يزعم الكتاب بيان الجذور التاريخية للتطبير، و على الرغم من عدم تأييدي للتطبير إلا أنه لم يقنعني.
يُفترض أن يجيب الكتاب على تساؤلين أساسين: أولاً: منشأ التطبير، كيف و لماذا و أين؟ ثانياً: كيف انتقلت هذه الفكرة إلى الثقافة الشيعية و اتخذت صبغة مقدّسة، عدّها البعض من الشعائر و عظّمها؟
لا أعتقد بأن المؤلف وُفّق في الإجابة، و أرى أن هذا الكتاب عبارة عن دراسة سطحية لا تقدّم الكثير و لم تكن قراءتي له مفيدة.
رغم أني لا أؤيد التطبير ورغم أن الكاتب بذل جهدا في توثيق أن التطبير وضرب السلاسل طقوس مبتدعة حديثة العهد في العراق مصدرها شعوب أخرى ورغم اني اتفق معه في مسائل عدة
إلا أن هناك أخطاء واضحة فاضحة للمؤلف استفزتني كما يستفزني التطبير بحد ذاته
في بعض مواضيع الكتاب كان المؤلف يقابل إفراط عشاق التطبير بإفراط من نوع آخر لا يقل فداحة ..للأسف
إفراط في عقلانيته المزعومة حيث أنه يفرط في إطلاق مسمى الخرافة والأساطير على معتقدات الآخرين وافراط وهوس في محاولة نسبة كل فعل للشعوب الوثنية.. و إفراط في تقديس آراء فرايزر و من شاكله
انا قارئ عادي ولست مختصا في الأنثروبولوجيا وعلم الأديان
ولكن أستطيع أن اناقش معظم ما سرده الكاتب من أن الجذور التأريخية لشعائر الأحزان الحسينية مأخوذة من الشعوب القديمة أو الوثنية
سأبدأ بمثال وهو أن لم يتطرق له الكاتب مباشرة في كتابه ولكن أراه مدخليا لكل من له هوس إلصاق الطقوس والعبادات بالوثنيين :
القربان: اول من قدمه هما ابنا أدم عليه السلام و هو عمل توحيدي عبادي لم يسبقهما أحد وقد تقبل الله من احدهما ولم يتقبل من الاخر
لذلك عندما يتعسف أحدهم و يقول لك ان تقديم القرابين هي عادات وثنية لشعوب بدائية و الاخرون اخذوا منهم ذلك... سأقول له .. اخطأت .. الشعوب الوثنية أخذت هذه الممارسة العبادية وشوهتها وحرفتها فلا تجعل الأصل فرعاً ولا الفرع اصلا
الكاتب في الفصل الخامس المعنون : ذبح الاطفال
يذكر ان إبراهيم الخليل عليه السلام مارس عادة ذبح الأطفال -قبل أن يفديه الله بالذبح العظيم -التي كانت تمارسها الشعوب الوثنية اقول له توقف ..ويحك اما قرأت قول الله تعالى:( مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَٰكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)
ألسنا نحن المسلمون الموحدون نمارس تقديم الأضحية و لنا عيد اسمه عيد الاضحى... هل أخذنا ممارساتنا هذه من شعب وثني أو أسطورة أو خرافة!!..
و حتى مسألة الحزن ... أليس الحزن طبيعة بشرية لماذا تربطه باحزان الشعوب البائدة والوثنية حصرا انظر حزن سيدنا يعقوب عليه السلام في النص القرآني انظر حزن سيدنا زين العابدين عليه السلام في كتب التواريخ لماذا تذكر حزن جلجامش على انكيدو و حزن أهل سومر و غيرهم و تربطه مباشرة بمظاهر الحزن على الإمام الحسين عليه السلام
نعم هناك تأثير ولكن محدود ويعتمد على عوامل عديدة زمانية و جغرافية مكانية و نسبة الجهل والامية في مواجهة نسبة التعلم والوعي و وليس كما يصوره البعض أن كل تراثنا من اصل وثني أو دخيل.
نعم هناك أمور لا بد أن تصحح وأمور لا بد أن تنقح لكن يجب أن يتصدى لها العلماء الحكماء
جاءت أول إشارة الى ممارسة ضرب السلاسل الحديدية ( الزناجيل ) من النجف ، حيث قيل بأن أول موكب لضرب السلاسل الحديدية حدث في حي الشمراق عام 1919 م لنعي وفاة المجتهد الأكبر كاظم اليزدي. و من الملاحظ أن هذه الممارسات كانت تجري على نطاق ضيق و محدود و تقتصر على غير العراقيين. و في الوقت الذي كانت ممارسة اللطم على الصدور في العراق متبعة و معروفة منذ عدة قرون ، كانت ممارسة التطبير بالسيوف قد نشأت منذ نهاية القرن التاسع عشر و بداية القرن العشرين ، في حين نشأت ممارسة الضرب بالسلالسل الحديدية في العراق بعد الحرب العالمية الأولى. يرى المفكر علي شريعتي ان الطقوس جلبها الايرانيون الصفويون من الطقوس المسيحية حيث ذهب وزير الشعائر الحسينية الى أوروبا الشرقية و اقتبس تلك المراسيم و الطقوس المذهبية في المحافل الاجتماعية المسيحية و جاء بها الى ايران و اشتغل عليها بمساعدة بعض الملالي لاستخدامها في المناسبات الشيعية في ايران و من بين تلك المراسيم النعش الرمزي و الضرب بالزنجيل و الأقفال و التطبير و استخدام اللآلات الموسيقية ، و كان ذلك في غضون القرن السادس عشر أو السابع عشر، بينما يرى ايردمنس أن هذه الطقوس استمرار لطقوس الربيع التي كانت تقام من أجل الاله تموزو انها استمرت في حران و الموصل حتى القرن الحادي عشر و كذلك الثالث عشر الميلادي في شمال العراق و لو بشكل بسيط و محور. و هناك آراء ترجع أصلها الى بكائيات اليهود على دمار أورشيلم من ذلك اليوم الى هذا اليوم يسفحون دموعهم و ينوحون بالاهتزاز و قراءة الترتيل عند حائط المبكى. و في رأي الكاتب أن هذه الطقوس انتقلت بحذافيرها الى المدن الشيعية و زادوا عليها أمورا مما كان يجري في الهند و تركيا و غيرهما. يستنتج الكاتب أن التطبير و تجريح الأجساد على مقتل الحسين لم يكن عربي الأصل و إنما ورد من طقوس شعوب أخرى مجاورة كإيران و تركيا أو بعيدة كالهند و القفقاس و أرومية و غيرها. و قد وفدت هذه الشعوب إلى المدينتين المقدستين الرئيستين كربلاء و النجف لزيارة ضريحي ( بطلي الخلاص ) القتيلين ، الإمام الحسين بن علي و الإمام علي عليهما السلام ، فمارست هذه الشعوب طقوسها القومية في التفجع المتسمة بإدماء الرؤوس بالسيوف و القامات و تجريح الظهور بالسلاسل الحديدية فساروا في شوارع المدينتين بتلك الصورة الوحشية. و قد وجفت قلوب أهالي المدينتين من هذا المنظر أول الأمر ثم اعتادوا عليه بعد ذلك و ألفوه و استوعبوه ثم فلسفه بعض علمائهم و أيدوه فانصاع لهم العامة و قلدوه فكان ما كان من أمرهم حتى اليوم.
لا يمكنُ عد هذا الكتاب دراسة مستوفية للظاهرية الطقوسية في عاشوراء او لنقل انها تفتقر لمقومات الدراسة اساسا. خصوصا وانها شحيحة المصادر، وتعتمد النقل المباشر عن فلان في اكثر من موضع، ثم انها لا تضع الرأي والرأي الاخر موضوع تحليل وافٍ بالمؤيدين لهذا الطقس والمخالفين. اذ من الواضح ان الكاتب من معارضي هذا الطقس الذي يصفه في اكثر من موضع بالبدائي والمتخلف، ولا يناقش بجدية اسباب مؤيديه من الطائفة الشيعية حصرا.
كما انه عادة ما يخرج عن محور الفصل بذكر مواضيع جانبية قد تدل على استعراض او حشو من قبل الكاتب.
طبعا هذا لا ينفي كون الكتاب ممتع ومفيد. لكنه لا يؤخذ به كمصدر موثوق اذ انه يفتقر لأساسيات البحث الموضوعي بالمجمل.
يتناول الجذور التأسيسية لطقوس التفجع الحسينية، ويستعرض طقوس الحزن العنيفة لدى الشعوب القديمة ..
يُثبت الكاتب بأن ممارسة التطبير بالسيوف قد نشأت منذ نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، ونشأت ممارسة الضرب بالسلاسل الحديدية في العراق بعد الحرب العالمية الأولى.
يمكننا أن نصنف الناس في تعاملهم مع اي شعيرة دينية إلى ثلاثة أصناف: المتدينون، الذين يبحثون عن الأصول الشرعية لإثبات أصل الشعيرة أم لا. والأكاديميون، اللذين يفككون الجذور التاريخية والاجتماعية للشعيرة بحثا عن اسباب نشوءها بشكل اكثر حيادية. والحقوقيون، اللذين لا يقيمون وزنا كبيرا للنظرة الشرعية أو الأكاديمية أو لا يأخذونها بجدية. فهم يجدون الحق للفرد في إقامة شعائره خصوصا إذا كان هذا الفرد بالغا وبكامل قواه العقلية، وهذه النظرة تدعو لمبدأ أكثر ليبرالية وتسامحا مع جميع طقوس البشر باختلاف مستوياتهم المعرفية ومشاربهم الثقافية. وذلك لا يعني ان الحقوقي ينظر لجميع المسائل بصورة ليبرالية كهذه، أو أن المتدين لا يمكن ان يستخدم منهج الأكاديميين، حيث أن الإنسان مزيج من تجارب وأفكار عديدة
يبدو أن حسين علي الجبوري في كتابه: "تطبير الرؤوس وتجريح الأجساد تفجعا على مصرع الحسين" حاول أن يكون أكاديميا لكنه ما لبث الا وانكشفت ميوله في الدفاع عن تيار المتدينين المعارضين للشعيرة فيقول في بداية كتابه: "بادرنا بتأليف هذا الكتاب دعما لنداءات علماء الطائفة بوجوب التصحيح". ومن الأشياء التي تطعن في مهنية الكاتب الأكاديمي أنه لا يكتفي بالحفر والبحث عن الجذور والاسباب وإنما يطلق أحكاما ��يوصف الناس الذين يتبنون الفكرة الأخرى بالهمج، والجهلة، والمبتدعة. تطرق الكاتب أيضا لشعائر موغلة في القدم تعود لمناحة كلكامش على صديقه انكيدو في ملحمة كلكامش الأقدم في تراث البشرية المكتوب، حيث يرجعها البعض للألفية الثالثة قبل الميلاد. وحاول ان يربط الحزن العراقي القديم واحزان الوثنيين بطريقة الطقوس التي ابتدعت في الطائفة الشيعية كالمشي على الجمر الذي يحيله للزرداشتية، وباعتقادي انه بالنسبة للأكاديمي الذي يبحث في الجذور التاريخية سيبدو له أن كل الطقوس الدينية قد تكون مرتبطة بأديان اخرى، فحتى الفروض في الاسلام لها جذور تاريخية تسبق الاسلام كالحج، وذكر الأعشى في قصيدة له حج العرب لكعبة بنجران: "وكعبة نجران حتما عليك/حتى تناخي بأبوابها". وفي الفهرست لابن النديم ذكر الصلوات الخمس عند الصابئة، أما الصوم فهو فعل مشترك بين الديانات الوثنية والسماوية والفلسفات الروحانية الأخرى. ولكنه ربما لم يستطع ان يتطرق لشعائر أخرى كاللطم، ولم يصفها بالشعيرة المبتدعة لان هناك اتفاق عليها عند جميع أهل المذهب، أو لانها لا تحمل مشاهد دموية وعنيفة بحجم تلك التي ذكرها
يؤخذ على الكاتب أنه أوغل في تكرار المشاهدات العينية لشعائر التطبير مقتبسا ما رأته عيون أشخاص آخرين في بلدان متفرقة، فكثرة التوصيف هذه أبعدت الكتاب عن جانب البحث إلى الجانب الوصفي، وكنت اتمنى لو أنه نقل المشاهدة العينية الخاصة به. اعتمد أيضا على الروايات الشعبية للنجفيين في إرجاع أصل التطبير إلى القوقازيين والأتراك، والرواية الشعبية لا يمكن الاعتماد عليها كمصدر تأريخي. وكنت اتمنى أيضا لو أنه بدأ بالحديث عن واقعة الطف وكيفية تطور مراسم الرثاء وارتباط هذا التطور بالجانب السياسي والاجتماعي.
على أي حال، وبغض النظر عن الأصول الشرعية أو التاريخية، أنا مع التوجه الذي يحاول أن يستفيد من دماء الناس عن طريق التبرع بها للمحتاجين من المرضى، وتنظم الهيئات الحسينية مع وزارات الصحة في عدة بلدان هذا العمل الإنساني، حيث أن الكثير من الناس أصبحوا يقبلون على التبرع بدمائهم بدل تطبير رؤوسهم.
اسم الكتاب: تطبير الرؤوس وتجريح الأجساد تفجعًا على مصرع الحسين الكاتب: علي الجبوري دار النشر: الوراق الصفحات: ١٥٠ صفحة التقييم:⭐️⭐️
تشريح ركيك مبعثر حول إيذاء النفس عمومًا والتطبير وتجريح الأجساد على وجه الخصوص باعتبارها عادة وإرث انساني انتقل من كونه اسطورة إلى ممارسة من حضارة إلى أخرى حتى تغلغل ولُصق بالمذهب الشيعي تحديدًا؛ حيث تعد هذه الأفعال معارضة لكلمة الله الواضحة لما فيها من ايذاء للنفس والجسد ولما تحمله من تجسيد واضح لإلقاء النفس إلى التهلكة، تطرق المؤلف إلى هذا الموضوع المهم لكنه لم يوفق في كتابته وترتيبه وانحاز بشكلٍ واضح ومشمئز إلى "أسطرة" كل ماهو فطري كالحزن على سبيل المثال كما مال إلى باحثين في الفولكلور بشكلٍ غريب وغير مفهوم.. يكاد لا يخلو باب من أبواب هذا الكتاب إلا وقد ذكر لهم مقولة أو نقل موقف عنهم. أزعجني التكرار وبعثرة المواضيع في الكتاب.. وكأنه لم يُحرَر!
الكتاب يتحدث عن الجذور التاريخية لظاهرة التطبير لدى الشيعه وتطورها والمعارض والموافق لها، وطريقة الاستعداد لها من خلال المطبريين و مطبريين الاطفال وايضا ذكر استعدات وزارة الصحة بمثل هذه الايام حيث تكثر حالات الاغماء والاصابات. ويتحدث بشكل خاص عن طريق استعداد النساء لها فمنهم من تنذر ولدها لتطبيير اذا رزقت صبياً، وايضا بعض الاساطير الخاصة بدم المطبريين حيث تعمد بعض النساء لأخذ ملابس المطبريين الخاصة المملوءه بالدم وتتغتسل به لترزق بالولد.
في الفصول الاخيره ينتقل الكاتب إلى مظاهر وطقوس الحزن لدى الاديان والشعوب المختلفه ويشرح تشابهها وغير ذلك.
بالاخير يلفت النظر إلى فقهاء الشيعة الذين حرموا هذه الظاهرة واعتبروها عمل سلبي مشين لطائفة مع ذكر اسماءهم وفتواهم بهذا الشأن.