توفيق الحكيم صديقي ، جلست اليه ومعه اكثر منذ ثلاثين عاما ، وكنت احرص على ذلك كل يوم وعندما كنت احاول التفرغ لعملي دون ان اذهب الى مكتبه كان يرسل في طلبي ، ويتحدث هو وانا منصت بالكاد اسأل القليا
هذه الكتاب الصغير أبعد ما يكون عن عنوانه، مع قصره في المقام الأول، فالعنوان يشي بأن مؤلفه سيتحدث عن صداقته بتوفيق الحكيم، ولكن هيهات! فالذي ينتمي فعلاً إلى هذه "الصداقة" – كما يسمّيها - لم يجئ إلا فيما يملأ أربع صفحات من هذه الكتاب بالكاد، وهي مواقف ليست بذات مدلول، فالمؤلف صحفي بالأهرام، ومكتب الحكيم كان يقبع في الأهرام أيضًا، فمن هنا كان لقاؤه به.
وأما الذي ملأ هذا الكتاب خلا هذه الصفحات الأربعة (منها اثنان في المقدمة!) فهو أولاً: حديث توفيق الحكيم عن نفسه في سيرته المنشورة في "سجن العمر"، أو في مقالاته المختلفة، (قد جاء هذا الفصل صريحًا في عنوانه والذي كان: "مسيرة حياته من خلال كتاب سجن العمر")، ثم عرض مطوّل لكتاب عن توفيق الحكيم كتبه إسماعيل أدهم بالاشتراك مع إبراهيم ناجي، ونَص بلاغ إلى النائب العام كتبه الحكيم عقب أزمة سلسلة مقالاته: "حديث مع الله"، ثم يأتي فصل غريب بعنوان: "قضايا ومعارك فكرية"، كتب في مستهلّه هذه الفقرة التي تدّل عليه: اعتمدنا على نقل الكثير من أقوال الحكيم نفسه خلال حواراته مع الآخرين لأنها الأصدق والأقرب إلى رأي توفيق الحكيم
والكلمة مضحكة صراحة، وكأنه أراد أن يزيد الكتابة فقط لأنه فعليًا لم يفعل فيه شيئًا سوى النقل، ولذلك كتب، "اعتمد على نقل أقوال الحكيم"، لأنها "الأصدق والأقرب إلى رأي توفيق الحكيم" ومنين ودنك يا جحا؟!
وهذا الفصل "القضايا والمعارك" طويل حقًا، ويمثل نصف هذا الكتاب القصير (115 صفحة و15 صفحة فهارس لكل من مؤلفات الحكيم والمؤلف نفسه)، وفي هذا الفصل جاء المؤلف – كما قال – بأجزاء من حوارات الحكيم مع الآخرين، وأبرزهم ألفريد فرج، حول الشخصية المسرحية والبطل المسرحي والفرق بين بناء المسرحية والرواية، فإن تكن ثمة فائدة خرجت بها من هذا الكتاب فهي من هذا الفصل الذي ليس للمؤلف ولا لصداقته للحكيم فضلاً فيه!
ثم يعود المؤلف إلى نقل أجزاء من مقالات الحكيم، في مواضيع مختلفة، ثم ينهي الكتاب بفصل عنوانه "الحكيم في عيونهم"، وهو إدراج كلي لمقالات بعض الكتّاب عن الحكيم بعد وفاته، منها مقالة ثروت أباظة وزكي نجيب محمود وأحمد بهاء الدين، وغيرهم، وختم الفصل والكتاب بصفحتين مضحكتين كنت أظن أنني لن أقرأ مضمونها مرة ثانية في حياتي، ولكن قد حدث الأمر، وطالعت العنوان الغريب لتلكما الصحفتين، الذي كان: "وماذا قالت الدوائر الثقافية الفرنسية يوم وفاته؟"، وفيه نقل سطرين مما قالته جريدة كذا وكذا الفرنسية وفلان وعلان الفرنساوي، وفقط، وذكّرني هذا بتلك الكتب المسلوقة التي كنت أقرأها قديمًا عن سير الأدباء، و .. ما قالته الصحف في اليوم الثاني للوفاة، وكيف استقبل العالم وفاة الفقيد!
وهذا الكتاب مثلهم، مسلوق، وفارغ، ودرس نافع يشرح كيف لأحدهم أن يكتب كتابًا دون دراسة أو إعداد أو حتى فكرة مستقلة مختلفة، فقد يكفي امساك القلم وفرش بساط كلمات الآخرين تحتك، ثم اختيار ما يعجبك منها، وكفى الله المؤمنين القتال.
توفيق الحكيم الكاتب الأقرب لقلبي وكنت دوما أشعر بأنه صديق حميم وناصح وفى لقرائه وأعجبتني فكرة التعرف عليه أكثر عن طريق أحد مريديه لم يعيبها سوى الخلط أحيانا بين ما قاله الحكيم عن نفسه وما يراه الكاتب عنه وعدم ترتيب الأفكار بطريقة مترابطة والانشغال الزائد برد الشبهات التي أثيرت حول الحكيم في حياته وأخذها أكبر من حجمها المستحق