خذيني بأقنعتي كلِّها أحبّيني بالخفة التي أنزع فيها واحداً وأضع آخر بالسهولة التي تجعلني أبدو عادياً وممكناً… لا تبحثي عن وجهي نسيتهُ!
كلّ يومٍ تعبرني الحرب تزرع بدلاً من أغنياتك ألغاماً تجعل أصابعي «ديناميتاً» وقنابل وتصنع من شعري مشانق!
لا ظهرَ لي كي أسندَه على جداركِ لا يدَ لي أضعها على كتفكِ وأبكي لا فمَ لي كي أقول لكِ: - هذي البلاد كسرتْ ساقي، هشّمتها.. لم يبق منّي ما يصلح للحب ما يكفي لحياةٍ ممكنة! أنا ظلّ بلا ظهر مثل غبارٍ عالقٍ في محبرةٍ
أنا فلمٌ قصيرٌ جداً عن رجلٍ عضّته الحرب نجا من الموت ولم ينجُ من تكلفة الهروب
قذيفةٌ واحدةٌ كانت كفيلةً بهدم البيت وتهشيم ذكرياتِ العائلة وحده ثوبُ أمي على حبل الغسيل ظلّ يلوّح بكميّه مودِّع
قراءة هذا العمل للمغيرة لم يكن بالأمر اليسير. حضر كل الموتى، كل النساء اللواتي انتظرن أولادهن ولم يعودوا، كل الأطفال الذين تطايرت أشلاؤهم أمام أنظار العالم الأخرس حتى تم اعتياد المشهد وواصل الجلاد حصد رؤوسهم. حضر كل الرجال الذين انعجن الطحين بدمهم النازف في طوابير المساعدات، حضر الموت بكل جبروته ووحشيته وبشاعته.
هذا عمل قادر على استنطاق الموت والحزن الشفيف. عمل يستجدي الحب أن يعود بخجل ويطرق أبواب حجرات القلوب. شعر يسكن القلب ويوجعه، فيحفر حروفه في دمك!
ولأنّ الغابةَ بلا أبواب صار من السهل علينا ألّا نهدرَ الوقت في الانتظار.. ولأنّني الرجلُ الذي يقبل بالخسائر لم أكترثْ وعدتُ إليك.. ولأنّك امرأةٌ لا تعنيها انتصاراتُ العالم مسكتِ يدي ومضينا إلى سفحٍ آخر وفي حقائبنا رائحةُ غابةٍ تحترق / أنام تماماً في غيابكِ لكنني أبداً أحاول مثل طريقٍ منهكٍ آخر الليل تعبره الشاحنات والكلاب الفضالة / وكما يحدث في النهاية عندما لا أعرف طريقةً لتجاهلكِ سوى التوغل فيكِ نسيانكِ من فرط التحديق بثقوب رحيلك.. وعندما أهدر الوقت في إحصائها وتمييزها: الثقوبُ التي يتسلل منها الضوءُ الحارقُ إلى ما بقي وراءنا.. والثقوبُ التي يسيل منها الحبّ إلى جذع شجرةٍ ميّتة
"الانسان كلام مكتوب حقيقته في ماضيه فيما كان وانتهى الانسان كلمة بحجم ذاكرته"
عرفت عن المغيرة وانا انبش عن الكُتاب كعادتي الشبه يوميه :) بحثت عن كتبه طويلا الى ان توفرت على ابجد ..
ديوان من رحم الوجع … وجعنا جميعًا
"ماذا لو كان للحديث باب وخرج الناس بحملون أبوابهم إلى الشارع؟ باب موصد وآخر موارب باب بلا أكرة وآخر بمقبض داخلي باب بطلاء مقشر باب بصدوع متآكلة باب اسود يحمله صاحبه فوق ظهره وباب أخضر كحقيبة يدها
3.5 "أراقب أنفاسي وهي تزيحُ عن صدري كومةً من نداءاتٍ وأسئلةٍ يابسة." نايات في القلب، بعضٌ من أدب الحرب، حزن كثيف ونصوص تغرقك في كلّ ما تشعر به تحت القصف ولا تملك أن تكتبه.
وكان البيت أخي السابع المغيرة الهويدي دار ممدوح عدوان للنشر والتوزيع 137
تستشعر في هذه المجموعة الشعرية أن روح الكاتب المتعبة تحلق من كلمة إلى كلمة, حيث يرسم بكلماتٍ أنيقة البيت ,الوطن, الحب, الوحدة, الخوف والحرب. وتظهر بوضوح دقة الصور الشعرية التي تعكس حالة العزلة والصمت التي ظهرت واضحة على المفردات. لنقرأ قصائد تترجم حالة التشتت التي يختبرها المواطن السوري والشعور بالتخبط بين فقدان المنزل/الوطن والبحث عن البديل في طابور السفارات الطويل. بين سطور هذه المجموعة رأيت المغيرة السوري الإنسان, الذي بحث في الحب ليأخذنا رويداً رويداً إلى منزل الطفولة, إلى الأم, الأب, الأخ والأسرة, إلى تفاصيل المنزل,كوب القهوة, الستائر لتسرقنا الهجرة إلى البحث المضني عن الوطن/البديل.
"قذيفةٌ واحدةٌ كانت كفيلةً بهدم البيت وتهشيم ذكرياتِ العائلة وحده ثوبُ امي على حبل الغسيل ظلّ يلوّح بكميّهِ مودِّعاً" في هذه الأسطر القليلة أظهر لنا المغيرة حجم المأساةِ والتيه وحجم الفقد للإنسان الواقع تحت وطأة الحب/الحرب/الغُربة/الوطن
أريد أن أتخلص من معرفتي بأخطائي المعرفة عدو الحماقات و الأخطاء واللذة والمجانين و العشاق
المعرفة التي تنخر رأسَك مثل سكين تحفر عميقاً في لحاء الشجر
المعرفة التي تشبه ألف مطرقة ، تدق ألف مسمار في رأسك . . في اللحظة ذاتها وعلى الجدار ذاته المعرفة التي تتدخل في النسيان كما تتدخل في طريقة إعداد الذاكرة في ليلة ماطرة . .
المعرفة التي تحتل المسافة بينك وبين شعورك حين يكون لكل شعور تفسير ممكن ولكل تفسير خرائط ذهنية . . المعرفة التي تجعل السبب قبل النتيجة المعرفة التي تضيء لك العدم! الأمر ممل ويصيبني بالغثيان عندما تريدني أن أكون مستعداً دوماً للتفكير بعجزي عن محو نفسي !
فراغٌ هائلٌ انتابني بعدما انتقلت كل ذاكرتي وذكرياتي الحميمية والمؤلمة إلى صفحات هذا الكتاب. فراغٌ هائلٌ ينتهي بالدمع فيزداد اتساعًا. كيف كان للمغيرة الهويدي كل تلك البراعة كي يرسم صورًا شعرية ذات حرفية عالية وبساطة مدهشة، للحرب والبيت والنزوح والموت والخسارات والحب المحاصر والمفقود.. للمطابخ والأبواب والأيدي المقطوعة. أن تقرأ الألم فتستلذّ شعرية صياغته.. هكذا شعر يبقى لنقرأه كثيرًا