هو من الشخصيات المميزة بلا شك في التاريخ المصري وتاريخ النضال الأيوبي ضد الصليبين و لكن لا أحد يعلم من أين أتت كل هذه الكوميديا التي تحيط بشخصيته وخاصة في أحكامه في الرعية حتى أصبح يضرب به المثل في الديكتاتورية ولا معقولية الأحكام التي يصدرها (ده حكم قراقوش ).
الأرجح أنها جزء من الخصومات السياسية ضده في ظل ما ثبت عن نضاله ومواقفه وربما يكون تغييرا جذرياً قد حدث له بعد أن تولي الوصاية علي عرش مصر في حياة الأمير المنصور . في النهاية هي حكايات طريفة تعكس جزء من روح الكوميديا الموجودة لدى شعب مصر ولدي أدباؤها منذ قديم الأزل.
تقييمي للكتاب ليس باعتباره كتاب تاريخي ، ولكن ككتاب ساخر لاذع السخرية ، وهكذا المصريون حين يسلطون ألسنتهم علي شخص حتي بالباطل. والثابت تاريخيا أن قراقوش كان من رجال الناصر صلاح الدين الأيوبي العظام ومن دعائم دولته الذين كان لهم فضل كبير في الانتصار علي الصليبيين . و الأمر مرجعه الغيرة والتنافس خاصة بعدما اضطر ابن مماتي للهرب من مصر في آخر أيامه لمطاردة قراقوش له.
الفاشوش في حكم قراقوش: انهيت اليوم 28-5-2022 قراءة كتاب "الفاشوش في حكم قراقوش” كتاب للقاضي أسعد ابن مماتي ، حيث يسرد فيه ظلما و جورا حكايات ملفقة لواحد من أشهر حكام مصر والذي عُرف بقسوته ويتداول العامة سيرته وأحكامه بالأمثلة للدلالة على القهر رغم ان التاريخ يذكر الرجل بخير ذكر ،فالمؤرخ ابن خلكان و قد عاش قريبا من عصره يقول عنه ” و كان رجلا مسعودا و صاحب همة عالية" و لكن يعزو المؤرخين هذا الي شدته علي المصريين فمما يروي عنه انه كان يستقبل العمال و الفواعلية صباحا علي ابواب القاهرة و يجبرهم علي العمل في اسوار القاهرة او بناء و تشييد المباني الخاصة بالدولة و يحاسبهم نهايةة اليوم و لا يبخسهم حقهم و لكن كل ذلك بدون رضا منهم. الكتاب نشره الدكتور عبد اللطيف حمزة في خمسينيات القرن الماضي نشرًا غير مكتمل (بعكس المخطوطة التي قرأتها سابقا و كانت في ١٦ صفحة فقط) وقام بحذف عدد من الحكايات التي تسئ الي الحاكم إضافة لوجود ألفاظ نابية و جنسية وحكايات اعتبرها خادشة للحياء العام !! تنسب بعض المخطوطات الكتاب للامام السيوطي و لكن هذا رأي ضعيف و نسبه الي ابن مماتي اقوي و منطقي اكثر ، يقول المقريزي عنه: ” إن القاضي أسعد بن المماتى هو أحد أفراد أسرة قبطية كان لها شأن عظيم في مصر، و بخاصة في عصر الفاطميين إذ كانوا أصحاب المراكز الأولى في شؤون الإدارة المختلفة، و قد كان في الوقت نفسه إدارياً حازماً مشهوراً في عصره، وسلك ابن المماتي طريق السياسة و تدخل بأمورها وهنا تقابل مع قراقوش وزير صلاح الدين و احتك به ورأى فيه منافساً خطيراً له. و نحن لا نعرف ما حدث بينهما بالضبط إلا أنه من الراجح أن قراقوش ظل محتفظاً بسلطانه و نفوذه لدى صلاح الدين، وهذا ما يدل على هزيمة القاضى المماتي في الميدان السياسي... لهذا كتب القاضي المماتي كتابه المسمى “الفاشوش” لينتقم من منافسه و ليهزأ به و ليحقر من شأنه و يصغر من تاريخه.. انتهى كلام المقريزى. من هو قراقوش؟ قراقوش كان وزيرا لصلاح الدين الايوبي و كان هو عينه علي الخليفة الفاطمي و يده التي عزل بها الخليفة الفاطمي و اسقطه بها و اعاد الدعاء للخليفة العباسي علي منابر القاهرة بعد ان كان الدعاء للخليفة الفاطمي و قراقوش ايضا هو من أشرف علي بناء قلعة الجبل لصلاح الدين الايوبي لتكون مقرا للحكم و حماية للمدينة. و قام الرجل باستكمال بناء سور حول القاهرة لصد هجمات الصليبيين و لكن اشهر اعماله هي مقاومته للصليبيين و تحصنه مع المسلمين لمدة سنتين داخل حصن عكا و رفضه الاستسلام و اقناع المحاصرين بذلك الي ان سقط الحصن و تم اخذه اسيرا و لم يتم العفو عنه الا بعد الصلح بين صلاح الدين و الصليبيين. يتعرض الكتاب ايضا الي فن الهجاء و التلاسن و السخرية في دراسة مستفيضة زمنيا و مكانيا و يؤرخ لاشخاص او اعمال وكتابات و اثرها في المجتمع فمثلا يذكر كتاب "هز القحوف" عن الفلاحين و جهلهم و اهمالهم تحت وطأة الحكم العثماني و شخصية سيبويه المصري مدعي الجنون لهجاء الحكام باريحية في نهاية الدولة الطولونية و بداية الدولة الاخشيدية و الوهراني و هو شخص مغربي الأصل لاذع السخرية مفوه و له مهارات لغوية لا يستهان بها فقد سخر من الحكام و الوزراء و الامراء و الشعراء و الكُتّاب لانه طلب وظيفة في الديوان و لم يحصل عليها. و في رسالته "المنام الكبير" يتخيل يوم العرض و مقابلته السلاطين و الادباء و الفلاسفة و الكتاب و العلماء و كل الطوائف كما في رسالة ابي العلاء المعري و لكنه يتحادث معهم بسخرية و لا يتبع ابو العلاء في جديته. ويذكر كاتب اخر اسمه ابن سودون هو كاتب ظريف و ساخر في العصر المملوكي صاحب كتاب نزهة النفوس و مضحك العبوس. و من نماذج العصر الحديث كتاب "ما هنالك" لابراهيم المويلحي الذي استدعاه و استضافه السلطان العثماني ع الحميد الثاني و عاش في ظله ١٠ سنوات و عاد الي مصر و كتب هذا الكتاب عن القصر و دوائره و كيف كان السلطان لديه ٤ شيوخ اوهموه بانهم يعلمون الغيب. و ما ان سمع السلطان بهذا الكتاب حتي ارسل و جمع كل نسخ الكتاب و تم حرقها في الاستانة الا بعض النسخ تسربت و منها نسخة في دار الكتب المصرية. ايضا يؤرخ الدكتور ع اللطيف حمزة لشخصية ابو نظارة و هو يعقوب صنوع الذي كان من تلاميذ الامام جمال الدين الافغاني مع اخرين فمنهم من اتخذ الصحافة الجادة سبيل مثل محمد عبده و منهم من اتخذ صحافة الهزل مثل يعقوب صنوع و منهم من اتخذ الخلط بينهما مثل عبدالله النديم. و انتقد صنوع الخديوي اسماعيل في المسرح و في مجلته "ابو نظارة زرقاء" حتي تم نفيه الي فرنسا. الكتاب جميل و فيه الكثير من اللطائف و الممازحات و يتحدث عن فترات من تاريخ مصر سلب المواطن المصري حقه و عاش اجير في ممتلكاته و لم يهنأ بها في حين استمتع بها الباشا و مماليكه و كل مستعمر و غاصب للوطن.
الفاشوش في حكم قراقوش انهيت قراءة كتاب الفاشوش في حكم قراقوش اليوم الخميس ١٢-٥-٢٠٢٢. الكتاب من كتب التراث المنسوبة الي الامام السيوطي و لكن بمزيد من البحث اتضح انه من تأليف ابن مماتي و هو قبطي مصري كان ناقما علي بهاء الدين قراقوش رجل صلاح الدين الايوبي القوي و صاحب النهضة المعمارية العسكرية في بداية قيام الدولة الايوبية في مصر علي انقاض الدولة الفاطمية ، فهو من بني لصلاح الدين قلعة الجبل و هو من مد سور القاهرة ليحتوي المدينة بعد ان زادت مساحتها و اتسعت و حارب الصليبيين و دافع عن الشام. الكتاب قد يكون مكذوبا علي الامام السيوطي و ربنا علي ابن مماتي ايضا لان اسلوب الكتابة به من الفحش و الكلمات البذيئة الكثير و لا يرقي ان يكون من تأليف السيوطي او ابن مماتي الذي نشأ في عائلة علي صلة مباشرة بالقصر و الحاكم صلاح الدين. يظهر الكتاب بهاء الدين قراقوش بمظهر الغبي و المتكبر و المتسلط علي الشعب المصري و علي ما يبدو ان ذلك بسبب الحقد و الكره لهذا الرجل بسبب شدته و قوته و عنفه في التعامل مع الشعب المصري. الكتاب عدد صفحاته قليل جدا (١٦ صفحة) و يروي نكات شعبية تشبه الي حد كبير حواديت و مواقف و هزل جحا ، فمثلا اشتكي اليه احد الفلاحين ان جندي اعتدي علي زوجته و كانت حامل فسقطت فأمر قراقوش ان ياخذ الجندي زوجة الفلاح لمدة سنة و لا يردها اليه الا عندما تكون حاملاً فتنازل الفلاح عن شكواه!!!
و في قصة اخري ان غلاما له قتل شخصا ما فأمر بقتله فقيل له و لكنه غلامك و هو يصلح لك قدم فرسك فلمح قفّاصاً (و هو من يصنع الاقفاص) فقال هذا لا فائدة تُرجي منه فاقتلوه بذنب الراكبدار. هذه امثلة تدل علي ان المصريين ارادوا ان يتندروا و يشّنعوا عليه للاسباب السابقة. وجدت كتاب اخر بنفس الاسم و لكنه يتعرض بدراسة كاملة و شافية لمؤلف الكتاب و هو ابن مماتي و ليس السيوطي و يدرس احوال ذلك العصر سياسيا و اقتصاديا و اجتماعيا و سأكتب عنه بعد قراءته.
يبرأ الكاتب هنا قراقوش مما أرتبط به من ظلم و جور و أنه كان ظالم ثم ينتقل الكاتب في أكثر من نص الكتاب ليحكي لنا الادب و السخريه علي مر العصور بشكل مختصر
"إنني لما رأيت عقل بهاء الدين قرقوش محزمة فاشوش قد أتلف الأمة؛ فالله يمحو عنهم كل غمة. لا يقتدي بعالم ولا يعرف المظلوم من الظالم، وكم في قلبه شيء من الجنة والشكية عنده لمن سبق، ولا يهتدي لمن صدق، ولا قدر أحدٌ من عظم منزلته على أن يرد كلمته ويشتط اشتياط الشيطان، ويحكم حكمًا ما أنزل الله به من سلطان؛ فصنَّفت هذا الكتاب لصلاح الدين، عسى أن يريح الله منه ��لمسلمين”.
قراقوش بن عبد الله الأَسَدِي أمير رومي نشأ في خدمة السلطان صلاح الدين الأيوبي، وناب عنه في الديار المصرية كان له دور في بناء الدولة الأيوبية وجعله صلاح الدين أمير علي عكا وقائد لجيشها ،أشرف على أعمال إنشائية عظيمة ، منها قلعة صلاح الدين وقلعة المقس وخان السبيل وسور مجرى العيون والذي كان يرفع مياه النيل إلى القلعة، اتسم حكمه بالصرامه والشدة الي حد غير إنساني.
ابن ممَّاتي كان نموذجًا لأحد المثقفين الذين طوعوا وعيهم وثقافتهم الموجودة بالأساس في خدمة الجماعة المصرية الشعبية وتوجهاتها كان شاعر وله عدة مؤلفات منها كتاب «تلقين اليقين» في الفقه، وكتاب سرّ الشعر، وكتاب علم النثر ، وكتاب قرقرة" الدجاج في لغة ابن الحجاج"، كما أنه ألف "سيرة صلاح الدين" شعرًا ونظم كتاب كليلة ودمنة" وعرف عنه أن له نوادر حسنة حادّة وأيضًا له نقد ساخر ولاذع لموظفي الدولة والمقربين من السلطان، ومنهم قرقوش إذ عرفه ابن مَماتي بحكم وظائفه وعمله اليومي في الديوان والواضح أنه التقي به مرات عدة، ولعله اصطدم معه بسبب خلاف سياسي حاد ، فجاهر بعدائه، وبموقفه من حكمه، وبما يقوم به.
جمع ابن مماتي في الكتاب مجموعة من الحكايات التي ظهر فيها قسوة وظلم وشدة قراقوش فتجده مره ينصر الظالم علي المظلوم ومرة يأمر بإعدام شخص مكان شخص آخر لانه ليس ذو فائدة أو منصب
يقول الدكتور والباحث عمرو عبد العزيز منير عن الكتاب ويبقى "الفاشوش" ، عملا فنيا بالغ الأهمية، وموقفا سياسيا عظيم الدلالة وُلد من رَحِمَ إبداعات التراث الشعبي المصري في العصر الأيوبي ؛ وتربَّى في حجر مصر المملوكية فأضحى وثيقة تاريخية مهمة.
و لا نستطيع أن ننظر إلى «الفاشوش» على أنه كتاب تسلية أو سخرية، أو كتاب تاريخي فقط، بل هو محصلة للإنسان الذي عاش عصرًا مضطربًا - العصرين الأيوبي والمملوكي - فعايشنا تجاربه وأحلامه وخَيْباته وآماله وآلامه. واستطاع ابن مماتي أن يوظف تلك الحكايات التي تبدو في ظاهرها حكايات فكاهية تتغيَّا السخرية من قراقوش؛ لاتخاذها تكأة يوجه من خلالها سهام نقده إلى الحكم الأيوبي، مبرزا ما كان فيه من مفاسد باستخدام الرمز
Begun by Ibn Mammati, its stories circulated widely in Egypt, and were collected and rewritten by Abu'l-Fadl Abd al-Rahman al-Suyuti (1445–1505) and Abd al-Salam al-Malki (1564–1668), and proved so popular that in subsequent centuries, the memory of the historical Qaraqush was obliterated and his name became "a symbol of a lunatic tyrant".
It was recollected and rewritten again by Al-Suyūṭī to suit his student’s purposes at Ibn Tulun Mosque in Cairo as he states in his introduction to the book. This means that Ibn Mammātī’s stories have been circulated so widely to the point of arousing the curiosity of serious students and scholars in Egypt after 300 years. The colloquial nature of the text might support the idea that these stories have been orally transmitted from one generation to the next and many stories might have been added as well. As a serious scholar, Al-Suyūṭī has endeavored to collect these stories and codify them in the form of a pamphlet and he has not imagined that his small project will spread like wildfire in the form of so many pamphlets in the Arab and the Muslim world. So far the manuscripts are still wrongly ascribed to al-Suyūṭī and not to their original writer.
عشرون من الحكايات الطريفة تنسب للأمير المجاهد المفترى عليه بهاء الدين قراقوش الأسدي، وقد وقعت على طبعة مطبعة بولاق الأولى للكتاب ولم أرى طبعة منشورات الجمل وغالب الظن أنها لا تختلف عنها... والكتاب في مقدمته أنه إجابة عن سؤال ورد للإمام السيوطي فأجاب وروى رسالة القاضي ابن مماتي وتتضمن عشرين حكاية كما ذكرت.. والصحيح أن الكتاب مكذوب عن ابن مماتي وربما على السيوطي أيضا.. وهو مكتوب بلغة عامية و كلامه كله غير معقول ومضحك و الأولى أن يكون من تأليف ودس بعض أتباع الفاطميين ممن نكبوا ببهاء الدين قراقوش رحمه الله وكانوا من قبل حكمه نائبا ومساعدا للإمام صلاح الدين الأيوبي يصولون ويجولون ويملكون الضياع والقصور فأقيم فيهم العدل حتى عادوا من عامة الناس.. او أن يكون الكتاب من وضع بعض سفهاء العامة بمصر... وإلا فإن الأمير المجاهد بهاء الدين قراقوش رجل عظيم حكيم كان خير عون للإمام صلاح الدين في تحرير القدس و غيرها من المدن من الفرنجة الصليبيين وما استبساله في عكا بكثير في مآثره وخصاله.