يقدّمُ لنا خالد كاكي في مجموعته القصصية الجديدة، سلسلة من الحكايات الممتعة والناضجة، مطبوعةً بما عاشهُ وخبرهُ في منافيه المتعددة، من أسبانيا حتى بلجيكا. يقولُ خالد كاكي في إحدى قصصه: «- أرجوكَ، قالت راكيل بقرار وتوسّل، تُخالط صوتَها الثمل رائحةُ التبغ والجعة، أرجوكَ، عاملني كإنسانة، وليس كبهيمة، أو سلعة، فقد مللتُ الزنوج. قالت هذا، وهي تتعرّى شيئاً فشيئاً، ولكنْ؛ باستعجال، لا يخفى. لم أفهم ما قصدَتْ في قولها بالملل من الزنوج. ولكنني افترضتُ أنها قضت الليل كله في مرقص مُترع بالأفارقة الذي ترادفوا على مغازلتها طمعاً في جنسٍ سريع كالهامبرغر، بينما كانت تكرع أقداح البيرة الرخيصة. افترضت - أيضاً - أنها رفضت كل العروض التي تقدّموا بها؛ لأن رسالة الهاتف القصيرة التي بعثت بها إليّ في ساعة متأخّرة من الفجر حوالي السادسة واثنتي عشر دقيقة، كانت تفيض بجوع شبقي، لا يرحم. عندما هممتُ بالسؤال عن سبب ورود كلمة نيغروس أو زنوج في كلامها، كانت شفتا راكيل تتحسّسان رقبتي، إشارة إلى قرب بدء العمليات العسكرية. أجّلتُ سؤالي إلى مرحلة ما بعد الحرب، وتركتُ يدي اليمنى تتجسّس في أراضي العدو وقواطع عملياته بحثاً عن جيوب المقاومة» لا تنفصلُ قصص هذه المجموعة إن في شكلها أو في محتواها، عن الخبرات والمواهب المتعددة التي تمتازُ بها شخصية خالد كاكي، فهو يكتبُ حينًا، ويعزفُ حينًا، ويرسمُ حينًا، حتى أنّهُ وضعَ لإحدى قصصهِ المعنونة «سيمفونية في ثلاث حركات»، تقسيماتٍ مقطعية مستوحاة من التقسيمات السيمفونية. سردٌ خفيف الظلّ، سلس اللغة، طلقٌ، ومتنوّع، يقدّمهُ كاكي ضمنَ أحد عشر قصةً توزّعت على مئة وثمانية وعشرينَ صفحة من القطع الوسط. وقد صدر الكتاب ضمن مجموعة المتوسط المسماة «براءات» - وهي مجموعة إصدارات خاصة فقط بالشعر، والقصة القصيرة، والنصوص. أطلقتها المتوسط احتفاء بهذه الأجناس الأدبية.
هنا أيضاً مجموعة قصصية مكتوبة بعيداً عن نمطية وقوالب المجموعات القصصية والروايات العراقية الحديثة ، التي بتنا نتوقع أحداثها قبل أن نقرأها من فرط تناول موضوعاتها لثيمة الحرب والإرهاب واللجوء . هنا يجد القاريء نفسه وجهاً لوجه مع شخصيات مفعمة بالحياة ، غريبة ، مختلفة وأيضاً بذكاء وحرفية تلتقط مفردات وعناصر من هنا وهناك تؤثث بها محتوى قصصها .
ص. 25: <<للموت هيبة و رهبة عجيبتان، و يثير فضولاً غريباً بين الأحياء، و كأن كل واحد منّا حين يَسمعُ بموت شخص قريب، يشاهد عيّنة قصيرة من فيلمِ نهايتهِ الشخصيّة، الذي سيشاهده كاملاً ذات يومٍ مجهول.>>
ص. 26: <<يبدو أن الموت أخفّ الرحلات أمتعة، و أقلّها تكلفة، و الميّت هو المسافر الوحيد الذي لا يحتاج إلى أية حقائب.>>