أعيدوا النظر في تلك المقبرة .. أعيدوا النظر في رائحة البن، جري الريح، البيوت الشعبية التي استطونت الفراغ، أعيدوا النظر في تلك العيون التي ترى أحلامها تغادر في شهوة الليل، في المجالس التي تشبه المنافي التي تغادرها الظلال التي أتعبها المسير.
يكتب دخيل في هذا الديوان بصيغة المثنى، مثنى واحدٌ منهم إياهُ والآخر هو الغياب، غياب كل شيء وغروب نجمةٍ في عينيه، يكتب دخيل عن المثنى في الوطن الذي يسيل فيه المنسي على الأرصفة، يسيل مثل ذاكرةٍ مطفأة، مثل فنجانٍ يبست فيه عروق البن، مثل خيمة.
يكتب دخيل عن اللحظة التي يُسرق فيها الضوء من سهوات السنين، عن الأمنيات التي استحالت غبار وقت، الوقت الذي يطل برأيه من شُرفة النسيان، ويحلَق دون وداع.
في الديوان ثلاثة ارتحالات، مثل رحلة البدوي في قصيدته الأولى، هي رحلةٌ غيرها الزمن على البدوي الأخير،الرحلة التي تبدأ من النهاية وهي البداية: المقبرة وإعادة النظر فيها كونها باب الذكريات، والوعل الذي يقفز في دائرة العروض، وختاماً بالأصدقاء الذين هم الوطن في أزمنة الغياب والتخلي.
الصور الشعرية في هذا الديوان رائعة، اللغة متماسكة ومحبوكة، إلّا أن ما يدهشك هو الإحساس الرهيف الذي يحتويه هذا الشعر، الألم المعجون بالأيام التي مضت، وبالأوراق التي ضاعت.
يكتب دخيل هنا بيان الهوية الضائعة التي حشروها بين قوسين، بيان المسافر المحروم من السفر، بيان الغريب في وطنه، بيان المواويل الأخيرة التي يطفئها اشتعال الحزن في عيني رجل غريب.
عن الحب المعجون بطين الذكريات المالحة عن الريح التي حملت أشواق الصبر وأشواكه عن الروح الجريحة بسوط الحياة وخناجرها عن القلب الذي لاينضب وفاءه لمن أحب و صادق عن دخيل الخليفة .. شاعر ومحبوبته طفلة الأرض
" إن الفكر خطابٌ توجهه النفس إلى ذاتها، فالنفس حين تفكر لا تفعل شيئاً سوى محادثة نفسها، سائلة ومجيبة، مؤكدة ونافية، إن الحكم يتم حينما تنطق به بصدد موضوع، الحكم إذن هو النطق والرأي والخطاب الملفوظ لاصوب الآخر وبصوت جلي، ولكن في دخيلة النفس وفي صمت." فيدروس اليوناني .
تلك هي نفس الشاعر المتواترة، في مواجهة مع أعاصيره التي لن تهدأ. يجمع دخيل الخليفة في قصائده بين الذاتي والموضوعي ."مشاغل نفسه، والهم الخارجي." (جعل القصيدة تنطلق من الداخل لاستيعاب الخارج )، مسلطاً الضوء على أزمة الكينونة المتصدعة في دوائر الموت؛ ذلك الوجع الشفيف النازف في فوضى الوجود!
اتسمت لغته بالتنوع الصوتي والموسيقي في بنية مركبة ومتعددة الدلالة على مستوى الشعور وابتناء المواقف الفكرية، (كما تكشف عن مناطق تأويل أرحب للتجربة الشعرية.) " تعج اللغة بوصوف لدواخل، وأشخاص وكذا لهيئات، أو ل-حيوات طبائعها متباينة ."
ضجيج الصورة الشعرية وما تضمره في بنيتها الدلالية خلقت ملامح شاعرنا الجريح.
قسم الديوان لثلاثة فصول؛ في الفصل الأخير رسائل موجهة لعدد من الشخوص أو الأصدقاء اتسمت بالشجن و الرثاء والرمز الملغز.
" كل الينابيع الحية قتلها النزيف اليومي نحن الحقيقة السبية بين الركام الأبرياء الذين ابتلعتهم الأرض المحروقة من أجل كرسي لا يتسع لشيطانين ! " من أجمل كتب الشعر التي قراتها ، لا توجد صور عبثية ، حشوية ، أعتقد أن كل مقطع كان يقدم لي جديدا .
تأتي قصائد هذا الديوان للمبدع #دخيل_الخليفة والتي تمزج بين العام والخاص، لا يتوقف عن إدهاشك والأخذ بيدك في عالم مختلف من الصور الشعرية البديعة،. الوقت يُطلُ برأسٍ فارغٍ من الضوء وأمنياتُنا قشورُ قلبٍ جافة هذا العالمُ يكتظ بدمىً تشعلُ النيران ونحنُ نصرخُ في غرفٍ زجاجيةٍ كأن الأرض تجلسُ على رؤوسنا فيما تتمدد أحلامنا بين شواهد القبور! يتحدث مخاطبًا رفاق له ويفرد في نهاية الديوان نصًا للراحل إسماعيل فهد إسماعيل، يصف فيه لقاء الفقيد واجتماعه بأصدقائه، مع الأخذ بعين الاهتمام أن الديوان ونصوصه كانت قبل وفاة إسماعيل فهد إسماعيل