أنا ممتن للصدفة التي جعلتني أبتاع هذا الكتاب من معرض الدقي المخفض للكتاب، بدون أي نية مسبقة لشرائه وجدته على أحد الأرفف، فأثار فضولي ولا شك أن تحية كاريوكا شخصية مثيرة للجدل أردت أن أعرف عنها أكثر. لكن دعني أعترف لك أولا أنني -وهذا رأيي الشخصي- لا أستطيع أن أصنف الرقص الشرقي كفن وأضعه بجانب الرسم أو النحت أو التمثيل أو الباليه، إلخ. كما لا أستطيع أن أضع رواد الكباريهات جانبا إلى جنب مع رواد المتاحف بصفتهم من متلقي الفنون.
ولكن إنجاز تحية الحقيقي ليس في أنها راقصة، إنجازها الأعظم في إنها استطاعت أن تنجو من طفولتها البائسة التعيسة اللي تليق بأن تخلق سفاحا أو تاجر أعضاء بشرية، بل وحولهتا لنجاح كبير جدًا وتربعت على عرش مجالها لعقود. تحية التي ولدت لأب يكبرها بستين عامًا تركها ومات بعد سنوات قليلة لجدتها التي كانت تحبها وترعاها، وما لبثت إلا أن تبعت ابنها. فآلت تحية إلى أخيها مرسي، الذي كان يحبها ويدعمها. ولكنه لا يستطيع أن يستمر في ذلك لمرض ألم به فأقعده. ليأخذها أحمد، الأخ الذي كان يكرهها ويسومها ألوان العذاب وأهونها الضرب! فقد حرمها من رؤية أمها، وأخرجها من المدرسة، وجعلها تعمل كخادمة له ولأولاده. وبعد محاولات عديدة للهرب كان أحمد كل مرة يستطيع أن يعيدها فيها ويحبسها ويذيقها الويل أكثر فأكثر، نجحت أخيرًا أن تهرب بلا رجعة بمساعدة أحد أبناء هذا الأخ القاس -واسمه عثمان إن أسعفتني الذاكرة- إلى القاهرة حيث لم تكن تعرف أحدا هنالك سوى سعاد محاسن الراقصة التي شاهدتها تحيي بعض الليالي في الإسماعيلية حيث ترعرعت. ومن سعاد محاسن انتقلت لتعيش في كنف بديعة مصابني أشهر راقصات ذاك الزمان، يكفي أن تعرف أن ما يعرف الآن يكوبري الجلاء كان يسمى كوبري بديعة!
وتعيش مع الكتاب تقلبات حياة تحية، بقلم ماهر رشيق وأسلوب فصيح سلس لا شبهة ملل فيه للكاتب صالح مرسي. وعرفت فيما بعد أن صالح مرسي قد كتب قصصا شهيرة عن الجاسوسية، بل الأشهر: مثل رأفت الهجان، والحفار، ودموع في عيون وقحة. وقد عجبت كيف يجمع بين مثل هذه المذكرات وبين الأعمال الجاسوسية! إلا أنك ما تلبث أن تدرك أن الرابط بين الاثنين هو قوة وتماسك طريقة الحكي حتى لتكاد تسمع الموسيقى التصويرية وتحية تهرب من البيت. وتجد نفسك تقفز فرحًا حين تنجح تحية في الهرب وتكاد تدمع حزنًا حين ترى بدلة تحية ممزقة على الأرض بعد نجاح أول رقصة لها بسبب الضغائن. كان هذا أول عهدي بكتباته. وبالتأكيد لن يكون الأخير.
من خلال القصة ترى تفاصيل الشارع الفني في فترة الثلاثينات في مصر. حيث كان شارع محمد علي هو منبع الفن وفي الكازينوهات ككازينو بديعة بدأ الكثير من النجوم مشوارهم كفريد الأطرش واسماعيل يس وسامية جمال.
في المقدمة أيضا تجد ملخصًا عن أزواج تحية وقصة سجنها وعلاقتها برؤساء مصر بقلم محمد توفيق الذي جمع هذه المذكرات بعدما نشرت وضاعت بمساعدة رجاء الجداوي ابنة اختها!
هناك تفاصيل كثيرة كنت أتمنى أن تذكر مثل: ردة فعل أم تحية حين علمت بالحقيقة، وإن كانت تحية قد قابلت أحدًا من أهلها بعد ذلك وكيف كانت ردة فعلهم حين علموا بما آلت إليه، ورؤيتها هي السياسية للأشخاص والأحداث في زمانها.
الخاتمة بقلم إدوارد سعيد هي أكثر ما أثار استيائي وحقا لم أفهمها.