محمد الطاهر بن عاشور عالم وفقيه تونسي، أسرته منحدرة من الأندلس ترجع أصولها إلى أشراف المغرب الأدارسة، تعلم بجامع الزيتونة ثم أصبح من كبار أساتذته.
كان على موعد مع لقاء الإمام محمد عبده في تونس عندما زارها الأخير في رجب 1321 هـ الموافق 1903 م. سمي حاكما بالمجلس المختلط سنة 1909 ثم قاضيا مالكيا في سنة 1911. ارتقى إلى رتبة الإفتاء وفي سنة 1932 اختير لمنصب شيخ الإسلام المالكي، ولما حذفت النظارة العلمية أصبح أول شيخ لجامعة الزيتونة وأبعد عنها لأسباب سياسية ليعود إلى منصبه سنة 1945 وظل به إلى ما بعد استقلال البلاد التونسية سنة 1956. من أشهر أقرانه الذين رافقهم في جامعة الزيتونة: شيخ الأزهر الراحل محمد الخضر حسين، وابنه محمد الفاضل بن عاشور كان بدوره من علماء الدين البارزين في تونس.
كان أول من حاضر بالعربية بتونس في القرن العشرين، أما كتبه ومؤلفاته فقد وصلت إلى الأربعين هي غاية في الدقة العلمية. وتدل على تبحر الشيخ في شتى العلوم الشرعية والأدب. ومن أجلّها كتابه في التفسير "التحرير والتنوير". وكتابه الثمين والفريد من نوعه "مقاصد الشريعة الإسلامية"، وكتابه حاشية التنقيح للقرافي، و"أصول العلم الاجتماعي في الإسلام"، والوقف وآثاره في الإسلام، ونقد علمي لكتاب أصول الحكم، وكشف المعطر في أحاديث الموطأ، والتوضيح والتصحيح في أصول الفقه، وموجز البلاغة، وكتاب الإنشاء والخطابة، شرح ديوان بشار وديوان النابغة...إلخ. ولا تزال العديد من مؤلفات الشيخ مخطوطة منها: مجموع الفتاوى، وكتاب في السيرة، ورسائل فقهية كثيرة.
بسم الله وقفات مع تفسير الجزء التاسع عشر واقتباسات أود تذكرها دائما. ____ من سورة الفرقان: قوله تعالى : " { أَلَم تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَو شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِنًا ثُمَّ جَعَلنَا الشَّمسَ عَلَيهِ دَليلًا ،ثُمَّ قَبَضناهُ إِلَينا قَبضًا يَسيرًا }"
ومما ورد في تفسيرها : ومن وراء ذلك إشارة إلى أصل المخلوقات كيف طرأ عليها الإيجاد بعد أن كانت عدما، وكيف يمتد وجودها في طور نمائها ، ثم كيف تعود إلى العدم تدريجا في طور انحطاطها إلى أن تصير إلى العدم ، فذلك مما يشير إليه ( ثُمَّ قَبَضناهُ إِلَينا قَبضًا يَسيرًا }) فيكون قد حصل من التذكير بأحوال الظل في هذه الآية مع المنة والدلالة على نظام القدرة تقريب لحالة إيجاد الناس وأحوال الشباب وتقدم السن، وأنهم عقب ذلك صائرون إلى ربهم يوم البعث مصيرا لا إحالة فيه ولا بعد ، كما يزعمون ، فلما صار قبض الظل مثلا لمصير الناس إلى الله بالبعث وصف القبض بيسير تلميحا إلى قوله : (ذلك حشر علينا يسير).
وفي هذا التمثيل إشارة إلى أن الحياة في الدنيا كظل يمتد وينقبض وما هو إلا ظل.)
[وقد تأملت هذا الاقتباس طويلا. ولا عجب فكل تشبيه يمثل حال الدنيا يترك بي أثرا أحبه.
فالإنسان قد يأسره واقعه وصورة حاضره، ومع إيمانه بأن تلك الدنيا ليست بدار قرار للمؤمن، بل هو كظل عابر بها، إلا أنه ينسى...
لكن الله سبحانه وسعت رحمته كل شيء، فهو يرحم ضعف الإنسان وغفلته، ويبعث له هدايات ودلائل، وأعظم رحمة هي آيات القرآن التي لو تمسكنا بها، دفعنا الغفلة والنسيان عنا.
ترى حينها الكون والحياة ببصيرة صادقة، لا تبالغ فتأسى على ما فاتك، بل تتذكر أنك لله. ترى كل خلق الكون حولك مسبحا لله. وآيات الخلق وبديع صنعه كل منها تمثيل لحقيقة الدنيا، حتى ظلك الذي لا تنتبه له، يهمس لك بآية وعظة.
(وهذا علم واسع، شغفت به، ومهما تأملت دقائقه وصوره، فسيكون ماتعلمته كقطرة في بحر بل ربما أقل.)
بما يهمس لك الظل إذا؟
تراه يمتد ويطول، بحيث يخالف أحيانا صورتك الحقيقية فيوهمك بقيمة لست عليها.
وهكذا الإنسان في الدنيا يفتخر ويطغى تبعا لأوهام واستكبار في نفسه.
وفي ساعة الغروب يضمحل الظل ويتلاشى، ينقبض شيئا فشيئا وأنت في غفلة. _____ أيهما أفضل، من يسكن إلى الظل وهشاشته، مع أنه لا يملك دفع الموت عن ذلك الظل ولا عن نفسه، أم من يظل قلبه معلقا بحنين لدار السلام وبصره في السماء. ]
وحاله في الدنيا مثل قوله تعالى: { وَعِبادُ الرَّحمنِ الَّذينَ يَمشونَ عَلَى الأَرضِ هَونًا وَإِذا خاطَبَهُمُ الجاهِلونَ قالوا سَلامًا } (▪︎والمشي الهون : هو الذي ليس فيه ضرب بالأقدام وخفق النعال فهو مخالف لمشي المتجبرين المعجبين بنفوسهم وقوتهم . وهذا الهون ناشئ عن التواضع لله تعالى والتخلق بآداب النفس العالية وزوال بطر أهل الجاهلية فكانت هذه المشية من خلال الذين آمنوا على الضد من مشي أهل الجاهلية . )
[فحتى مع بهجتهم بنعمة الدنيا فهم يدعون الله بأن تكون أثار تلك النعمة معلقة بخير الآخرة، فلا يطمئن قلب المؤمن على ذريته وأهله، إلا حين يراهم في صلاح حال وتقوى لله، فيسكن ويعلم أن الله يتولاهم ويحفظهم في حياته وبعد مماته، وبأنه سيأنس ويهنأ بصحبتهم في دار السلام.
ومن تعلق قلبه بالآخرة، واستأنس بمعية الله، جعل كل عمله ومحياه خالصا لله، والبشر يتفاوتون في هذا، وللرسل والأنبياء الشرف والفضل في هذا على كل الخلق. ونحن نهتدي على آثارهم ونلهج بدعائهم وذكرهم، حتى لو كانت قلوبنا في غفلة وصحيفتنا بها ما بها من الذلات والعثرات، إلا أننا لا حيلة لنا سوى ذلك. ]
وتأمل دعاء سيدنا إبراهيم من سورة الشعراء يبدأ فيثني على الله معددا نعمه " { الَّذي خَلَقَني فَهُوَ يَهدينِ ، وَالَّذي هُوَ يُطعِمُني وَيَسقينِ وَإِذا مَرِضتُ فَهُوَ يَشفينِ وَالَّذي يُميتُني ثُمَّ يُحيينِ وَالَّذي أَطمَعُ أَن يَغفِرَ لي خَطيئَتي يَومَ الدّينِ }
(_وفي تلك النعوت إشارة إلى أنها مهيئات للكمال النفساني فقد جمعت كلمات إبراهيم عليه السلام مع دلالتها على انفراد الله بالتصرف في تلك الأفعال التي هي أصل أطوار الخَلْق الجسماني دلالة أخرى على جميع أصول النعم من أول الخَلْق إلى الخَلْق الثاني وهو البعث ، فذكر خَلق الجسد وخَلق العقل وإعطاءَ ما به بقاء المخلوق وهو الغذاء والماء ، وما يعتري المرء من اختلال المزاج وشفائه ، وذكر الموت الذي هو خاتمة الحياة الأولى ، وأعقبه بذكر الحياة الثانية للإشارة إلى أن الموت حالة لا يظهر كونها نعمة إلا بغوص فكر ولكن وراءه حياة هي نعمة لا محالة لمن شاء أن تكون له نعمةً. )
(_ثم سأل بقاء ذكر له حسن في الأمم والأجيال الآتية من بعده . وهذا يتضمن سؤال الدوام والختام على الكمال وطلب نشر الثناء عليه وهذا ما تتغذى به الروح من بعد موته لأن الثناء عليه يستعدي دعاء الناس له والصلاة عليه والتسليم جزاء على ما عرفوه من زكاء نفسه . وقد جعل الله في ذريته أنبياء ورسلاً يذكرونه وتذكره الأمم التابعة لهم ويُخلد ذكره في الكُتب .)
[لعل الله يرزقنا الجنة ورؤية نبيه إبراهيم ودعوته محمد صلى الله عليهما وسلم. ] ________________________
[وفي هذا الجزء وجدت فوائد تمنحك رؤية صادقة ومؤلمة أيضا لتاريخ الإنسان: ] فمثلا في تفسير آيات وردت على لسان فرعون "{ قالَ فِرعَونُ وَما رَبُّ العالَمينَ } "
(__وقد كانت الأمم يومئذ في غفلة عما عدا أنفسها فكانوا لا يفكرون في مختلف أحوال الأمم وعوائد البشر. ولا تشعر كل أمة إلا بنفسها وخصائصها من آلهتها وملوكها فكان المَلِك لا يُشيع في أمته غيرَ قوته وانتصاره على الثائرين، ويخيل للناس أن العالم منحصر في تلك الرقعة من الأرض. فلا تجد في آثار القبط صوراً للأمم غير صور القبائل الذين يغزوهم فرعون ويأتي بأسراهم في الأغلال والسلاسل خاضعين عابدين حتى يخيّل لقومه أنه لما غلب أولئك فقد كان قهارَ البشر كلهم، ويُخفي أخبار انكساره إلا إذا لحقه غلب عظيم من أمة كبرى بحيث لا يستطيع إخفاءه، فحينئذ ينتقل أسلوب التاريخ عندهم وتنتَحِل الدولةُ الجديدة أساليبَ الدولة الماضية وتنسى حوادث الماضي وتغلب على مخيلاتهم الحالة الحاضرة، وللدعاة والمروجين أثر كبير في ذلك. )
____
وفي تفسير قوله تعالى "{أَتَبنونَ بِكُلِّ ريعٍ آيَةً تَعبَثونَ وَتَتَّخِذونَ مَصانِعَ لَعَلَّكُم تَخلُدونَ وَإِذا بَطَشتُم بَطَشتُم جَبّارينَ }
[وجدت فوائد دقيقة، عميقة المعنى. وهي سراج يهتدي بها كل قارئ في تاريخ البشر بكل ما به من علو شأن وانحطاط وضلال.
دعك من تاريخ يفرض عليك تصوراته وأوهامه يكتبه البشر بكبر وغرور، أكثره زيف، بل انظر أنت ببصيرتك كعبد لله، تدرك إلى أي تاريخ وماضي عليك أن تنتمي، متى بلغ الإنسان أعلى شأن في الخير والسلام، ومتى سفل وانحط في الجهالة؟
الآيات تهديك لمعرفة جواب هذا. ]
يقول الشيخ في تفسير الآيات : ( _فطال عليهم الأمد، وتفننوا في إرضاء الهوى، وأقبلوا على الملذّات واشتد الغرور بأنفسهم فأضاعوا الجانب الأهم للإنسان وهو جانب الدين وزكاء النفس، وأهملوا أن يقصدوا من أعمالهم المقاصد النافعة ونية إرضاء الله على أعمالهم لحب الرئاسة والسمعة، فعبدوا الأصنام، واستخفوا بجانب الله تعالى، واستحمقوا الناصحين، وأرسل الله إليهم هوداً ففاتحهم بالتوبيخ على ما فُتِنوا بالإعجاب به وبذمه إذ ألهاهم التنافس فيه عن معرفة الله فنبذُوا اتّباع الشرائع وكذَّبوا الرسول.
(_فمِن سابِق أعمال عاد أنهم كانوا بَنوا في طرق أسفارهم أعلاماً ومنارات تدل على الطريق كيلا يضِلّ السائرون في تلك الرمال المتنقلة التي لا تبقى فيها آثار السائرين...
_فأما إذا أهمل إرضاء الله تعالى بها واتُّخِذت للرياء والغرور بالعظمة وكانوا مُعرضين عن التوحيد وعن عبادة الله انقلبت عظمة دنيويةً محْضة لا ينظر فيها إلى جانب النفع ولا تحث الناس على الاقتداء في تأسيس أمثالها وقصاراها التمدح بما وجدوه منها. فصار وجودها شبيهاً بالعبث لأنها خلت عن روح المقاصد الحسنة فلا عبرة عند الله بها لأن الله خلق هذا العالم ليكون مظهر عبادته وطاعته. وكانوا أيضاً في الإعراض عن الآخرة والاقتصار على التزود للحياة الدنيا بمنزلة من يحسبون أنفسهم خالدين في الدنيا.) ____
كانت هذه أهم فوائد الجزء التاسع عشر، وأحسب أنني مازلت أتطلع لفهم المزيد وتأمل الآيات وسأظل في حاجة وافتقار دائم للاهتداء بها في وحشة الحياة.