عندما قرأت هذا العمل لأول مرة، قبل سنة من تحوّله إلى كتاب، لم أظن بأنني مخيّرة في الأمر، وكان عليّ أن أتبنّى نشره، رغم أن منشورات تكوين ليست دارًا متخصصة في كتب الأطفال، ودون أية خبرة تقريبًا في هذا المجال. كان عليّ أن أغامر لأنني آمنتُ بالنص، ولأنه يمثّل كل انحيازاتي عندما يتعلق الأمر بكتب الأطفال:
أولًا؛ أنها ليست كتب أطفال بالمعنى الساكن للكلمة، بل هي كتب مراوغة تتسلى بتجاوز خطوط التصنيفات العمرية، وتبرع في مخاطبة الكبار والصغار.
ثانيًا؛ لتعدد مستويات التأويل، وهو ما تكرّس أكثر بعد رؤية لوحات الفنانة سارة طيبة التي صنعت علاقة تكاملية بين الكلمة والرسمة، مما يجعل قراءة هذا الكتاب تجربة متجددة إلى الأبد. أعتقد بأنني قرأته اليوم للمرة السادسة وما زال رحلة استكشافية تجعل قلبي يرتجف.
ثالثًا؛ لأنني أؤمن بأن القصاصين هم حرّاس الذاكرة، وهذا الكتاب يتناص مع حكاية حي ابن يقظان للفيلسوف ابن طفيل، أي أنه كتاب يعيد ولادة هوية أزلية بصورة جديدة تنتمي لراهنها.
رابعًا؛ لأنه نص مفتوح. ولأنه عمل مربك. ولأنه لا يقدم إجابات بل يخلق التساؤلات في ذهنك طوال الوقت. لأنه ليس رحلة من الجهل إلى المعرفة، بالمعنى التقليدي، بل رحلة من الجهل إلى الوعي بالجهل، وهي رحلة باطنية، وجدانية وذهنية مركبة تستشعرها في كل سطر.
أنا فخورة بهذا المشروع، إنه أحد أجمل أعمالنا في منشورات تكوين، وأكثرها صعوبة حقيقةً. شكرًا داليا على منحنا شرف تبني هذا الكتاب.
شكرًا سارة طيبة على اللوحات الآسرة، وشكرًا للمبدعة أروى خميس لأنها علمتنا كل ما نعرفه عن مغامرة نشر كتابٍ مثل هذا.
جودة الألوان بداخل صفحات الكتاب تعطينا إيجاء بأن الدنيا ليل و ظلام طوال الوقت، لا ادري أكان ذلك تفصيلًا ضروريًا متعمدًا أم خطأ حصل بين عملية الرسم و التصميم و الطباعة؟
يفيض هذا الكتاب بالتساؤلات و المشاعر الكثيرة التي تأخذك معها في كل موقف يحصل للشخصية يعتبر من كتب الأطفال الدامجة مابين الرسم و الكلمة و تحقيق ذلك دائمًا ماينتج تحفة فنية رائعة