليد . . وسنقف على اكثر من محطة في حياة هذين العاشقين بالتوازي والتقاطع ايضاً مع احلام «راشد» ومعاناته. ذات ليلة كان القمر فيها يمر بحالة خسوف، خرج الناس حاملين الاواني للطرق عليها لعل الحوتة التي ابتلعت القمر ترأف به وتخرجه من فمها المرعب، وكان «راشد» يمشي في تلك الليلة على غير هدى حين سمع همساً ولمح ظلال امرأة ورجل ظن للوهلة الاولى انهما «زهرة» و«جابر» .. وقد حالت ضجة الناس وطغت على المشهد حتى صرخ بهم ليخبرهم ان ما يحدث للقمر ما هو الا بسبب هذا الفعل الشائن . . واسرع والناس من ورائه باحثاً عنهما .. الا انه لم يجد شيئاً وانما ابتلعته احدى الحفر في ظلام الليل، ولم يسمع الا الضحك منه وعليه، واصيب بجروح ورضوض .. ولكن ما آلمه اكثر هو تأنيب الضمير لأنه لم يكن متأكداً مما رآه، فهل يا ترى كان اشكالاً بصرياً تساوق مع افكاره المريضة؟ مهما يكن فقد شعر بالألم لعجزه ولتفاهة حياته وخلوها من الدفء والحب. ثمة انتقالات انسيابية بين البيت الحجري وما يجري فيه، وحياة الفقراء في الاكواخ والصرائف . . في ذلك البيت تقرر السيدة طرد سائقها العجوز، وكانت المصادفة قد وضعت «راشد» امامها حين جلب لها الماء، فاقترحت عليه ان يعمل لديها وسوف يتدرب على السياقة .. ها هو الحلم يحلق به عالياً، لطالما تمنى رؤيتها والآن يصبح قريباً منها. وخلال ايام قليلة قاد السيارة، والمرآة الحلم تجلس في المقعد الخلفي، انه يثرثر معها فتصده بسرعة، ليس هذا مهماً، انه يطمع بامتلاكها وفي اسرارها التي جعلتها غامضة ومهابة الى هذا الحد. لقد تغير كل شيء فيه، صار نظيفاً وصارت الفتيات قرب يديه، يفتحن له الابواب ويبدين اعجابهن به، بل حتى «زهرة» اصبحت تنظر اليه بفضول واعجاب .. لكنه لم يصل بعد الى ما يصبو اليه، صارت احلامه تسبقه ويعجز عن اللحاق بها، فهو لم يستطع في الواقع ان يعرف السيدة او يقترب من زوايا البيت واسراره، في وقت فقد فيه الاصدقاء وجلسات الشاطئ وحكايات الاطفال . . وعلى طرف آخر يمضي صديقه «جابر» في علاقته السرية بزهرة .. لقاءات مسروقة بعيداً عن الانظار . . هي تحبه ولكنه مكبّل بأسرته، وحين تخبره ان رجلاً غنياً تقدم لخطبتها تداهمه فرحة خفية ليزاح العبء عنه . . وقد حدث الامر فعلاً ذات يوم عندما تعالت الزغاريد في بيت «زهرة»، لكن ما ان آلت الامور الى ذلك حتى شعر بالندم واكتشف ان علاقته بها ليست عابرة وانه يحبها فعلاً. كل يمضي الى حلمه بطريقة مغايرة، وقد تأتي الاحلام بأكثر مما يتمنى المرء وها هي السيدة تطلب من «راشد» دخول غرفة نومها . . اعطته دفتراً كان بحوزة السائق السابق وامرته ان يجمع لها ايجارات البيوت . . لقد ارتفعت منزلته وخيّل اليه بأنه اصبح قاب قوسين من الشمس . . ولكنه حين راح يدور على الابواب واجهه الكثر بضيق الحال وقلة المورد . . ماذا يفعل؟ انه لم يعد ذلك الشاب البائس الذي يحمل الصفائح وينقل الماء مثيراً ضحك الاطفال، انه الآن بوجه رجولي صلب وينام على سرير فخم ولا بد لشخصيته ان تتغير . . وتغير فعلاً، صار يعامل الناس بفظاظة، ولا يترك الابواب الا بعد استحصال الايجارات، فالمهم لديه هو رضا السيدة التي قلبت حياته رأساً على عقب، والوصول الى حلمه الى اقصى المديات . . وها هي تناديه للصعود الى الطابق العلوي الذي لم يكن مسموحاً له ان يتخطى عتباته، ليس مهماً ماذا تريد منه، قد تستخدمه جمراً للمباخر او فحماً للمواقد . . صعد السلم بهواجس كثيرة لا تستقر على شيء، وحين وصل احس بأن الاضواء التي تحيط المكان قد انطفأت فهوى الى الارض لا يدري بالتأكيد هل رأى السيدة في حضن رجل ام تراءى ذلك، كل ما يدريه ان السيدة صرفته حين احست بتعبه . . ومضى الى البيت مستغرقاً في نوم عميق لم يصح منه الا بعد ايام كانت فيها السيدة قد تزوجت من رجل ثري يدعى خليفة، وفي هذا الوقت بالذات كان صديقه جابر ينتظر في مكان ما «زهرة» التي شكلت له في آخر مرة رآها فيها ما تعانيه من زوجها التاجر . . كان ذلك اللقاء قد وضع حداً لعلاقتهما اذ لم تعد زهرة تلك المرأة التي احبها .. لقد تخلت عن براءتها ودون خجل تعرت امامه فبدت امرأة مبتذلة على نحو مريع . . وانهارت ايضاً بعد ايام علاقة الزواج بين السيدة وزوجها «خليفة»، فاستغلت غيابه في رحلة صيد لتبعث بخادمتها الى «راشد» وتخبره بأنها تحبه وتريده فوراً. لقد اصبحت المرأة المضيئة بين يديه، وسيأخذه الفرح الى حدود لا نهاية لها. ولكنه افاق من حلمه وهو بين يديه، تطلب منه ان يحرق الاكواخ ليجبر الناس على الرحيل، وتستثمر الارض بطريقة افضل، وهنا يقع «راشد» في صراع مرير مع نفسه اذ كيف يتحول الى رجل شرير ويحرق بيوت الناس؟ واخيراً تغلب عنصر الشر وقاده الى صفيحة غاز وعلبة كبريت لتذهب الاكواخ الى النار ويذهب الفقراء الى مكان آخر، وتذهب ذكريات طفولته الى هباء منثور، الحياة الجديدة بانتظاره والمرأة الاميرة طوع اصابعه. لقد برع الكاتب في لحظات الصراع التي عاشها «راشد» بين اقدام واحجام وهواجس واحلام ثم البحث عن مكان مناسب لإشعال الشرارة الاولى واستحالة الليل الى نهار وصرخات وعويل، كل يريد النجاة بنفسه من هذا الجحيم الذي اتى على الاكواخ والصرائف . . وهرب «راشد» باحثاً عن مكان يختبئ فيه فسقط في حفرة عميقة يتناهبه الخوف والحلم في وقت واحد . . الخوف من ان يفتضح امره . . والحلم بامتلاك السيدة التي سلمها كل شيء حتى جثث اهله وتحول من شاب طيب يحمل صفائح الماء ويغني ويحكي الحكايات للأطفال الى رجل شرير هارب لا يقوى على الخروج من الحفرة العميقة التي يسقط فيها .. لقد تذكر الآن وهو على هذه الحالة بأنه مر بثلاثة رجال عائدين من سهرتهم، كان احدهم صديقه «جابر» وقد رأوه وهو يحمل الصفيحة . . لا بد انهم الآن يبحثون عنه بعد ان تحول الحي كله الى رماد وبقايا اثاث متفحم وروائح غريبة ونساء مفجوعات . . الشرطة التي وصلت اخيراً لم تفعل شيئاً حتى بعد ان اتهم «راشد» والسيدة بافتعال الحريق . . ولم يجد الفقراء من يساعدهم فساعدوا انفسهم . . بعد ايام قليلة جلبوا الواح الخشب والصفائح والتنك والسعف لتبدأ من جديد حركة بنيان الاكواخ .. لكن ضابط الشرطة المتواطئ مع السيدة جاءهم بأمر ازالة الاكواخ بقوة القانون . . ولأن الفقراء ليس لديهم ما يخسرونه فقد هاجوا ولعنوا وهجموا على الضابط ولم يستطع الا بصعوبة الخروج من تلك الزوبعة لتأتي بعد ذلك سيارات عسكرية وينهمر الرصاص من كل حدب وصوب على الغاضبين .. لكن ماذا يفعل الغضب والحجارة امام الآلات التي راحت تدك الاكواخ دكاً؟ تلك هي اغنية الماء والنار الاغنية الحزينة والنار التي لم يطفئها الماء . . وكأن عبدالله خليفة اذ وصل بنا الى هذه النهاية اراد ان يقول ان الفقير فقير والغني غني، واذا ما اختلت الامور فأنها ابداً لن تكون في صالح الفقراء، برغم انه قادنا الى اعتقاد آخر وسحبنا الى احلام لن تتحقق على ارض الواقع. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ * كاتبة عراقية
الكتاب الثالث ضمن سلسلة مراجعات أفضل ١٠٠ رواية عربية:
اسم الكتاب: رواية أغنية الماء والنار 🇧🇭 المؤلف: عبدالله خليفة الصفحات: 182 رقم الكتاب: 181
يكتب عبدالله خليفة في هذه الرواية عن أشياء كثيرة، يكتب عن الخيانة، والحب، يكتب عن الماء والنار، يكتب عن الجمر، والرماد، يكتب ويكتب. وكل هذا بلغة سلسة، وجميلة، رقراقة كأنها مغروفة من بحر.
في الرواية أصوات متعددة، ويبقى صوت راشد أهمها كون الرواية تدور معظم أحداثها حوله، راشد سقاء الماء، الذي كان يسقي الحي بالماء، يرقص مع الأطفال، ويقص عليهم القصص، يغازل النساء، يتلقى سيلاً من السخرية من الناس، السقاء الذي سرعان ما تحول إلى سائق سيارة يعمل تحت إمرة سيدة الأرض، السيدة التي اختلس نظرةً إلى جسدها العاري، فرَكَزت من وقتها في ذهنه، وانطبعت في ذاكرته! المرأة التي رأى البلور مترقرقاً من عينيها، والصفاء يشع من جسدها، أصبح تابعاً مخلصاً لها، بالغ وأسرف في حبه لها، إلى أن آلت الأمور إلى ما آلت إليه في أحداث العمل.
ولا أدري لماذا عمل كهذا لم يُطبع غير مرةٍ وحيدة فقط، -هذا ما عدا طبعة مجلد الأعمال الروائية- خاصة وأنه دخل قائمة أفضل 100 رواية بحرينية، ومن دولةٍ لا يكاد يعرف أحد عن الأدب فيها، وأدبائها وروائييها! ولا أعلم لماذا كثير من روايات القائمة السالفة لم تطبع إلا مرة واحدة!
عموماً بهذا العمل، تنتهي رحلتي مع مجلد الأعمال الروائية الخاص بعبدالله خليفة والصادر عام ٢٠٠٤، وضم 4 روايات هي الأولى في مسيرة الراحل الروائية، وكلها تدور في فلك الماء والبحر تقريباً.
إن لعبدالله خليفة دهشة متخفية وكامنة بين أسطر رواياته!