وكتبتُ له على “السناب” حيثُ لا يمكنه أن يحتفظ بكلماتي إلا بقدر رؤيتها: “ألعن أ… يالـ..”. وأعرف أنّه وقلّة قليلة -من ضمنهم رشا على سبيل المثال- سيدرك مدى إعجابي ودهشتي، وأنّ هذه الشتيمة هي أقصى مراحل المدح والثناء. الأمر شبيه جداً عندما أعجب بمشهد سينمائي في أحد الأفلام، فأضغط على زر (pause)، ثم تترك لي رشا فرصة التنفيس عن إعجابي شتماً للمخرج وطاقم العمل، وحرية ركل الوسائد أو رميها على التلفاز. ثم عندما أهدأ من جديد، تضغط رشا على زر (play) وكأن شيئاً لم يكن.
ما الأثر الذي تتركه في داخلك راقصة باليه؟ تظن -ويا لسذاجة ظنّك- أن الأمر بسيطٌ جداً، ليس سوى أن تقف على أحد قدميك، من ثم تشد المشط لتستقر على الأصابع لا أكثر. وفي اللحظة التي تجرب فيها ذلك، يباغتك شد عضلي، يختل بسببه توازنك وتسقط على طاولة زجاجية، فتنكسر. في المستشفى وأنت تكتم صراخك كلما استلّوا قطعة زجاج من أنجاء جسدك، تستوعب وقتها أن الأمر لم يكن سهلاً، وأنه ليس مجرد الوقوف على أطراف أصابع قدمك. بل هو أصعب من ذلك بكثير.
وأنت تقرأ جعفر إجمالاً ومجموعته الشعرية الأخيرة بالتحديد “قبل أن يتردّ باب الندم على أصابعي” سيراودك الظن ذاته. أن الأمر لا يعدو كونه صف الكلمات إلى جوارها البعض. لكنه بالطبع ليس كذلك بتاتاً. وفي اللحظة التي ستجرب فيها ذلك، ستكتشف أن مقدار الوقت الذي تستغرقه راقصة الباليه لتضميد جراح ودمل أصابع قدمها لكي تستطيع أن تقف تلك الوقفة على الخشبة، يوازي مقدار الوقت الذي استغرقه جعفر ليضمد أصابع ألمه قبل أن يرتد باب الندم عليها.
يحمل جعفر الكتابة إلى أبعد ما يمكن أن تذهب إليه في سهلها الممتنع، ولي أن أضيف (جداً). إلى الحد الذي كلّما قرأت له نصاً تنتابني رغبة بكتابة مجموعة شعرية كاملة دفعة واحدة. لا يهتم جعفر بالمفردة، ولا أعني أنه لا يكترث. فهو ينأى عن فخامة المفردة نحو المفردة اليومية العادية. وبخبث شديد يخلق منها صوراً شعرية قادة على استفزاز الدهشة لدى المتلقي، بعيدة كل البعد عن (الكلاشيهات) والصور المعتادة. على الرغم من كون المفردة عادية جداً، وأن الصور التي يخلقها قد تكون مرّت في حياتك العديد من المرات، لكنك في نص جعفر تشعر وكأنك تنظر إليها للمرة الأولى. وبالتالي، تدرك أن الشعر يكمن في الصورة، وأن المفردة ما هي إلا وسيلة لخلق هذه الصورة، وبذلك تبدو كل الأشياء وكأنها شعراً. تماماً كرائحة صدر الحبيبة، صوت كعبها، حرف الراء حين يخرج متردّداً من فمها، موسيقى وقمح، بكاؤها الذي بشهقات فقط، بنطالها الأزرق، ضحكة سخريتها… الخ.
بخبث، يوازي العلوي في مجموعته بين متناقضين: (الحب/ الحرب). مفردتان متقاربتان في الشكل متباعدتان في المعنى. فثمة استحضار للحب، ولكنه الحب الفاشل: الحبيبة التي ترحل، الأم التي صار ضرورياً أن يقول لها ابنها أنه كبر، الأب وفشل بناء أي علاقة سليمة بينه وبين ابنه. بمقابل استحضار مكثّف لحالة الحرب والدمار وأثرها على البشرية. يتحدث جعفر عن من يشاهد التلفاز الذي يستعرض مشاهداً لدمار هائل، أحدثه برميل متفجر، سقط من طائرة عملاقة على مبنى صغير، ثم وتحديداً في اللحظة التي فتحت فيها طفلة من تحت الركام عينها وبكت، جاء الحب. من عمق هذه اللحظة المأساوية جداً. الذي يصفه لاحقاً كمن يخرج رأسه كل يوم من تحت ركام العالم، ويبكي:
متى ستنتهي هذه الحرب التي تشتعل منذ زمن بين قلبين هرمين؟ (..) تعالي نُنهي هذه الحرب الطويلة، وندخن (..) لننه هذه الحرب التي لا تريد أن تنتهي هذه الحرب الحقيقية جداً
هكذا يلعب جعفر بمفرداته ليكون الحب والحرب على حد سواء. وكلاهما مصيره الدمار أو الفشل أو كما يقول: امنحيني وقتاً لهدنة أطول لأرفع فيها راية بيضاء ممزقة هدنة أطول.. أدفن فيها هذه الجثة ثم أعود من حيث أتيت
بخبث أشد، يستغني جعفر عن عنونة أو ترقيم نصوصه، ليترك لنا حرية التنقل بين حبه، حربه، ذاكرته. ليجعل من المجموعة وكأنها أشبه بنص واحد طويل منفصل متصل.
في الأخير يمكنني القول أن مشكلة جعفر أنه جاء في الوقت والمكان الخطأ. الوقت الذي تكون فيه “الفاشينيستا” أهم بكثير من الشاعر، وأن ما تجنيه في اليوم الواحد من خلال سناب واحد يوازي مجموع المرتّب الشهري للدكتور نادر كاظم وغسان الشهابي وحسين المحروس. أما المكان حيث المؤسسات الثقافية مشغولة بشلليتها والمجموعات الثقافية بالتصفيق لبعضها البعض. لو كان الوقت مختلفاً.. لو كان المكان مغايراً.. لكان جعفر.
سمينه شعرًا واسميه حجرًا الكلام الذي ألتقطه من روحي وألقي به في جب وحشتك كمن يتحسس بقلبه كم سحيق ومظلم هذا الغياب . / أن تعودي إليٌَ كما تفعلين دومًا رغم أن الباب مغلق وهاتفي مغلق والوقت مغلق تقولين : لكن قلبي مفتوح . / تطرقين الباب فافتح قلبي. / أجمل مما تتوقعت أحببته
المجموعة تقع تحت ثلاثة أبواب، البابان الأول والثاني غاية في الجمال، راكزان، متّئدان، يمثّلان العلوي الخارج من للتوضيح فقط وبعد سبع سنين؛ في تمكّن من الأدوات والصدق.
يؤلمني جدًا حديثه الصريح عن والديه، في الباب الثاني، وهذه من لحظات الصدق التي قلّما تجد أحدًا متصالحًا مع ذاته مختلف عنها في هذا الزمن.
كتاب هو آخر الديوانين الصادرين للشاعر البحريني جعفر العلوي، وقد صدر في سنة ٢٠١٨ بعنوان "قبل أن يرتد باب الندم على أصابعي"؛ ورغم أن الشاعر مقل في إنتاجه إلا أن كلا من الَّمُؤَلِّفَين يتميزان بالخصوصية، الإبداع والتفرد.
إفتقاري للإلمام بتفاصيل ومحددات الشعر وأنواعه يجعل من الصعب علي الجزم فيما إذا كان محتوى هذا الكتاب ينتمي إلى قصائد النثر أم الشعر الحر أو نوع ثالث لا أعرف تسميته، غير أن الأكيد أن أثر قراءة هذه القصائد كان محسوسا، عبر سيل من المشاعر والمشاهد والأحاسيس المتدافعة والمتضاربة في تدافعها، فالتوظيف الذكي للتشبيهات، الإستعارة ورسم الصور المركبة التي تمزج بين واقع التجربة المعاشة (بتفاصيل عصرها) والمجاز المتخيل، عزز بدرجة كبيرة الملمح الإنساني العابر للحدود الجغرافية منها والمتخيلة لتلك المشاهد، رغم طابع خصوصيتها.
الانتصارات والإنهزامات الشخصية في علاقات الحب، تفاصيل العائلة، ملامح الحي، القرية، الإشتباك مع المشهد السياسي المحلي (وإن جاء ذكره عرضيا) ووجه الحرب القبيح في سوريا ومأساة الشعب السوري، أطفال سوريا على وجه التحديد كلها كان حاضرة "بسكونها وعواصفها" على صفحات الورق.
غير أن أكثر ما شدني هو عمق أثر الأم في حياة المحيطين بها والذي يستشف مما لم يكتب (ما وراء صريح الكتابة) أكثر منه مما كتب، وهنا أكرر عزائي الحار لجعفر وهاشم وبقية العائلة في مصابهم في فقد أمهم، وهو الفقد الذي لا يضاهيه فقد ولا يعوضه شيء، أو كما عبر بقلمه: "كيف كانت ستبدو شجرة العائلة بلا غصن أمي؟ أين كانت ستحط هذه العصافير؟"
ديوان بديع وتجربة معايشة حسية غنية بتناقضاتها، أنصح به.
إقتباسات:
"كان الرجل منهم حين يلاعب طفله، يرفعه بذراعيه حتى يقترب من السماء، ولكنه يعجز الآن عن رفع جثة طفل. جثث الأطفال ليست ثقيلة، وليس الركام ثقيلا على رجال مثلهم، بشوارب عريضة وقبعات بيض. لكن الموت ثقيل." ص٢٠
"لقد أغلقت الكتاب، وفتحت حسابي على تويتر. شتمت المعارضة بالإسم، ثم شتمت الحكومة دون أن أسمها. وذلك لِأَنَّكِ لن تتمكني من زيارتي في السجن كما تقولين. لأنه ليس باستطاعتك احتمال رؤيتي خلف القضبان." ص٢٨
"كنت سأحاول تقريب الصورة أكثر إلى ذهنك، سأخبرك أن هذا الألم قاس جدا، يشبه وجه أبي وهو يصفعني، وكبير جدا يشبه ألم أمي وهي تدافع عني." ص٣٨
"قالت أمي حين علمت أن عراكي في المدرسة كان للدفاع عن طعامي أمام تنمر أحدهم، ومنازعته الدائمة، "عليك أن تتعلم من الآن فصاعدا مشاركة الآخرين إذا لم تكن لديك القدرة على مواجهتهم." متى بدأ كل شيء؟ منذ تلك اللحظة. أكتب لأنني لا أستطيع مواجهة تنمر هذا العالم، أكتب لأتشارك معه كل يوم .. حصتي من الطعام." ص٦٥
"كيف كانت ستبدو شجرة العائلة بلا غصن أمي؟ أين كانت ستحط هذه العصافير؟" ص١٠٠
"حين نخاف من أن نسميك بإسمك بما أنت حقا بما نتهامس به عنك في البيوت وفي المقابر. حين نرتعب من أن نشير بعيوننا إليك أن نجعلها تقول لك من أنت. حين لا نمتلك ما يكفي من الجرأة لأن نغرس أصابع إتهامنا في حنجرتك لنوقف مد تعاليك هذا لا يجعل منك شخص آخر نحن جبناء، أيها الطاغية نحن جبناء ... وأنت قاتل." ص١١٨
لي فترة طويلة انقطعت فيها عن قراءة الشِعر ، وكنت أظنني نسيت ذائقتي. من بعد قراءة هذا الديوان استذكرت كيف أحب الشِعر .. بالتأكيد ليس هذا أسلوبي المفضل في الشِعر ، ليست هذه الكلمات المصفوفة ما يمكنها أن تعبر عن دواخل المشاعر التي يترجمها الشِعر فيصبح المعنى .
إنصافًا أحببت الكثير من ما كتب واستطعت أن أرى العلوي وهو يغزل كلماته بذائقة شاعر يخاف من الحب ، يكره الحرب ، فاقد العلاقة بأبويه ويرسم مشاهد من واقعنا .. لكن رغم هذا وباختصار شديد لم يلمس ذائقتي وبرأيي ما كتبه يبتعد عن كونه شِعرًا ، ربما هذا ما يسمى بالشِعر الحديث؟ لست متمدنة إذًا.
سؤال آخر : هل يجب على الشعراء أن يفقدوا احترامهم عند الكتابة أو أن الكلمات البذيئة هي ما ترسم أبيات جذابة؟ سأِمت
مبوب بثلاثة أبواب شاعرية كسردية بلغة سلسلة نهرية ليست مفخمة ع الإطلاق ‘ لابأس باللغة والمواضيع.
كنت بركن المتوسط بمعرض مسقط السابق/ قصدا ل كتاب "صديقنا النشط صحفيا"- الشاعر زكي الصدير / عودة غاليليو ‘ لم اجده ‘ طلبت من الفتاة بالركن اختيار كتاب بذوقها -بشرط أنها تقرأ شعرا- فأختارت لي هذا.
________
قرأته مرتين. وكتاب ثري بالسيرة وشعر أقرب للقصصي منه للنحو التأويلي.
أقتبس ما عَلّقَ به الصديق حسين ابن أبي صفوان "يؤلمني جدًا حديثه الصريح عن والديه، في الباب الثاني"
كأنني لم أجد بالكتاب الكثير من الشِّعر.. وربما بهذا الرأي أظلمه ولكنني ماذا أفعل .. إذا كنتُ قَرأتُ قبله "لن" أنسي الحاج وديوانا عبدالله البردوني وجاسم الصحيح وبهذه الاعتراف أظلمه.. أكثر يكتب جعفر شِعرًا لا يتجرأ البعض على كتابته.. كالحديث الصريح عن والديه
من أتون أوجاع الشاعر البحريني #جعفر_العلوي يتصدر كتابه الثاني لتعض أصابعك ندماً على تأخرك في قرائته مثلي .. من الكتب التي لايكتفي القارىء بقرائتها مرة واحدة . في كل مرة تعتليك سحر الدهشة و الأعجاب بالشعر و الصور التي أجاد#العلوي تصويرها من طفولته و شقاوته و حياته و الحرب 💔
" أنا الطفل الذي نجا بأعجوبة من هذه الحروب كلها ".
يقول جعفر في احدى القصائد بأنّه شاعر سطحي لا ينتبه له أحد في العالم ولا يريد أحد أن يسرق قصيدته. أنا أريد سرقتها كلها يا جعفر، كلها كاملة متكاملة وبما تحمله من وجع ومن ضغط على الجرح والجوارح، وبما بتحمله من حقيقة. أريدها كلها عدا التبويب الثالث، فأنا أضعف من حمل الحروب في كلمات.
أعدت تفعيل حسابي في "القودريدز" بعد انقطاع سنوات لرغبة انتابتني في ترك انطباعي حول هذا الكتاب .. و تحديداً باستخدام النجوم التي تضيء ما أن تضغط بإصبعك عليها .. و رغم أنني لم أكن اعتقد بجدوى تقييم أي كتاب بطريقةٍ كهذه، لكنني اليوم أفعل .. أقول "ربما" تعبر هذه النجوم عن إعجابي و دهشتي بكلِ نص في هذا الكتاب
"تسمينه شعراً، و أسميه التعب"
"تسمينه شعراً و أسميه صريراً الكلام الذي أكتبه بحذر ثم أسحب يدي بسرعة قبل أن يرتد باب الندم على أصابعي"
"تسمينه شعراً و أسميه خط نهاية الكلام الذي أركض في مضمار قلقه طويلاً بقدمين منهكتين، و أنفاس مقطوعة"
"تسمينه شعراً و أسميه حجراً الكلام الذي ألتقطه من روحي و ألقي به في جُبِّ وحشتكِ كمن يتحسس بقلبه كم سحيق و مظلم هذا الغياب"
يكتب جعفر ما نسميه شعراً .. و يهبه ببساطةٍ مدهشة مسميات كثيرة .. يكتب حبه، حربه، ذكرياته، و ندمه .. يكتب ليوجعك بما يكفي لارتداد أبواب ندمك كلها .. و ليدهشك بما لا تكفي معه نجوم "القودريدز" الخمس