ما أعنيه بـ"النزعة الإنسانية" في عنوان الكتاب لا يرادف المصطلح الذي ظهر في العصر الحديث تماما،وإن كان يلتقي معه في أكثر دلالاته كالتشديد على مرجعية العقل،وإعادة الاعتبار للآداب والعلوم والمعارف البشرية ومهمتها العظمى في بناء الحياة وتطورها.وهو معنى يتسع للقيم الأخلاقية،والحقوق البشرية التي يستحقها كل إنسان بوصفه إنسانا من دون نظر لجنسه أو معتقده أو هويته العرقية.لذلك شددتُ في الكتاب ،على وفق المفهوم الذي شرحته لإنسانية الدين،على ضرورة العمل بالعقل واعتماده مرجعية في كل شيء،واستعماله في تفسير مختلف الظواهر،والبرهنة على كل قضية مهما كانت إثباتا أو نفيا،والثقة بالعقل في فهم الدين ورسم خارطة تحدد المجال الذي يشغله في الحياة ويحقق فيه وعوده،والكيفية التي يتجلى فيه أثر الدين الفاعل في بناء الحياة الروحية وإثراء المسؤولية الأخلاقية وإيقاظ الضمير الإنساني،وبناء صلة بالله تتكلم لغة المحبة وتبتهج بالوصال مع معشوق جميل،والكشف عن أن تجاوز الدين لحدوده لا يفقده وظيفته البناءة فقط،بل يمسي معها أدة لتعطيل العقل،وإغراق حياة الفرد والمجتمع بمشكلات تتوالد عنها على الدوام مشكلات لا حصر لها.وشرحت في موضوعات الكتاب المتنوعة كيف تمكن الإنسان من تحديث مناهج فهمه للدين،وتجديد أدوات تفسير نصوصه،والأهمية الكبيرة لتوظيف تلك المناهج والأدوات في الدراسات الدينية اليوم.وشددت على ضرورة التمسك بالتفكير النقدي لاختبار قيمة كل فكرة سواء كانت تتصل بفهم الدين وتفسير نصوصه أو غير ذلك،والكشف عما هو حقيقي وتمييزه عما هو زائف.وأوضحت أن النقد ضرب من الاختلاف وليس المحاكاة،وأن النقد العلمي للأفكار احتفاء بها وتكريم لكاتبها،وأن النقد ضرورة يفرضها تجديد حياة الدين وإثراء حضوره الحيوي في الحياة الروحية والأخلاقية والجمالية،وأن النقد هو الأداة العقلية الوحيدة لتصويب الأفكار وإنضاجها،وأن الفكر الديني الذي لا ينقد ينسى ويخرج أخيرا عن التداول.
الدكتور عبد الجبار الرفاعي، مفكر عراقي وأستاذ فلسفة إسلامية، مواليد ذي قار – العراق، سنة 1954.حاصل على عدة شهادات أكاديمية منها دكتوراه فلسفة إسلامية، بتقدير إمتياز، 2005، وماجستير علم کلام، 1990،وبكالوريوس دراسات إسلامية، 1988، ودبلوم فني زراعي، 1975. وله رؤية فلسفية حول الإصلاح ومناهج التفكير الديني.
هذا الكتاب جعلني أركز النظر على موضوعات عديدة كانت خارج اطار تفكيري ومنها:
-تأثير اللغة على الانسان وتصوراته و أفق تأملاته، وفي ان افقار اللغة من المصطلحات و روافد تحديثها له علاقة بالاستبداد الديني والسياسي وهذه علامة للانظمة الشمولية وما يرتبط بدلك عن كون اللغة قد تصبح منبع لاشاعة الكراهية وسوء الفهم.
-التراث الذي يهتم بجانب التجربة الروحانية وتقديس الانسان كأثمن رأس مال في الوجود والتدليل على ذلك من خلال اسلام المتصوفة والفلاسفة والعرفاء.
-في فكرة الكاتب الرئيسية المتمثلة بموقف سلبي من تحويل ماهو (روحاني) الى (ايديولوجي) مما يؤدي الى اهدار الطاقة الروحانية فيه (اي الدين) ويعطي مثال على ذلك بكتابات علي شريعتي وحسن حنفي ويدرج ذلك ضمن "دنيوة الدين".
- تكلم الكاتب عن اصل فكرة (ولاية الفقيه) في الفقه الاثناعشري منذ كتابات السيد الكركي 940 هجرية وكيف تطور المعزى منها من ديني الى سياسي وطبق على ارض الواقع في العام 1979 ميلادي.
-وكان الفصل الذي عقد فيه الكاتب مقارنة بين الراحل محمد عبده ومحمد اقبال من اجمل الفصول وفي تقديمه نموذجين الاول من وسط عربي مصري ذو مجتمع نوعاً ما متجانس ونموذج من الاسلام الهندي في مجتمع غني ومتنوع وكيف سار النموذجين في أخر المطاف الى النسيان وصعود السلفيات في كلا البلدين.
-في تأكيد المؤلف على ان التجديد الديني لا يأتي من فتوى جديدة تدفن القديمة في طي الكتمان وانما على المؤسسة الدينية ابتداع علم كلام جديد بأدوات جديد من وحي العصر لحل مشاكل المسلمين اليوم.
-يوكد المؤلف على ان الاصلاح الديني يأتي من باطن المؤسسة وهو الانجح حسب التجربة المسيحية مثلاً، وان التجديد من خارج المؤسسة سيقابل بأن صاحبه غير متخصص وكلامه غير ملزم للمؤمنين.
- وفي نهاية الكتاب كان هنالك نبذة تاريخية قصيرة عن الخط التحديثي على المستوى الديني والسياسي في ايران.
"لن يستمر الكون بدون نظام أخلاقي كوني يدعمه المتدينون وغير المتدينون على حد سواء" اللاهوتي الألماني هانز كونغ
"الإنسان هو الكائن الحي الوحيد المسكون بإضافة معنى لوجوده" هايدغر
الدين متى اتسع مجال الرموز فيه كان أثرى و أعمق حيث يتيح للمتدين استقاء سيل لا ينضب من المعاني، الدين يهتهم باللباس والطعام والمكان و الزمان، وعندما يكتسي الثوب بشيفرات ومفاهيم قدسية خاصة فإنه يتحول إلى رمز وعلامة، فمثلا الكفن ما هو إلا قطعة قماش بيضاء، لكنه بعد طقوس الدفن يتحول إلى شيء مختلف ومصون ويتضمن معنى لم يكن يتضمنه قبل ذلك، وقس على ذلك الأماكن المقدسة والأيام التي تكتسي قدسيتها من الدين الذي يوظف لإنتاج المعاني لحياة الإنسان.
إذا كانت البيئة الاجتماعية قمعية فإنها ستنتج تصورا قمعيا للإله، أما إذا كانت هذه البيئة إنسانية فإنها ستنتج تصوراً شفافاً رحيماً للإله، ولقد أثر حرمان الفقهاء من السلطة السياسية فاستعار بعضهم ألقاب السلاطين بعد إعادة إنتاجها من منظور ديني ليخلعوا على أنفسهم غطاء لغويا لاهوتيا ليلحقوا بمراتب السلاطين، أما قاموس الاستبداد فهو غني بعبارات التبجيل والتمجيد حتى تكاد تبتلع أسماء الله وصفاته ليضاهي العالم الربوي، وقد يغرم المستبد بالصور والتماثيل والنصب التذكارية والموسيقى والشعارات والدعايات حيث أن المستبد ينشد حضورا مستفزا ليثير رهبة الجماهير.
يتلهف البعض إلى استدعاء أنماط تاريخية في الاجتماع السياسي كما هي دون مراعاة لفرق المكان و الزمان والأطر الاجتماعية، وهم غارقون في كهوف الماضي ومفرطون في استهلاك التاريخ ولا يعيشون في عالمنا إلا بأجسادهم حيث أن عقولهم مع الموتى، وهؤلاء مقبرتهم السلطة والعمل السياسي.
يرجع سبب ثراء الإنتاج الفقهي بين كافة أنماط الإنتاج المعرفي بسبب كونه المعرفة التي تعطي مشروعية لتلامذتها و أساتذتها و تضعهم في مرتبة من يمنح التفويض والرخصة لغيره من الدارسين في الحقول الأخرى للمعرفة الدينية مما أدى إلى اضمحلال دراسة المعقول في القرون الأخيرة.
يرى محمد إقبال إن النبوة لتبلغ كمالها الأخير تحتاج إلى إلغاء النبوة نفسها والذي تمثل في ختمها بنبوة محمد ص، فالنبوة مختصة بمرحلة الطفولة البشرية قبل أن ينضج العقل وتتفتح ملكة النقد لديه، ويستحيل أن يبقى الوجود معتمداً إلى الأبد على مقود يقاد منه، فتعاليم الأنبياء صارت متاحة للجميع مثل الماء والهواء ومعها تحررت إرادة الإنسان.
أما عبدالكريم سروش فقد وضع في كتابه "القبض والبسط النظري للشريعة" أركاناً للمعرفة الدينية والتي منها أن الدين والمعرفة أمران متغايران وليسا متضادين، وأن الدين ثابت، وأن المعرفة الدينية أحد أنواع المعارف البشرية التي هي مترابطة ومتداخلة ومتحولة ومتغيرة وتحولاتها تكاملية وليست تراجعية أو سلبية.
"الاماكن المشبعة بالمعنى عميقة متعددة الطبقات بطبيعتها، يحتاج التعرف عليها الى منقب ماهر، لا يمل من الحفر في طبقاتها، لذلك لا تكفي زيارة واحدة لاكتشاف مدياتها، ففي كل زيارة تتحدث طبقة فيها لم تتحدث من قبل، وقد تتكرر اكتشافاتها كلما تكررت زياراتها".
الدين والنزعة الانسانية - عبد الجبار الرفاعي
الكتاب يحمل توثيق تاريخي كبير ومهم وجميل، تفاصيل عديدة يرويها الكاتب متصلة بمعلومات تاريخية قيمة، حول الدين والمجتمع والبناء،
اعجبني شغف الكاتب بالبناء وهذا الي نشترك بي، هو انتبه لبناء اسطنبول، واني باول زيارة لاسطنبول اتجول بشوارعها الحديثة واعيش شعور القدم خلالها،
الكتاب يتكلم حول الدين بتجريده من اراء مفسريه، وبتفسير كاتبه، وربطه بالصوفية والجمال والحب والسلام، وهي صورة رائعة وجميلة ونحتاجها بشكل كبير ومبالغ به.
الكتاب عبارة عن مجموعة من الندوات والحوارات تناول خلالها د. عبد الجبار عِدة مواضيع و محاول مهمة. يحاول د. عبد الجبار دائما أن يشدد على أهمية الجانب الروحي للدين ويحذر من تفريغ الدين من المعنى وحصرهِ في الإيديولوجيات التي تعتمد على القراءة المغلقة للنصوص وما تنتجه من الأذى والخراب على أرض الواقع، على المستوى السياسي والأجتماعي وكذلك على التجربة الدينية نفسها، من خلال الأنغلاق على الذات ونفي الآخر في دائرة التكفير، وهذا ما سوف يشعر به القارئ في كل فصول الكتاب تقريبا. كما أن د. عبد الجبار لا يتورع عن نقد شخصيات مهمة مثل علي شريعتي وحسن البنا بسبب أدلجتهم للدين، ذلك لأن على الإنسان الأهتمام بطرح الأسئلة اكثر من تثبيت الأجوبة النهائية وفرضها على القارئ، من أجل تنمية التفكير النقدي الذي يُعد العصب الرئيسي لأي باحث.
الرأي شخصي : 1. عنوان الكتاب مغري جداً، وقد تخيب آمال القارئ بمجرد تجاوزه الفصول الأولى.
2. بصورة عامة، الكثير من الأفكار غير مكتملة، مجرد إشارات، وهذا ليس نقص في فكر المؤلف، بل نتيجة لطبيعة الكتاب الذي هو عبارة عن حوارات و ندوات، حيث لا يتسع المجال لطرح الأفكار بطريقة تفصيلية.
3. هذا النوع من الكتب ليس من النوع البنّاء، يمكن أن يُثير الفكر هنا وهناك، ولكنها غير متكاملة بسبب عدم ترابط المحاضرات.
أن تقرأ الدين كظاهرة لم تفارق البشرية منذ فجر التاريخ ولن تنفك عنها ابدا ..فهي حتى في بعض المجتمعات الحديثة التي فرض عليها فرضا الابتعاد عن الدين لازالت تمظهراته حية بين أفرادها ... ثم تجده (أي الدين) يفيض بالجمال والمعنى إلا أنه تم طمس ذلك بفعل الثقافة التي افرزتها الظروف الاجتماعية والسياسية وبفعل تحويله إلى اديولوجيا .. وبفعل التعريف الملتبس له ولدوره ووظيفته عند البشر واستنزاف طاقته الرمزية في التشديد على طقوسه والاسراف فيها وخلع تفسيرات ومنافع دنيوية عليها -تحويل الديني الى دنيوي- . الكتاب يأتي كمجموعة أوراق منفصلة قدمت في أماكن مختلفة .. أغلب الأوراق من وجهة نظري تصب في السياق العام الذي يشتمل عليه العنوان ، لكن هناك ورقتان في المنتصف عن مفهوم الدولة عند مدرسة النجف والمرجعيات الكلامية للفقيه .. وجدت صعوبة في ربطهما بالسياق العام .... من اهم الاوراق تلك التي تتناول اسلامية المعرفة ومن اين تشتق الكراهية مفاهيمها والاخلاق والنزعة الانسانية في الدين .. هذه الاوراق الثلاثة من وجهة نظري هي جوهر الكتاب ولبه .. واتمنى ان تتحول من اوراق الى كتاب اكثر تفصيلا وتوسعا استمتعت كثيرا بورقة التحقيب الزمني لفترة التحديث الديني في ايران وكأني كنت أقرأ تشابها في مكان ما يحدث الان .... الكتاب يجبرك على الوقوف امام العديد من الأسئلة.. من اهمها .. هل الفقه صناعة بشرية أم تشريع إللهي؟ ..
ليس افضل اختياراتي للرفاعي ولكن لا يزال كعادته يبهرك بأحد الفصول للحد الذي يجعلك تتغاضى عن جميع ما بدر في السابق . من أين تُشتق الكراهية ؟ فصل مبهر جدًا .
أحبّ عبد الجبار الرفاعي, دائمًا تلهمني أفكاره. الكتاب مكون من عدة مقالات, بعضها رائع جدًا جعلني أحلّق بعيدًا. وبعضها الآخر كان جيّدا ولكنه ليس من اهتماماتي, كحديثه عن إيران والشيعة. أحبّ الرفاعي لأنه يدرس ويكتب عن ظاهرة الدين وهو ليس من المؤسسة الدينية. إلى جانب أنه كاتب روحانيَ وعميق, فقد كانت له تجربة مع الجماعات الإسلامية تحدث عنها في كتابِِ آخر.
"كل حضور للدين في حياة الإنسان هو تدين، لا دين في الأرض خارج ذلك التدين يتحقق في سلوك الإنسان وتفكيره وتعبيره. لا يستقل الدين عن ثقافة الإنسان وذاكرته الفردية وهويته الجمعية نمط تمدنه وعمرانه. يحضر الدين في حياة الفرد والمجتمع بأنماط تدين فردية ومجتمعية متنوعة، ويختلف التدين باختلاف مستوى ونوع الثقافة، ودرجة التطور الحضاري، وكيفية رؤية العالم، ومختلف العوامل المنتجة لطريقة عيش الفرد والمجتمع"
عبدالجبار الرفاعي، الدين والنزعة الإنسانية، صفحة 71