تقع مجموعة «سهرة» الصادرة عن المركز الثقافي العربي سنة 1994 في 96 صفحة من القطع المتوسط، وتضم إحدى عشرة قصة، هي: «السفر – سهرة – قبضة تراب – الطوفان – الأضواء – ليلة رأس السنة – خميس – هذا الجسد لك – هذا الجسد لي – أنا وأمي – الرمل والحجر»، وهي في جلها تحافظ على المقوم الحكائي ضمن برنامجها السردي، أي أن هذه القصص لا تراهن على الخطاب Le discours وحسب بل تراهن أيضاً على الحكاية L ’histoire من غير أن يكون المتن الحكائي مجرد مادة كما كان يعتقد «فيكتور شيكلوفسكي» وهو يميز بين المتن الحكائي وبين الخطاب في الأعمال السردية ومن ثم فإن قصص عبدالله تدور حول قضايا وفضاءات وأزمنة وتحركها شخوص ووقائع، وأدبيتها تتحقق انطلاقاً من المعنى والمبنى معاً. إن (الثيمة) الناظمة بين غالبية النصوص تتمثل في خيبة الأمل، فهذا مثلاً سجين لا يفارقه التفكير، وهو في الزنزانة في كنز اخفاه بالخارج، وما أن يطلق سراحه حتى يبادر إلى التودد لسيدة من المفروض أن الكنز مخبوء في البيت الذي آل إليها، وقد أفلح فعلاً في استمالة السيدة، وفميا هو يخطط للاستيلاء على الكنز يفاجأ بالسيدة تخبره – عرضاً – بأن زوجها عثر ذات يوم على شيء في البيت ومنذ ذلك الحين رحل دون أن يعود، قصة «السفر»، وهذان شابان يحاولان الهروب، عبر وسيط، إلى بلاد النفط، لكن المهرب على غرار(أبي الخيزران) في «رجال في الشمس» لغسان كنفاني، سيغرر بهما ليلاقيا حتفهما في مد البحر قصة «الأضواء» وتتخذ خيبة الأمل هذه وضعاً انقلابياً – بالمعنى الأرسطي للانقلاب كخاصية درامية – فالشاب الذي أضاع، في ظروف غامضة صديقه الشاعر، والذي أغوته حيزبون متصابية فقضى ليلة معها، سيفكر بالانتحار كخلاص للمهانة التي أحسَّ بها جراء هذا الفعل المنحط وفي آخر لحظة سيعدل عن قراره، كشأن(مم أزاد) بطل رواية «الريش» لسليم بركات الذي أجل انتحاره إلى حين البت في أمر ريشة مريبة ظهرت دونما مبرر في حقيبة ثيابه، لقد ظهر الشاعر الذي يحتاج أمر غيابه إلى مبرر توضيح!، قصة «سهرة» والبحار الذي باع سفينته ومبادئه وراء اللذة ووضع نفسه رهن إشارة قراصنة برتغاليين وزودهم بخرائط وأسرار الممرات البحرية، سيصحو ضميره بعد الذي شاهده، وهو يقودهم، من فظائع اقترفوها في حق الأهالي «قصة الطوفان»، وهكذا.. يمكننا أن نذهب في التأويل إلى دلالات افتراضية أخرى غير بعيدة، كأن نفترضَ بأن(الكنز) في قصة «السفر» هو المرأة نفسها، وأن الهروب من الوطن في قصة «الأضواء» هو هروب من الذات، الذي يعني في نهاية المطاف الهروب من الحياة نفسها وبالتالي الانتحار والموت، فقط علينا أن نحذر من إسقاط دلالات تشاؤمية على قصص عبدالله خليفة، الذ يبدو إنه من موقعه ككاتب يحملُ وعياً ممكناً يناهضُ الوعي القائم، ومتمسك بالأمل والحياة، وأبطاله دوماً يخلقون لأنفسهم حين تضيقُ بهم السبل أسباباً للحياة ولو كانت واهية (يكفي أن يظهر الصديق الشاعر ليلغي فكرة الانتحار من جدول أعماله!). بيد أن هناك نقطى تفصيلية لا بد من فتح قوس صغير بخصوصها، فالقصاص، أي قصاص، هو صانع حكايات «بيرسي لوبوك» وليس مبشراً ولا مصلحاً اجتماعياً إلا من باب التلازم الذي يصل الفن بمحيطه، ومع ذلك فإن الفنان عموماً ليس نجماً معلقاً في الفراغ، وإبداعه لا بد أن يحمل نفساً أطروحياً مقصوداً أو غير مقصود، فبيكاسو مثلاً في «جرنيكا» كان بشكلانيته قاسياً في (واقعيته) أكثر من الواقعيين أنفسهم، وفلوبير الذي حكوم إلى جانب «شارل بودلير» على الرغم من أنهما قدما أعمالاً(لا تقول شيئاً) وإنما ( لها طريقة في القول)، لم يتحدثا عن الواقع كما فعل زولا وبلزاك وهوجو، فقط لكونهما دفعا بالمحتويات إلى مشابهة الأشكال بنحو من الأنحاء(على حد تعبير جان ريكاردو في حديثه عن الرواية الجديدة). فــ عبدالله خليفة لا يكتب القصة كترف بلا قضية، وإنما يكتبها لأن له أكثر من قضية: فإلى جانب انشغاله باختلالات الواقع وتدهور القيم وتناقض الكائن مع الممكن، نجده منشغلاً كذلك بالهموم الإبداعية، لهذا فكتاباته تحمل قضايا موضعها دون إغفال قضاياها الخاصة، فبقدر ما لا تقبل مساومات في طروحاتها ومبادئها بقدر ما لا تقبل مساومات بخصوص أن تكون كتابات أدبية أو لا تكون على الأطلاق ولذا ينبغي التأكيد مرة أخرى على أن المحتوى والشكل عند عبدالله خليفة كلاهما يكملُ الآخر وكلاهما يباطن الآخر مباطنة عضوية، فها هو السجين في قصة «السفر» يحلم بالكنز الذي سيخلصه من عذابه وينسيه خمس عشرة سنة من الاعتقال والحرمان، وحلمه ليس مجرد حلم تقريري وإنما جاء مصاغاً بطريقة تكشف نفسية الحالم واستيهاماته، خاصة وأنه كان يعلق كل أحلامه على تلك الحقيبة الصغيرة المملؤة بالأوراق النقدية المخبأة التي سيطير حيث «جبل من الأثداء، ومدن الهند الصاخبة، وبارات آسيا الواسعة، ويداك تلمسان غيم الأعالي، ونساء يحترقن حباً. . وأنت ترقص في كهوفٍ مضيئة، وتحرق رزنامة الأيام الحجرية، تشرب وتشرب حتى تصير نهراً للحب قطراته دواءً للسنين»، ص 6. والعجوز في قصة «قبضة تراب» الذي اجهد نفسه لصعود الهضبة، قصد تبليغ مديرة المدرسة رسالة الامتعاض من القرية التي ترفضُ تعلم بناتها ولم يكن يتكلم فقط وإنما تشخيص كلامه المتقطع على الطريقة التالية: «البارحة . . هتف الشباب . . وصرخوا . . أرادوا أن يحملوا . . النار لحرق المدرسة! . . هدأتهم . . في الليل . . لا نستطيع . . أن ننام . . موسيقى الغرباء . . تضجُ في . . المكان»، ص 25. ولغة عبدالله خليفة لا تعتمد على التشخيص وحده وإنما تدفع بالمفارقة إلى اقصاها عبر السخرية والباردويا: «جارنا فلان اشتغل براتب كبير، وعلانة صارت سكرتيرة للوزير، وابن حمدان راعي الحمير السابق بنى لنفسه عمارة، أما أبي فمن المسجد إلى الدكان ولأن الدكان شبه فارغ فهو دائماً نائم، وبين كل غفوة وغفوة يسألني هل اشتغلت؟»، قصة «سهرة» ص 12. «قالت العجوز: – أتحب أن تأكل؟ – إنني لا أريد إلا أن آكلك أنتِ! – وأضفت بالعربية "حتى أخلص العالم من شرك!»، ص 16. وفوق ذلك فإن اللغة في مجموعة «سهرة» فضلاً عن جزال...