حقًا، لا عيب في هذا الكتاب سوى قصره وقلّة المقالات به، ولكن ما وُجد منها فهو طيّب، خاصة مقاله عن كتاب العقّاد عن ابن الرومي، غير أن به شيئًا لم أستسغه قط ورأيت أن الرافعي يتكلّف تكلّفًا فظيعًا من أجل إثبات رأيه، وهو في هذه المسألة التي تعرّض لها من أجل تخطأة بيت شوقي القائل:
إنْ رأتْني تميلُ عنّي كأنْ لمْ
تَكُ بيني وبينها أشياءُ
فقد قال إنّه – أي الرافعي – ليس من الذين يأخذون النحو من الكتب وليس ممن يقلّدون أو يتابعون أحدًا، حتى لو كان هذا الأحد هو سييويه أو المبرّد، أو سائر علماء النحوّ الذين يجوّزون هذه الصيغة في بيت شوقي، ويقولون إن جواب الشرط يُرفع (كما في البيت) أو يُجزم، إن كان الشرط ماضيًا لفظًا أو معنى (وهو ماضٍ في بيت شوقي، إذن فشوقي لم يخطأ في البيت على مذهبهم) ولكن الرافعي يقول ببساطة إنه رغم كل هذا فهو ما يزال يرى أن شوقي أخطأ، ولماذا؟ لأنه قال إنّ سييوبه يقول إن الرفع جائز في جواب الشرط هنا لأن في الأمر تقديم وتأخير، فجملة: "إنْ أتيتُني آتيكَ"، أصلها: آتيكَ إنْ أتيتني، ثم يستشهد سيبويه ببيت شعر يشبه بيت شوقي جواب الشرط فيه مرفوع.
ولكن الرافعي يرفض هذا ويقول إنّ الشعر محلّ الضرائر يجوز فيه ما لا يجوز من في الكلام، وإنّه لا اضطرار في بيت شوقي لأنه يستطيع أن يقول: "إن رأتْني تصدّ عنّي"، فيسقط شاهد سييويه هنا.
وهنا كدت اغتاظ صراحة من الرافعي!
ما هذا التكلّف!
فشوقي، أولاً، جاء بهذه الضرورة – إن كانت ضرورة – في الشعر نفسه، محلّ الضرائر هذا، ولم يجئ بها في الكلام العادي، ثم أنت ومن أجل أن تفوّت على شوقي هذا وتستمر في تخطّأته قلت إنه كان بوسعه أن يقول " إنْ رأتْني تصدّ عنّي" بدلًا من قوله: " إن رأتْني تميلُ عنّي" ويكون بذلك محافظًا على الوزن أيضًا، إذن لا ضرورة، إذن فقد أخطأ!
ولكن الضرورة هنا هي الفنّ، وهذا ظاهر في القراءة الأولى:
إنْ رأتْني تميلُ عنّي كأنْ لمْ
تَكُ بيني وبينها أشياءُ
فتتابع حروف الميم واللام والنون، وهي حروف متجانسة، تجعل إيقاع البيت يقوم عليها، لذلك فإقحام كلمة "صدّ" التي لا تنتمي لمجموعة الموسيقى الداخلية هذه، ستفسده حتمًا.
ألا يشفع هذا لبيت شوقي؟
..
وليس هذا بشيء، فالكتاب خصيب، وأتطلّع لقراءة الجزء الثاني منه.