المكان هنا واحد ولكن الأزمنة مختلفة والشخوص متغيرة، يجمع بينهم سيارة زرقاء ضخمة، ظلام، ضيق تنفس، ورائحة عطنة. بداية اللحظة التي تدخل فيها تلك العربة هي بداية طريقك إلى المجهول. استطاع الكاتب الشاب أحمد خير الدين أن يلتقط بمهارة عدة لقطات شديدة الإنسانية ربما لم تنتبه إليها من قبل، لكنك ستكتشف أن تلك التفاصيل قابلة للحدوث في أي أسرة ولأي شخص. تسأل نفسك هل هي قصص واقعية أم أنها من إبداع كاتبها؟ وربما هي مزيج بين الواقع والخيال.. مهما كانت الإجابة عن هذا السؤال فالأكيد أن هذا الكتاب قد يغير نظرتك إلى كثير من الأمور، وربما يغير حياتك نفسه
على الرغم من عدد صفحات الكتاب القليلة التي تخطت حاجز المائة بقليل، لم يمنعني ذلك أن تعصف بذهني طوال فترة قراءته مئات الأفكار والآلام التي كُنت قد ظننت أنني نسيتها وأتضح أنني تناسيتها فقط!
أحمد خيرالدين له ثلاثة أعمال منشورة حتى الآن؛ من الشباك وبعلم الوصول وآخر أعماله الذي صدر في معرض القاهرة للكتاب 2021 بعنوان: على بلد المحبوب. ونال كتابه الثاني "بعلم الوصول" احتفاء شديد من الوسط الأدبي ومُراجعات القراء على موقع "الجودريدز" وأغلب مواقع التواصل الاجتماعي. اخترت هذا الكتاب ليكون مُفتتحاً لي مع قراءات "أحمد خير الدين"، كنت متوقعاً لكتابات خفيفة عذبة، لم أكن أدري أنني على موعد مع الألم خالصاً. ألم يُدمي قلبي وروحي وعقلي.
يتناول الكتاب قصص أغلبها يربطها "شباك: نافذة" ويرتبط بالسجناء السياسيين في مصر وما يلاقوه من عذابات وإهانات وضياع للعمر من أجل أنهم فقط عبروا عن رأيهم أو عارضوا سلطة ما! ذلك كابوسي المُرعب، بتفاصيله، هؤلاء الشباب كان من المُمكن أن أكون واحداً منهم بسهولة شديدة، لولا ضربة حظ جعلتني بعيداً عن مرمى الجلادين. وعلى الرغم من بساطة القصص ولكنها تحمل ألماً دفيناً. ألم تكاد ترى الحروف تبكي دماً بسببه؛ رجال ونساء وشباب وشيوخ ومن جميع المهن فقط قالوا رأيهم، عبروا عنه ببساطة. وهنا أجد سخرية واضحة للأعمى أن النظام الذي يتشدق بقوته ورسوخه يخاف من بعض الآراء من الشباب، يخاف أن يُعبروا عن حُريتهم.. فيسجنهم ويسحلهم وصدق أو لا تصدق يصل حتى إلى القتل! أصبحنا مُجرد أرقام بالنسبة لهم، لا بشر!
أتريد أن تصبح إنساناً وتقول رأيك هكذا صراحة؟ مالك أنت ومال السياسة ونظام الحُكم المُستبد الغاشم؟ ما لك أنت بأننا فاسدون ونحمي الفاسدين، ونُعاقبك أنت لمُجرد أنك قد فكرت أن تُعارض سُلطتنا المُبجلة. يكفيك أننا نتركك لتعيش! تشرب المياه وتأكل وتتزوج بعد أن تقضي حياتك كُلها في جمع المال المُناسب لتعيش حياة شبه آدمية. نُزيد عليك الخناق، نرفع أسعار كُل شيء إلا قيمتك ستظل رخيصة! التُراب عندنا له قيمة عنك. عش هكذا في سجناً كبير، كعربة ترحيلات! عش هكذا واصمت وإلا ستشرف سجوننا، أنت وكُل ما له صلة بك، أقاربك، أصدقائك، حتى جيرانك لو أبدوا تعاطفاً. اصمت وعش هكذا تتنفس من الشباك وأحمد الله وأسجد شاكراً أننا نسمح للهواء بالدخول إلى رئتيك. يا للعجب، أصبح لمن تكرمنا عليه وجعلناه يعيش في هذا البلد المُقدس صوتاً الآن! لماذا لا تنظر إلى أقرانك الذين يسجدون لله شاكرين على وجودنا؟ على عطايانا لكم؟ كبرت يا غر يا ساذج وتُريد الآن أن تتكلم في السياسة وتُعبر عن رأيك؟ حضرات السادة أصحاب النفوذ السياسية والقيادية، دعوني أشكركم على وجودكم في حياتي، دعوني أشكركم أنني لا أستطيع أن أجد قوت يومي إلا بعد أن أكدح وأعمل كالحمار –أعزكم الله- في أحد الشركات الخاصة لأنه بالطبع لا توجد وظائف حكومية حتى أنل آخر الشهر ما يكفي تسديد ديوني والإيجار للشقة التي لا أمتلكها بالطبع. أحاول الاقتصاد حتى لو سأعيش بشكل لا يقترب للآدمية لكي أتمكن أن أجمع مبلغ يجعلني فقط أدخل بيت محبوبتي ليطردني والدها بسبب قلة حيلتي وفراغ جيبي. أشكركم من كُل قلبي على التعليم الذي قضيت فيه أغلب عُمري ولم أستفد به مثقال ذرة، وأشكركم على العمارات الشاهقة والبنايات الفخمة التي لن أحلم حتى أن أمر بجوارها! أشكركم على زيادة الأسعار التي تخنقني أكثر وأكثر. أشكركم على زيادة تكلفة المياه والكهرباء. وأشكركم أنكم قد تهتمون برأي نكرة مثلي إذ قال إنه يختنق، أن فتحة الشباك التي تركتوها له أصبحت لا تسمح بعبور الهواء. حضرات السادة، أني أختنق. ولا أستطع حتى أن أقول شيئاً.
بضعة كلمات قد تُغير حياتك، قد تجعلك سجيناً سياسياً للأبد في وطن يصرف الملايين على تصفية المُعارضين ولا يُصرف عُشر المبلغ على الصحة أو التعليم.. إلخ. ولكنك تصمت! تضع لسانك داخل فمك وتصمت، تمشي بجوار الحائط وتنظر للأرض ولا تُريد شيئاً من وطنك. الوطن الذي يحمينا هو ما يقتلنا.. فأقنعني بالله عليك كيف سأتحمس للأغاني الوطنية التي تنشدونها في أعيادنا؟ كيف سأحب هذا الوطن الذي جعلتوني بداخله غير آمن، خائف، مذعور وأرتجف لو مررت بجوار قسم شرطة أو دبابة جيش لأن مُستقبلي أصبح حتمياً مُرتبط بإظهار كم أنا لا دخل لي بالسياسة، أنا مُجرد نكرة لا قيمة لي، أريد فقط أن أعيش. فهل تسمحوا لي أن أتنفس؟ فقط؟ أم ستضعون عليها ضريبة كغيرها؟ أرجوكم لا تفعلوا هذا!
كما أسلفت الذكر هذا الكتاب فتح جرحاً حاولت أن أطمره أن أتناساه، تناول الكاتب بلغة مؤلمة حكايات لمسجونين سياسيين كُنت لأصبح منهم سواء بقصد أو غير قصد. حكايات تنوعت من المسجونين إلى موظفين الشرطة كأمناء الشرطة والعساكر المُجندين إلى أهالي المسجونين. ولا أنكر دهشتي أن هذا الكتاب نجا من مقصلة الرقابة ونُشر! تفاجئت أننا نتكلم بهذه الحرية في كُتبنا، ولا نستطيع أن نقول حرفًاً واحدًاً خارجها. بل، وقد تدفعنا حتى بضعة حروف مكتوبة أن تنتهي حياتك مسجوناً أو مقتولاً أو لا أحد يعرف عنك أي شيء.
بعد الانتهاء من هذا الكتاب، نظرت لغُلافه نظرة طويلة؛ غُلاف أحمر قاني كلون الدم به رسمة لعصافير بداخل قفص. فهمت الرمزية والعلاقة بقصصنا، وأضم صوتي لصوت الكاتب وأقول: أرجوكم يكفي حبس للعصافير.
لي حكاية صغيرة مع كتاب أحمد خير الدين الجميل "من الشباك"؛ في شهر ابريل من العام الماضي وقبل أيام معدودة من القبض علي في مظاهرات الأرض أرسل لي خير رسالة يسألني عن عدد مرات ركوبي لسيارة الترحيلات ثم سؤال عن حادثة مميزة حدثت لي داخلها إلا أنني أجبته ساعتها إجابة نمطية ربما لظني أنه يعمل على موضوع صحفي لا يحتاج فيه سوى معلومات جافة. لم أكن ساعتها أعرف أنه يعمل على كتاب يحمل كل هذا الجمال، ويا ليتني عرفت.
أخبرني خير بعدها أنه شعر بالذنب لأن آخر حوار دار بيننا قبل أن يقبض علي وألقى في العربة الزرقاء المخيفة كان عنها، وامتد هذا الشعور إلى أن يشير إلىه خير في توقيعه على نسختي من الكتاب. إلا أنني لم أقل له وقتها أنني من أشعر بالغيرة لأن حكايتي لم تُضمن في كتابه.
حكايات خير، رغم أنها حزينة ومؤلمة حد البكاء، إلا أنها جميلة وسلسة وناعمة، حكي بسيط يصل إلى قلبك مباشرة، ستقرأ بقلبك فقط. في اعتقادي الشخصي ينبع هذا الشعور من أن خير لم يكن كاتبًا مزعجًا أو ثقيلًا بل توارى تمامًا وغاب عن نصه ليفرد المساحة كاملة لأصوات أبطاله، أبطال القصص. استبدل خير صوته، ككاتب، بأصوات أصحاب الحكايات الأصليين فخرج النص صادقًا وسلسًا دون تقعير أو تنظير، تقرأ وكأنك تسمع شهادة مباشرة من صاحب الحكاية.
جميل من خير أنه لم يكن أنانيًا على عكس المتوقع من كاتب يخط كتابه الأول ويريد –ربما- أن يكون صوته فيه طاغيًا مميزًا، أن يقول "أنا أهه". لكنه لم يفعل فقط أمسك الخيط وجعل أصوات أبطاله ينسجون الثوب منفردين، لم يكن خير سوى النول الذي أخرج الثوب مدققًا ومطرزًا وناصعًا يسر الناظرين.
حينما قرأت الحكايات ميزت أصحابها؛ فهذه القصة تخص الصديق الفلاني، وتلك حكاية الصديقة العلانية، بينما تحكي هذه قصة الطفل الذي أعرفه. ولكن الكاتب اختار ألا يصرح بأسماء أبطال قصصه، هذا المراوغة من خير أكسبت الكتاب بعدًا آخر، وخرجت بالقصص من كونها حكاية شخصية تخص صاحبها فقط إلى أبعد من ذلك، إلى أنها ليست قصة فرد واحد وإنما آلاف من البشر عانوا نفس المصير. ساعده في ذلك أن الأحداث تتشابه بل ومشاعر الشخوص وأحاسيسهم ذاتها تتشابه؛ كم مرة وأنا أقرأ أفاجئ بأنني شعرت بهذا الشعور من قبل، أنني فكرت بهذه الطريقة التي فكر بها بطل إحدى القصص، أن إحساسي بالمكان من حولي، بالعربة الحديدية أقصد، كان نفس الإحساس.
قلت في البداية أنني شعرت بالغيرة حينما أمسكت بالكتاب لأن قصتي لن تروى هنا، إلا أن هذا الشعور تبدل تمامًا، إنقلب إلى رضا تام بما أنجزه خير. شعرت بعد القراءة أن قصتي وإن لم أروها على صفحات الكتاب فقد روت من تلقاء ذاتها. شعرت –عن حق- أنني أسمع صوتي بين حكايات خير، حكاياتي، حكاياتنا.
يلتقط الكاتب صور للحالة السياسية أيام الثورة وما بعدها من زاوية مختلفة عن المعتاد. يسلط الضوء على الكثير من الحالات الإنسانية التي تدور حول عربية الترحيلات. تتغير المأساة ويتغير الأشخاص ويظل المحور هو عربية الترحيلات وما يحدث داخلها.
حكايات من خلف شباك الترحيلات ، عندما يتحول هذا الشباك ذو المساحة الصغيرة الي النافذة الوحيدة للعالم الخارجي . القصص - او المشاهد - الحكايات مختلفة تجتمع في انها عيون أصحابها وأجسادهم مروا من خلف هذا الشباك الصغير ، مرّوا في المربع المكدس بالمسجونين . . القصص مؤلمة تعكس جانبًا مما يحدث او حدث . هناك تحول في الشخصيات ، لم يكتفي بأن يكون المتحدث دومًا على لسان أحد المساجين بل أيضًا تطرق للأهل - للضبَّاط . مجموعة مختلفة بتفاصيلها وبداية مبشرة
في واحدة من القصص ترد على لسان إحدى الشخصيات ما جملته أن: هناك تناص كبير بين ما عايشه هو بنفسه، وبين ما عايشه شخوص رواية الشهيد غسان في رجال في الشمس والحق أن أول ما ورد ببالي أثناء قراءتي، هو ضرورة أن توجد قصة عن هذه التجربة وبالفعل كانت هناك أكثر من واحدة ما هو أسوأ كوابيس المرء؟ بالطبع الموت. مهما حاول المرء إضفاء صبغة إيمانية ما عليه. المجهول هو عدو الإنسان والغراب الذي يحوم حوله لكن ما بالك إن كان الموت شخصا أمامك يتربص بك؟ مجموعة قصصية - او كتاب قصصي - يسرد عدة تجارب بعضها لمتهمين وبعضها لضباط سابقين تجربة قرائية مريرة وإن كانت ممتعة
طوال أحداث الكتاب، لم يني عقلي عن أن يردد هتاف الثورة الأجمل: بكرة يا كلب الثورة تقوم متخليش عالكتف نجوم
يمكن أنا نصنّف الكتاب مبدئيا على أنّه متوالية/ متتالية قصصية. الأسلوب فيها رشيق جدا يعتمد على التقاط التفاصيل العابرة ليصنع منها حدثا. الجمل قصيرة وتجعلك أحيانا تعيد قرائتها. الحوار فقط كان يحتاج في بعض الأحيان للتخلي عن فصاحته مفسحا المجال للعامية. مكان القصص عربة الترحيلات، الأشخاص مجهولين الاسم وكان في هذا الاختيار ذكاء من الكاتب، حيث يسهم ذلك في تخليد العمل والحكايات، حتى الرسالة الأخيرة بالعامية، رغم شبه يقيني أنها تنتمي إلى ماهينور المصري إلا أنها خرجت من أُطر الذاتية أو المواقف الشخصية. مؤخرا أتحاشى الثورة وكل ما يربطني بها من مشاهد أو مقالات، لكن الكتاب أرغمني على إكماله رغم ما به من كآبة وسودواوية موجودة بالفعل، ويجعل الأمر مثيرا للرثاء أنَّك تتمنى في قصص كثيرة لو كانت من خيال الكاتب ولَم تحدث بالفعل، لما قاساه الأبطال. في "من الشباك" أنت تطّل على جانب من حياة شخص. جانب صعب جدا. لحظة أن فقد الحرية. سوف تطّل ربما في لحظة ساخرة، إنسانية، سياسية، اجتماعية. لكن اللحظة ستنتهي وأنت تحاول رسم ملامح لحياة هذا الشخص ما قبل الموقف المسرود وبعده. لا أحب الأعمال المرتبطة بحدث قريب، وكانت رضوى عاشور تقول إن على الكاتب التريّث لكي يستوعب أكثر، لكن هذا الكتاب لا ينتمي لحدث من وجهة نظري، بقدر ما ينتمي إلى أبطال عانوا في وسط أحداث متلاحقة، وكان لزاما أن يوجد من يقول إن الاشتياق المضني للبحر/ للزوج/ للطريق/ لتفاصيل الحياة التافهة يحتاج لكتاب، لكي لا نمضي عابرين في طريقنا بينما تسير بجوارنا سيارة الترحيلات الزرقاء.
ضغطت على نفسي لأقرأ هذه الرواية الى آخرها ، ليس لأنها سيئة ولكن لأنها كسرتني و أنزلت دمعي لأنها لمست قلبي و روحي حين تذكرت نا جرى يوم الثامن عشر من أغسطس قبل ٣ أعوام و ٨ أشهر.
ذكر الكاتب تفاصيل من مذبحة عربة الترحيلات عدة مرات في أماكن متفرقة من الكتاب، وأنا الذي كنت قد ظننت أنني قد أفلحت بتصنعي أني نسيت ما جرى.
قرأتها وأنا أنتقل بين ضفتين من قارة الى قارة، كنت قد أسدلت نافذة الكرسي حين بدأت ووجدتني أسافر الى مكان آخر غير الذي أنشد.
أوليس أقل العدل أن يذوقوا ما ذقناه، ويعاملوا نفس المعاملة؟
لي قصة مع هذا الكتاب. طُلب منا أن نقرأه لنناقشه في ورشة كتابة. كان ذلك في وسط أيام امتحانات وإنهاكات مشروع تخرجي. في ذلك اليوم، استطعت أن أخلي ساعتين من جدولي، وقلت سأجلس لأقرأه سريعا. أمام حديقة الجامعة، جلبت كرسيين جلست على واحد وسندت قدمي على الآخر، وبدأت في القراءة. من الصفحة الأولى كنت أشعر بذلك الأنين الصامت، أنين "مسنا الحلم مرة"، وأنين "يوما ما سيقتلنا الحنين". استغرقني الكتاب ونسيت كل الأصوات المضطربة حولي، وفي منتصفه تقريبا رفعت نظري فوجدت أنها لحظة الغروب، وعلى بُعد مترين مني جلس صديقي يعزف على عوده ويجتمع حوله بعض الأصدقاء يغنون على ألحانه، وحديقة الجامعة مزدحمة بخطوات متعثرة تمضي هنا وهناك. ربما من يومها ارتبط معي الكتاب بذلك المشهد، حيث كل في ملكوته، البعض يُسجَن والبعض يقرأ والبعض يعزف ويغني، بينما يسير العالم من حولنا غير عابيء بنا، في خطوات متعثرة وأصوات مضطربة، لا يتوقف لحظة ليسألنا حتى عن ما بنا. في مناقشة الكتاب قلت إنه كان أشد علي من أبكي. البكاء يكون مبتذلا أحيانا أمام كل هذا القدر من المأساة. بعدها بأيام زارنا خير، في يوم أعتبره من أفضل أيامي طوال ذلك العام الدراسي. تحدثنا يومها عن "عقدة الذنب"، لم أكن أعلم أن لها اسما قبل تلك اللحظة، كنت أعلم فقط أنه شعور يراودني ويطبق على قلبي بوقع أحسه. وربما لم أصدق حقا أن تلك العقدة حقيقية، إلا عندما وجدتني أصطحب الكتاب معي في كل مكان لأقرأه مجددا، وأضعه في حقيبة السفر وأنا أخبر نفسي "يعني انا أبقى بسافر وانبسط واروح وآجي وناس تانية مرمية في السجن؟" أنا بحب الكتاب ده جدا يا خير. شكرا جدا عليه :'))
أحب الكتب التي تعيد تعريف الكثير من المفاهيم في عقلي..التي تغيّر من نظرتي إلى العالم، والأهم التي تجعلني مُغلفة بهذه الغمامة من الشجن والحزن.. وبعض الراحة..لأن أحيانا يكفي شباك صغير في الظلام ليمنحنا بعض الأمل..
"كان هذا تمامًا ما أخشاه، أن أعتاد السجن" القراءة في أدب السجون لسنين ماضية، معرفتك أن الكاتب يزيد التفاصيل قسوة ليظهر جانبه الإبداعي، اقتناعك بأن هذا عهد انقضى؛ لا يشبه في شيء أن تقرأ أحداثًا قريبة، تتخيل أنها ربما قيلت على ألسنة أصدقائك الغائبين، عيشك مرارة الواقع الحاضر بكل تفاصيله. هل كان الصبي في تيشرت "وطن بلا تعذيب" هو ذاته أخو الشاب الذي ضاق عليه التيشرت خاصته فأعاره أخاه؟ الكتاب على -بساطة تعابيره- يضع الملح على الجرح، وآه كم هي غائرة جراحنا!
قرأت الكتاب في ساعتين، حذرني صديق من قراءته لأنني سأبكي كما أفعل عند إحتكاكي بأي شيء له علاقة بالثورة مؤخراً لكنني لم أبك، طوال الكتاب أقرأ فقط، القهر يعتصر قلبي ولكن لا أبكي، في آخر صفحة فقط نزلت دموعي. متى سينتهي كل هذا؟ أنا أعلم أن الله لا يقبل بالظلم وأن العدل قادم ولكن متى؟
انا مش عارفة القصص دي بتاعت مين وتهمتهم ايه بالظبط وحقيقية ولا لا برغم انه بسيط الا انه يجيب اكتئاب اللي كاتبه دة اعتقد انه نقطة ف بحر ولان بيتي جمب المحكمة بشوف العربيات وبشوفهم وهمة بينادوا من الشباك وكتير بيرموا ورق فعلا لكن ولا مرة بصيت او فكرت اسمع لكن بعد كدة هركز معاهم
تلك القصص القصيرة هي شهادات لأشخاص عاينوا ذلك الشباك الشبكي الصغير داخل تلك العربة الكبيرة الزرقاء من الداخل، العربة التي لا تأتي إلا بالشر، وأنت تقرأ تُحبس أنفاسك من تلقاء نفسها وتجد نفسك مستسلما ومهزوما، يا الله كم عانى أشخاص من الظلم! اللهم أرفق بنا وبهم ولا تجعلنا ظالمين أو مظلومين.
كتاب مؤلم، كل ما كنت تحاول أن تتجنب التفكير فيه يُبعث في نفسك ..هكذا مرة واحدة. لكني أعتقد أن تجميع وتدوين هذه الأمور ..سرد الأحداث من وجهة نظر من عاشوها حيث تسقط الأرقام والأزمنة ويبقى الحدث وتأثيره على الإنسان ..هذا أمر مهم، على الأقل لأجيال قادمة لا تعرفنا، حتى نجد ما يمكن أن يُحكى.
منذ عدة شهور كانت آية تحدثني عن سفرها الذي بدأت العمل عليه بالفعل، قلتُ: " الظلم الذي تهربين منه هنا يوجد تقريبا في كل مكان" قالت: " لكنه هنا أكثر من أن تتحملهُ قدرة الإنسان الطبيعي" ..كلمات آية تدور في رأسي طوال وقت قرآءتي.
جدير بالذكر - ذاكرتي الشخصية أقصد- أن النسخة الورقية التي قرأته منها تعود لنوران.. بين إحدى الصفحات شديدة الأسى تضع نوران عود ريحان، الأمر يشبه لوحة سريالية ..ربما أرادت أن تقدم عزاءً ما بأن تزرع هنا عود ريحان.
نصوص كُتبَت بعربية سليمة، وهذا وحده صار يستحق الاحتفال. معظم النصوص كانت أقرب إلى التدوين منها إلى القصص. أول قصتين كانتا أقرب نصوص الكتاب إلى القصة بمعناها الحقيقي. لكن لغة الكاتب ستشجعني على أن أقرأ له أعمالا أخرى.
لمحات من لحظات مؤلمة عاشها اصحابها في سيارات الترحيلات، مليئة بالألم والغضب والأمل في التغيير للأفضل. حاول فيها الكاتب أن يستعرض بعض لحظات من معاناة هؤلاء الضحايا الذين رغبوا في التغيير وتحملوا في سبيل ذلك التنكيل والإهانة، من خلال شباك الترحيلات كرمز للأمل.
"وإنت رايح بيبقى كلك أمل إنك ممكن تستعيد حريتك. الوضع بيبقى مختلف وإنت راجع. بتبتدي تسلم على الاماكن بعينيك وتقول لها: معلش الغياب هيطول شوية. في اللحظة دي بالذات بشكر القدر اللي خلاني متقبلة أركب عربية الترحيلات في محاولة او كثمن إن المكان اللي عايشين فيه كله ما يبقاش عربية ترحيلات. انك بتبقى مستعد تدفع جزء من عمرك في الضلمة علشان تنقذ الأجزاء الباقية."
"السجن أرض خصبة للأساطير. لاشئ يؤكد القصص أو ينفيه"
كتاب قصير جدا، البطل برأيي سيارة الترحيلات العامل المشترك تقريباً لكل الحكايات التي وجدتها مبتورة، مع يقيني أن الكاتب حاول نقل واقع مؤلم وحقيقي على ألسنة من كُبلوا وراء القضبان .. هناك عمق مفقود وان بدا الوجع حاضراً ..
مجموعة قصصية مؤثرة جدا ومؤلمة تحكي عن شباب في سن الزهور مسجونين سياسيا بسبب المشاركة في بعض المظاهرات أو لأن لهم رأي مخالف للسلطة، تدور أغلب القصص عن تفصيلية دخول عربية الترحيلات والعالم الذي يحدث داخلها ولا نعرف عنه شيء، وعن مخاوفهم وآلامهم وحرمانهم من الحرية والحياة لأسباب باطلة أو واهية والنور الوحيد الذي يمثله شباك عربية الترحيلات الضيق الذي يجعلهم متواصلين مع الحياة بطريقة ما.
يمشي بجوارك منشغلا على الاغلب بشيء ما ،يتوقف فجأة ليسأل احدهم عن كتاب معين ،فجأة تنظر خلفك لتجده في اتجاه اخر , يلتقط صورة عابرة لما امامه قد لا تثير اهتمامك للوهلة الاولى ، لكن نظرة ثانية غالبا ما ستلتقط منها تلك التفصيلة التي اثارت انتباهه لالتقاط هذا التكوين ، وان لم يكن قد اتى اساسا للبحث عنها
هكذا هو "من الشباك" ، وعلى كل اصالة القصص على السنة رواتها حتى تكاد تسمع اصواتهم يبقى واضحا في كل منها ذلك الذي علق في كاميرا "خير" الكاتبة فحوله الى نحت بارز على جدار الحكاية ، سواء كانت المفارقة داخل العربة او خارجها او حتى في كلمة القاها احدهم او دارت في رأسه , هي حكايات اصحابها من شباكه هو الذي منه لايطارد المفارقة بقدر ما يلتقطها مما يعبر امامه
أحلى قصة عجبتني في المجموعة ديه هي سلويت يمكن لأنها الوحيدة اللي انتهت بانتصار الجانب المظلوم، القصة بتحكي عن صحفي هيتحبس في عربية الترحيلات في أول يوم 28 ينانير 2011 وبيرصد اليوم وهو جوة وبتنتهي بالمواطنين بيحرروه ، أتاثرت جدا بيها حقيقي ورجعتلي ذكريات حلوة أوي
المجموعة القصصية في مجملها جيدة، الفكرة رائعة بس إحساسي أن كان ممكن يطلع منها أحلى من كدة كتير، حسيتها أكتر رصد لقصص حقيقية الكاتب سمع بيها أكتر منها قصص قصيرة المفروض بيتم تكثيف المشاعر فيها والأفكار
في قصص كتير حسيت فيها أني بقرأ عن عيلة أحمد سيف الإسلام سناء ومني وعلاء وأنهم مروا بالقصص ديه أكيد، مش عارف ليه حسيت الشعور ده حقيقي بس يمكن كنت بحس ده في القصص اللي بتتكلم عن معتقل سياسي مر بالتجربة ديه كتير وهم مروا بده كتير فعلا
الكتاب عامة يستحق القراية وبيحرك مشاعر كتير يمكن مش لأنه ممتاز أدبيا - مش معنى كلامي أنه سيئ لكنه جيد أدبيا مش ممتاز - لكن لأنه بيرصد قصص حقيقية ومعاناة لناس مسهم الحلم ولقوا نفسهم في وسط الضلمة !
من الشباك، فُسحةٌ للنظر، ومرآةٌ تنعكسُ عليها مأساةُ هذا الجيل، يطلُ منها شبحُ الهزيمة، ويتسللُ الأملُ كخيطٍ رفيعٍ من الضوءِ على وجوهِ من يدفعون الثمنَ غاليا من أعمارِهم وسلامةِ أجسادِهم، استطاعَ الكاتبُ ببراعةٍ أن يسردَ المعاناةَ بأسلوبٍ بسيط، وأن ينفذَ بخفةٍ إلى قلبِ الوجع، من داخلِ جدرانِ العربةِ الزرقاء، يدورُ الحكيُ ويجري الصراع، في العتمةِ يواجهون مصيرهم، يواجهون الحرَّ والعطش، ضيقَ المساحةِ وشحَّ الهواء، الروائحَ العطنةَ وكآبةَ المنظر، تلتهمهم الوَحشةُ والشعورُ بأن العالمَ قد خذلهم. لا يمكنُ بأي حالٍ وصف الموقفِ ولا تفي الكلمات، لكن ربما يمكننا على الأقل، أن نوثّق الكابوسَ من زاويةِ من عاشوه، وهذا ما فعله الكاتب حين جعل الحكي على لسانِ أبطالِه ومن منظورِهم الخاص، من الشباك. ينسجُ خير الدين تفاصيلَه اعتمادا على الواقع، يمكننا فقط أن نتخيل، هذا يحدثُ كل يوم، كل هذا الألمِ الذي يثقلُ كواهلَهم، كل هذا الفزع، يتكرر مع الآلاف، بعضهم نعرفُهم وأكثرهم من المجهولين.
أول ما شفت الغلاف ع طول جه فـ بالي: ياليتني كنت طيرًا في العَراء، فلا ذنب عليَّ ولا الآثام تحويني
الغلاف مُعبرجدا والقصص قاسية على رغم القصر إلا أنها مليانة مشاعر صادقة ومؤلمة
من أحلى الجمل إللي اتكتبت: كنت أشعر أن النظر من الشباك منحة كاذبة، بم أستفيد إن رأيت النور من وراء القضبان ويداي مقيدتان؟
والجملة دي بالتحديد تنفع مع سياقات كتير، وهم المنح الكاذبة ده بنمر بيه كل يوم في علاقاتنا بنفسنا وبأهدافنا وبإللي حوالينا وقليل إللي ينتبه له! فيارب إلهمنا البصيرة للبعد عن المنح الكاذبة!
مجموعة قصصية ثقيلة على قلبي، معرفتي أو تخميني لقصص المعتقلين التي بها جعلتها أثقل، أقصد أني كنت أعرف اسم المعتقل صاحب هذه القصة في بعض القصص ورغم أني متابعة جيدة بشكل ما لأخبار المعتقلين في مصر وقصصهم وأعرف قصص من يقابلني أسمه، كنت أشعر أني أقرأ القصص لأول مرة! يا جماعة متبطلوش تنشروا كُتب أو قصص أو شعر ليه علاقة بالثورة حتى لو تأثيره مؤلم. ماتساعدوناش ننسى عشان ماينفعش ننسى.
تجارب حقيقية لسجناء سياسيين.. كنت أتمنى أن يتم كتابة الكتاب بصوت الكاتب (كأنه راوي) وليس كأن أصحاب الحكاية يحكون قصتهم في وثائقي، وكنت اتمنى ألا يكون الكتاب قصيرا هكذا... اتمنى السلامة، الأمان، الحرية والعدالة لكل من كان صاحب رأي حر في كل مكان. جميل وموجع..