المجموعة القصصية الأولى للكاتب، تتكون من سبع قصص: اليوم المنتظر، بلاطة المؤذن، روضة الطفل السعيد، الغريب الذي زار قريتنا، غيّاب، عشرون دقيقة، مدينة الشيطان. "اللحظة التي رفع فيها عينيه عن الكتاب هي اللحظة التي قرأ آخر كلمة فيه. انتهت الزوبعة أخيرًا. ها هو الآن يعود إلى الحياة الرتيبة بحلة جديدة، بمنظور جديد. لقد صار إنسانًا آخر. تأمل في الغرفة التي يقبع فيها، وتنبّه للمرة الأولى للوحة المعلقة قبال سريره. صحيحٌ أنه رآها من قبل، لكنها المرة الأولى التي يبصرها. كان إطارها ذهبيًا، وهي تميل إلى اليسار قليلًا، مما أضفى على الجدار الأبيض المربع لونًا آخر. ارتسم باللوحة طفلٌ صغير السن، ممزقة ملامحه وممزوجة بالأبيض والأسود. كان يحدق في اللاشيء حتى صار واحدًا وإياه.
اعجبتني ثلاث قصص من اصل سبعة وهن: اليوم المنتظر بلاطة المؤمن مدينة الشيطان
اما باقي القصص فوجدت بعضها مجرد حشو كلام لا اكثر لامغزى ولا عبره منه. . اسلوب الكاتب جميل واحسست بأنه يملك امكانية ابهارنا بعمل قوي بالمستقبل، امكانية تنقله من القصص الرومانسية الى الواقعية الى حوار الاطفال وبالنهاية الى رواية خيال علمي سياسية جميله وفيها كثير من الرسائل. وبلا شك سأقرأ له مجدداً . . هذه بعض الاقتباسات:
لكل انسان في هذه الحياة غاية يجب ان يسعى اليها. ماالحياة الا فرصة لبلوغ هذه الغاية مهما تناهت في الصغر. قد يخطف الموت من لم يبلغ غايته بعد، لكن من لا يسعى اليها ميت كذلك.
قيمة بعض الفرضيات والافكار لا تكمن في ذاتها، بل في النتيجة المرجوة منها.
مجموعة قصصية من ست قصص قصيرة، وقصة رئيسية "مدينة الشيطان". تحاول المجموعة عمومًا البحث في نماذج محددة من شخصيّات تتّصف بعمق نفساني متأثّر بمحيطٍ معقّد، وإن كانت هذه الشخصيات سطحيّة في الظاهر (وربما في الواقع). فالمجموعة تبحث الظروف والحيثيات التي تخلق هذه الشخصيات، ومن ثمّ تحاول فهم طريقة تفكيرها المتفرّدة، وتنجح في ذلك إلى درجةٍ بعيدة. طبعًا القصة الأخيرة والأطول والأهم، مدينة الشيطان، مختلفة عن بقية المجموعة. فهي تتّصف بأفكار تاريخية مهمة وعميقة جدًا، يحاول الكاتب من خلالها أن يفهم المجتمع الحاضر بها. هي مجموعة تستحق القراءة بكل تأكيد، والنقاش أيضًا في الأفكار المثيرة التي تطرحها.
ليست مدينة الشيطان ، ربما هي مدينة حسين الاخذة بالتمدد في عالم آخر . للوهلة الاولى ظننتها قصة من تلك القصص التي تقلد قصصاً أخرى بدون التفرد الواضح في المضمون والانتاجية . مدينة الشيطان جزء من عالم كبير ، استولت فيه الشركات على الامبراطورية وبالطبع حاربت من أجل تركيز ودعم نشاطها الايدولوجي في الكوكب . قصة لا تتعدد الشخصيات فيها وإنما يأخذك الحوار بين آدم والرقم ٩٠٥ لفهم كل شيء . رأيت فيها ١٩٨٤ لجورج أوريول ، وأعجبني كثيراً الاشارة لكتاب مهد القطة وتضمينه ضمن القصة السردية الاساسية . تجربة لا تصدق ، واعتقد بأنها تعبر عن سوء التفاهم الكبير الذي يحدث من حولنا ، والتدجين المستمر للعقول ، في تغيير المفهوم الاساسي للحرية ، لا يستطيع احد ان يقول ما هي الحرية تماماً ، لكني مناكد من ان الكل يتفق على ان الحرية أكبر من كل التعاريف . هي الشي الوحيد الذي يبقيك انساناً حتى النهاية ، لا يمكن أن تبقى حياً بشكل كامل طالما لم يكن فيك ذلك الوعي الشغوف للمعرفة .
اما القصة التي بعنوان " الغريب الذي زار قريتنا " .. كنت مندهشا من هذا التشريح العميق للحداثة التي ربما تهاجم المجتمعات التي ليست على اتم الاستعداد للتطور ، على رأي حسين فان التطور لا يكون جماعياً وانما فردياً ، بعبارة اخرى فإنه لا بد أن يبدأ من البيت وينتهي بالشارع . كانت شخصية عصام الغطاس شخصية لا يمكن التغافل عن مدى ذكائها الفطري ، وبأنه لا يمكنك أن تعرف الآخر ما لم يبدأ بالحديث .
والقصة التي بعنوان " روضة الطفل السعيد "
اتخذ حسين هنا منحى آخر تماماً وأسلوباً يختلف في المجمل عن اسلوبه في القصص الأخرى ، وعرّض القارىء لتجربة بسيطة لكن لها من الاثر أعمق من ما يتضح ، ربما تكون الطفولة بريئة ، لكنها ليست ساذجة على الاطلاق .
قصة " عشرون دقيقة " ذكرتني بالبطل المراهق في " الحارس في حقل الشوفان " ان تبدأ بالفعل وتنتهي بفعل نقيضه ، تعبير واضح وصريح عن انه يمكن للانسان ان يتمنى لكن ما يفعله يبتعد بمقدار اميال ، كان الرتم سريعاً ويشبه الضرب على الطبول . لكن بغضب .
قصة بلاطة المؤذن
يمكن للمظهر الخارجي والداخلي أن لا يعبران تماماً عن الشخصية الحقيقية للانسان ، هذه القصة تقول بأنه يمكن للانسان ان يبدو ملاكاً فيما هو شيطان بالداخل ، العبادة ليست في أن تؤدي الصلوات وإنما في ما يمكن ان تفعله بالاخرين ، أبو صالح مثال على كثير من أولئك الذين يقضون وقتهم في الصلوات لكن في الحقيقة هم لا يفعلون شيئاً سواها .
ختاماً ، كانت المجموعة رائعة وسعيد جداً بالاطلاع عليها ، انتهيت منها ولم اكن اتوقع ان انتهي منها سريعاً وانا اشعر بالابتهاج ، عشت هنا بين شخصيات كثيرة ، تكررت الاسماء في بعض القصص ، لكنها لم تقع في خطأ التكرار في المضمون ، كنت اتمنى أن تكون بعض النهايات اقوى من الاخرى ، لكن في المجمل تجربة رائعة وتستحق القراءة .
أحببت طريقة السرد التي تشعرك بأنك شخصٌ داخل القصة، لا شخصٌ يقرؤها من الخارج. الإهتمام بالتفاصيل والوصف الدقيق سِمة مميّزة هُنا. القصص مختلفة وتناقش قضايا متنوّعة مهمّة، ولو أن أطوَلها ما سُميَ به الكتاب "مدينةُ الشيطان" إلّا أنها لا تحتكر الأهمية والقيمة الأكبر لهذه القصة فحسب.
رحلة قصصية يجوب فيها القارئ مختلف الأماكن والأزمنة. مدينة الشيطان والقصص الست الأخرى تميزت بتنوع الأفكار والشخصيات والحوارات والأساليب القصصية والاقتباسات اللغوية. ستتعرف على نمط حياة الطالب الجامعي محمد في "اليوم المنتظر" وستشهد فعاليات اليوم في حي أبو صالح الكهل عند قراءة "بلاطة المؤذن". أما براءة الطفولة والتمرد الصبياني فقد كان لهما نصيب في كل من "روضة الطفل السعيد “و"عشرون دقيقة".
عدة أفكار تم التطرق إليها عبر هذه القصص كالنفاق الديني والتقوقع والانفتاح و تناقض القوانين والطبقية. السلطات الثلاث ومدى تأثير السلطة الرابعة كانت الطابع الغالب على"مدينة الشيطان".
ينطلق الكاتب في سردياته القصيرة من إحدى أهم مكونات المجتمع السعودي، وهي البيئة، جاعلاً منها سمة مشتركة بين قصص المجموعة، والذي اختار لها أن تكون القرية؛ وما يُؤْمِن به أفرادها ومعتقداتهم وطريقة تَشَكُّل قِيمهم، وما يدور فيها من قضايا بسيطة تزعزع رأيها العام. تتألف "مدينة الشيطان" الصادرة عن دار المعقدين من سبع قصص، تُشكّل مجتمعةً دراسة جريئة لمجتمع القرية السعودي الذي نعيش فترة انحساره وانتقال أفراده إلى مجتمع المدينة، غير أن هذا الانتقال لا يزال في معظمه شكلياً، وأن ما نسجه المجتمع القروي على مدى عقود من مفاهيم وقيم لم يبرح يلقي بظلاله على هؤلاء الأفراد ومزعزعاً تقاليدهم الراسخة وكاشفاً لدواخلهم النفسية المتناقضة التي يحاول أفرادها إخفاؤها، بالرغم من اختلاف أعمارهم ومحاولة انسجامهم في المجتمع المدني.
قد تبدو قصة "اليوم المنتظر" في القراءة الأولى مجرد قصة شاب مبتعث يصارع نفسه من أجل مصارحة "بيان" -المبتعثة الأخرى- عن مشاعره تجاهها أثناء انتظار قدومها في إحدى المقاهي. غير أن التفاصيل الدقيقة تشير إلى نمطية الرجل الشرقي المتمثّلة في محمد المبتعث عبر الإشارة إلى إهمال أزراره العلوية وإظهار شعر صدره، أو عندما تخيلها معه يأكلون السلمون تجنباً للحوم الأمريكية. فالصراع الذي يعيشه محمد هو ليس فقط مقاومته لنرجسيته في الإفصاح عن حبه لبيان، وإنما محاولته للانعتاق من بيئة القرية المحافظة التي لا تقبل أي تواصل بين الجنسين، فهو يرى في تواجده في بلد الابتعاث فرصة للتحرر من تابوهات ماضيه دون أن يحاكمه المجتمع، وهذا ما رمزت إليه رواية "أن تقتل طائراً بريئاً" الموجودة على الطاولة أمامه والتي يحارب فيها البطل أتيكوس مجتمعه العنصري، غير أن البطلين محمد وأتيكوس في النهاية يفشلان. وتظهر في هذه القصة رهاب تسلط المجتمع المحافظ على أفراده إذ تساهم في خلق قيم مشوهة لهم، وتجعلهم يعتقدون بإيمانهم بها ولكن سرعان ما ينقلبون عليها في أقرب فرصة سانحة للنجاة من إطلاق الأحكام عليهم، وبالتالي يتحول الأفراد بوعي أو دون وعي إلى كائنات متناقضة تصارع نفسها داخلياً ونفسيا من أجل إيجاد حقيقة ذواتهم وما يؤمنون به فعلاً.
تظهر ثيمة التناقض مرة أخرى في قصة "عشرون دقيقة" بشكل أكثر بروزاً، حيث نغوص في أعماق أحد طلاب المدارس في إحدى القرى، عبر مونولوغ طويل وغاية في التضارب، إذ يعارض البطل كل جملة يقولها في جملة أخرى دون وعي منه، مما يجعل ثيمة التناقض محل سؤال مهم، هل هي خلل نفسي يحتاج إلى علاج، أو قيمة ينبغي الاحتفاء بها تماماً كما يحتفي ألبير كامو بالعبثية، فهي أمر محتوم لا نستطيع التغلب عليه إلا باحتضانه والتصالح معه، فالتناقض محكوم بالظروف والمصالح ومتغير بتغير المواقف وقابل لإعادة تحليله في كل موقف لإزالة التعارض بينها.
أما القصة الأخيرة وهي الأهم والذي وُسِمت المجموعة باسمها هي الأجرأ، لا من حيث المحتوى فقط وإنما القالب الذي وضعت فيه فهي قصة ديستوبية تضع البطل في موقع تناص بين ثلاثة روايات ديستوبية رائدة وهي: ١٩٨٤ لجورج أورويل، وفهرنهايت ٤٥١ لبرادبري، وعالم جديد جريء لهكسلي. فالبطل المسمى ٩٠٥ يعيش في مجتمع شمولي قمعي يمحو جميع الاختلافات بين أفراده، وتوزعهم وفق معايير وحصص تحددها السلطة، وذلك يشبه البيئة التي نسجها هكسلي في روايته المعتمدة على الهندسة الجينية في صياغة المجتمع تماماً كما تريده السلطة. أما البطل ٩٠٥ نفسه فهو يشبه ونتون بطل رواية ١٩٨٤ في محاولته لوضع خطة تمرد ونجاة لنفسه من بطش السلطة. وأيضاً هناك توافق كبير بين ٩٠٥ ومونتاغ بطل رواية فهرنهايت ٤٥١ في فضوله لقراءة الكتب الممنوعة والذي ساهم بشكل كبير في تمرده. فلو رسمنا ثلاثة دوائر متقاطعة تشير كل منها لإحدى هذه الروايات، نجد البطل ٩٠٥ يقبع تماما في قلبها، في المنطقة المشتركة بين الروايات الثلاث.
تمتلئ هذه القصة بالكثير من الرمزيات الذكية التي تعري تماما أساليب أي سلطة استبدادية في السيطرة على الأفراد، سواءً بتسخير الإعلام لتزييف الحقائق، أو إقامة احتفالات جمعية زائفة من شأنها تعزيز قيم السلطة وتأكيد بقائها وتمسكها بزمام الحكم. أيضا يتطرق الكاتب للتفاصيل الدقيقة في دستور هذا المجتمع الذي أسماه "كوكب السماء" وكيفية تلاعب أصحاب النفوذ فيه كي يبقوا دائماً محل القوة.
في هذه القصة ينتصر الكاتب لبعض قيم المجتمع القروي المتمثل في القطاع المعارض للسلطة، الذي لا زال يعيش الحياة البسيطة نسبياً مقارنة ببقية القطاعات، وكيف يساهم أحياناً في توطيد قيم عليا كالتعاون والتكاتف والتواضع، وكيف تساهم القوة الجمعية على التمرد وبالتالي زيادة الوعي ورفض الانصياع والانقياد لما تحاول السلطة تضليله. لكن النقطة الأبرز في هذه القصة هي توضيح مفهوم التاريخ وطريقة تعقبه وكتابته والاستفادة منه، فالقصة مكتوبة بشكل متوازي بين أحداثها تارة وبين وثائق مختلفة تساهم في معرفة حقيقة في زمن ما، وهذه الوثائق متنوعة بين كتب ومقال وبحث ودراسة ورواية جميعها كُتبت في زمن التاريخ المراد معرفته، وأن التاريخ لا يُستقصى فقط عبر كتب التاريخ السردية المكتوبة في زمن وتنقل أحداث وقعت في زمن آخر.
تحتوي المجموعة على قصص أخرى جميعها تتطرق بشكل أو بآخر لمجتمع القرية وتحاول تفكيك القيم الدينية والاجتماعية والثقافية التي يعتنقها أبناؤه وبشكل ذكي جدا، بل أستطيع القول بأن بعض هذه القصص ترتقي لمستوى بعض قصص الأدباء الكبار كفرانز كافكا وهيمنغواي، ولو كان في هذه المجموعة قصة "مدينة الشيطان" فقط لكفتها.