تبني فاتنة مجموعتها على ثنائية الروح والجسد، وهو ما تكشفه عتبة الإهداء، حين تهدي فاتنة كتابها إلى روحها وجسدها، مَن علَّماها الكثير من الأسرار، بلغةٍ حسّية متواطئة، تكتبُ الشاعرة صرختها في وجه "العالم الموحِش" منحازةً لتلك المساحة الشائكة بين الروح والجسد، متقصية التفاصيل التي تلتقطُها عينٌ ترى أبعد من مداها. حيث يتداخل الهمُّ الشخصي مع همٍّ جماعي تعكسه صور إنسان هذا العصر بحروبه وخيباته ومدنه المهجورة. في مجموعتها الخامسة هذه، تواصلُ الغرة رحلتها إلى الأعماق، حافيةً تقطع في ذهابٍ وإيَّاب ما بقي من جسورٍ بين الروح والجسد، تكتبُ روحها القلقة،.المشاغبة. ورغم الثقوب الكثيرة والفجوات، رغم الانكسارات، ومساحة الألم الواسعة، ينتصرُ الجسد للحظته الأخيرة، لرقصته التي تتكرَّر كتعويذةٍ تستدعي موسيقى العالم البعيدة. وكأن الروح هنا، طائر يتصيَّد فريسته في مرآةٍ بحجم السماء.
من الكتاب: أجلسُ على العتبات أفتحُ المزاليج أُقشِّرُها كلُّ عتبةٍ تأخذُني إلى مدينةٍ من الأشباح المرايا تعبثُ بي تُريني وُجُوهاً مُختلفةً لوجهي روحي تتقاسمُهَا المرايا قلبي يتناثرُ وريقاتِ وردٍ في سلَّةِ عرس حبيبَيْن.
"ثقوب واسعة" لفاتنة الغرة، مجموعة شعرية جاءت في 88 صفحة من القطع الوسط، حيث تتوزَّع قصائد الكتاب الخمس عشرة على قسمين هما: كتاب الروح، وكتاب الروح والجسد. وصدرت المجموعة ضمن سلسلة براءات التي تصدرها الدار وتنتصر فيها للشعر والقصة القصيرة.
"ماذا أفعل لك أيها الحب حتى تأتي؟ كيف أُقنعك بأن في هذه الغرفة امرأة تنتظر؟ امرأة تقضي ليلها أمام مرآة صدئة تتفقد تفاصيلها المكرمشة تُمَددها الموسيقى تفتح الساحات أسواقاً شعبية حينما تمشي ويُنصبُ سيركٌ، ترقص الألوان فيه إمرأة لم تترك عرافاً أو عرافة شربتْ ماء الغيم ومنقوع ورق السدر وضعتْ تميمة مخطوطة بالطلاسم قلادة تستدعيك كلما ارتجفت مفاصل"
ليست أكثر من قلب بيد خباز هذه العروق النافرة من يدي قلبي الذي كان ساكنًا مثلما تسكن الريح صومعة فلا نسمع لها صوتًا حتى يطرق سمعنا ازيز الباب الخشبي هكذا كان قلبي ساكنا صامتا قاسيا مثل فولاذ فجوة في الصدر، لا أكثر تُعينني على الاستيقاظ كل صباح السؤال ذاته الرتابة ذاتها الأحداث اليومية ذاتها فجوة في الصدر تدقُ بانتظام ما عدا لحظات غامضة تتقافزُ داخلي بلا سبب وجيه ثم تعود إلى مكانها الطبيعي مجرد فجوة صغيرة في الصدر تعينني على مكالمة أمي باللهفة القديمة نفسها والاستماع لثرثرات صديقاتي عن أوجاعهن التافهة والمهمة والعودة لاحقا إلى الفراش المفرد نفسه باللحاف الذي تعتقت رائحتي فيه وحدي اللحاف الذي كان ساتري الوحيد في ليال طويلة مملة تقطعها متعة عابرة ليس إلا كي يرتاح قليلا هذا الجسد.