إنتهيت من قراءة رواية طائر الحوم لعالم الاجتماع و الروائي السوري حليم بركات , وهي الرواية التي صنفها اتحاد الكتاب العرب من أفضل مائة رواية عربية و تحديدا في المركز ال51 , بداية العمل لا يصف بالروائي , فهذا الكتاب عبارة عن شذرات من حياة الكاتب مكتوبة بصيغة ادبية متفاوتة ( بعضها مبدع و آخرى شديدة التكلف ) , شذرات تقص مواقف متفرقة من حياته , معظمها تبدى لي وكأنه بكاء على الماضي و استجداء لزمن غابر , و هذه الشذرات , تتدرج في الزمن , و يمكن ان نصفها بأنها محاولة كتابة سيرة ذاتية بإسلوب جديد , فنحن نذهب مع الكاتب في رحلته في هذه الحياة منذ وفاة والده و هو صغير في العمر , و اضطرار والدته للإرتحال الى المدينة , إلى زواجه و هجرته إلى الولايات المتحدة الامريكية , خلال هذه الرحلة , يحمل الكاتب على ظهره كل ذكرياته مهما كانت ذكريات بسيطة و صغيرة , و يظهر للقارىء منذ السطور الأولى مدى ثقل تلك الذكريات على الكاتب , و يرافق الكاتب و القارىء في هذه الرحلة الى الماضي زوجة الكاتب , التي كانت تضفي على حوارات الكاتب الشخصية , بعداً مميزاً , فالزوجة هنا , كانت فائقة الحكمة , و شديدة الواقعية , و كم كنت أتمنى , لو أن الكاتب أزاح أفكاره أكثر لكي نرى أفكار زوجته بوضوح أكبر , ما عاب العمل من وجهة نظري , نقطتين , الاولى كانت مدى تعلق الكاتب الطفولي بذكرياته في قريته و تململه من حياته في الولايات المتحدة الامريكية ( رغم انها ملاذه و خياره ) و نقده الشديد الغير مبرر للمجتمع الذي استقبله و أمن له مستقبله و اعطاه ترف الوقت لكتابة مثل هذا العمل , اما الثانية , فكانت الاجحاف والسطحية في التفسيرات السياسية والتاريخية التي قدمها , والتي كانت شعبوية إلى حد كبير , لدرجة أنك قد تتخيل نفسك تتابع قناة نظام عربي هزيلة تستخف على الدوام بعقل المشاهد , اما ما ميز العمل و سوف اصفه بالسيرة الذاتية , هو الزوجة التي كانت دوماً تجذب الحوار إلى سطح الارض و كانت تصفع الكاتب كلما جال في خاطره بعيداً في عالم الوهم و التململ خاصة حين قالت له " طالما تصر أن تجعل الكفرون ( قرية الكاتب ) المرجع , لن تتمكن أن تبدأ علاقات جديدة وترى نوعا آخر من الجمال , ولو كنت منصفاً ستقودك مقارنتك إلى إعادة النظر ! " , هذا من جهة , من جهة اخرى , تميز العمل بطرح تساؤلات عدة تجعل القارىء يقف عندها متسائلاً عن ما قد يجيب هو نفسه عنها من مثل : أهم ما يجب أن يتعلمه الانسان هو ان يعرف متى و كيف و لماذا يموت , هل أعرف كيف أموت في المستقبل ؟ في اي مستقبل أريد أن اموت ؟ هل ادرك متى يحين وقت الرحيل بأناقة و كرامة و طمأنينة ؟ هل سأتمكن من الوصول الى قرار قبل ان اجتاز ذلك الخط الفاصل فلا أعود أميز بين الخيال و الواقع ؟ , ختاماً تقيمي للعمل 2/5 , ولا أعلم حقيقية لماذا وضع هذا الكتاب في خانة الروايات , ولماذا أقحم اتحاد الكتاب العرب هذا الكتاب على قائمته .
مقتطفات من كتاب طائر الحوم للكاتب حليم بركات
------------
-لماذا تنظر إلي هكذا ؟
- أنظر إلى نفسي فيك .
- لم أكن أدري أنني مرآة
- أرى نفسي جذع شجرة في وجنتيك المائيتين
- جذع شجرة عتيقة تحولت مسكناً للنمل
- بل غضن صفصافة يتكون
----------
إسمع زهقت من هذه العيشة , شغل , نوم , قراءة الجريدة , مراقبة التلفزيون , دفع الفواتير , عزائم , طبخ , جلي , إلى متى تستمر هذه العيشة ؟ ما معناها ؟ متى نتمتع بما نملك ؟ غداً لن نملك حياتنا
----------
أحلم أن نتحرر من كل المسؤوليات بما فيها العمل ونسافر الى مختلف انحاء العالم , ولكننا لا نفعل شيئا يستحق الذكر , ننهض صباحا , نشرب القهوة , نقرأ الجريدة , نمضي الى العمل فنغرق في دهاليزه وتفاصيله , ونعود مرهقين فنشرب كأساً , نأكل , نراقب التلفزيون , وننام في مقاعدنا قبل ان نذهب إلى الفراش
----------
حياتنا , مزيد من المآسي , من التفتت حتى يتقاتل الانسان مع نفسه اذا لم يجد من يتقاتل معه , من الكفاح العبثي , من الانهزامات التاريخية , من الانحدار الى مستويات من الهزال لم نكن نتصور انه يمكن الوصول إليها
----------
الانسان هو المسؤول عن انقاذ الآلهة كما كان مسؤولا عن خلقهم
----------
أهم ما يجب أن يتعلمه الانسان هو ان يعرف متى و كيف و لماذا يموت , هل أعرف كيف أموت في المستقبل ؟ في اي مستقبل أريد أن اموت ؟ هل ادرك متى يحين وقت الرحيل بأناقة و كرامة و طمأنينة ؟ هل سأتمكن من الوصول الى قرار قبل ان اجتاز ذلك الخط الفاصل فلا أعود أميز بين الخيال و الواقع ؟
----------
ندم أنه لم يتزوج , ولكنه من ناحية اخرى يشعر بالارتياج لانه لم يتسرع و يتزوج لمجرد انه سافر ليتزوج , ادك ان هناك خطأ ما , فقد وجد نفسه في جو غير طبيعي , يبحث عن عروس كما يبحث عن شقة يستأجرها , ليس هذا ما يريده لنفسه , اراد ان يكون زواجه عفوياً , ان يقع في الحب اولا , لا ان يقع في الزواج فجأة و دون مقدمات ثم يحاول ان يخلق الحب خلقاً
----------
الموت هو نهاية الذين ماتوا وليس الذين مايزالون أحياء
----------
رائع ان نشرف على المدينة من هذا العلو الشاهق , كفانا الغرق في التفاصيل والاجزاء , رائع ايضاً , بل من الضروري , ان نراقب الشكل العام , ان نكتشف العلاقات بين الاشياء , و كيف تلتقي و تكون صورة مذهلة فتتحول الى كائن جديد هو ابدع من الاجزاء و اهم , الحقيقة ليست العناصر منفردة بل العلاقات فيما بينها , طبعا مثل هذا القول ينطبق على الافراد و المجتمع .
----------
نستهضم نحن العرب الاجنبي اذا ما حاول ان ينطق بالعربية ولو جاءت كلماته مشوهة , و نحاسب انفسنا بقسوة فنسخر من احدنا اذا اقترف خطأ صغيراً عندما يتكلم الانجليزية او الفرنسية
----------
- لن نتوقف عن الحب , لن نترك انفسنا تتجاوز الحدود التي لا يمكن بعدها ان نسيطر على حياتنا اتمنى الا نترك أنفسنا
- كيف ندرك اننا نقترب من الحدود ؟
- ارجو ان ندرك , لم نختر ولادتنا , على الاقل يجب ان يكون بإمكاننا ان نختار موتنا
- أرى حوارنا غريباً
- انت على حق
- من ناحية اخرى نكبت دائما تساؤلاتنا الحرجة
- نعيش حالة شعرية عابرة , وطالما نعيشها لا اجد ضرورة للعودة الى الواقع و التحليل , لنتمتع بها فقط ,كم مرة في العمر نفلت من دورة الواقع
- في حالتك يجب أن تسأل كم مرة تعود الى الواقع
- الحلم الواقع , ما الفرق بينهما , ليس هناك حدود فاصلة , ربما كلاهما وجه للحقيقة
----------
اعتدنا ان نسلك الطريق السليمة , نتجنب المغامرات حتى تفرض علينا فرضاً
----------
أكاد أصل إلى شفير البكاء , وضع محزن حقاً , بالنسبة لي , لم أبك منذ زمن بعيد , أظن أنني تجاوزت مرحلة البكاء , آه من القهر , ان تكون في حفرة رطبة وحدك ودون وعد بالخلاص شيء يمزق قلبي , أحس بألم داخل دماغي و في صدري و معدتي , تعبنا من الهجرة
----------
طالما تصر أن تجعل الكفرون ( قرية الكاتب ) المرجع , لن تتمكن أن تبدأ علاقات جديدة وترى نوعا آخر من الجمال , ولو كنت منصفاً ستقودك مقارنتك إلى إعادة النظر !
----------
هم إقتلعوا أنفسهم من مجتمعاتهم السابقة ولم يلتفتوا إلى الوراء , فأصبح بإمكانهم أن يبدأوا انقياء
-----------
أفكر منذ مدة ان في المجتمع الامريكي نزعة قوية للتأكيد على اهمية الكيف او البسط , ولكنه كيف دون سعادة , إنه مجتمع كيف دون سعادة , وهو مجتمع كيف بمعنى آخر , لان الامريكي يسأل دائما كيف يفعل شيءا ما وليس لماذا يفعله , تنتهي كلمة لماذا في الطفولة و تحل محلها كلمة كيف , كيف تصبح غنيا ؟ كيف تنجح ؟ كيف تتمتع بالجنس ؟ كيف تغازل زوجتك ؟ كيف تكون سعيداً ؟
-----------
كيف أجرؤ أن أغضب وسط كل هذا الفرح الشاسع , وسط هذا الجمال الساحر , وسط هذه الطمأنينة الكلية , لماذا انا مسكون بالقضايا مأخوذ بها , منذور لها حتى في وسط هذه الروعة ؟ لماذا استدعي المسحوقين من سكينتهم بقدر ما اتمتع بالفرح والجمال والطمأنينة ؟ ليست الحياة فرحا و جمالا وطمأنينة ما لم اشاركها الآخرين , عبثا احاول ان اتحرر من الاهتمامات , امتلئي يا نفسي بالقضايا , مثلك يا طائر الحوم رحيلي الدائم وولادتي بعد كل موت
-----------