ولد فاضل الربيعي في بغداد عام 1952 ونشط في الميادين الادبية والفكرية والسياسية منذ مطلع شبابه, وامتاز هذا النشاط بالتنوع والجدية ولفت اليه اهتمام وانظار أبناء جيله. وذلك بفضل الطابع الخاص للكثير من مؤلفاته التي زاوج فيها بين الادب والتاريخ والاسطورة والسياسة. كانت نشأته السياسية في اطار الحركة اليسارية العراقية عندما وجد نفسه ينخرط في العمل في صفوف الشيوعيين العراقيين. تبلور وعيه كيساري تحت تأثير الكتابات والافكار والنشاطات اليسارية في العراق والعالم العربي. وربما كان لنشأته هذه أثر كبير سوف يتجلى تاليا في الكثير من مواقفه السياسية والاجتماعية.
بدأ فاضل الربيعي حياته الادبية والفكرية والسياسية في السبعينات ككاتب قصصي. غادر العراق عام 1979 مع انهيار التحالف السياسي بين الشيوعيين والبعثيين. وصل إلى شيكوسلوفاكيا وعاش بضعة أشهر في براغ التي غادرها إلى عدن عاصمة اليمن الجنوبي السابق ليعمل في صحيفة الثوري التي يصدرها الحزب الاشتراكي اليمني. في صيف 1980 استقر في دمشق وعمل محرراً في مجلة الحرية اللبنانية كما عمل مراسلا ثم مديرا لمكتب مجلة الموقف العربي في دمشق. في سنوات الثمانينات اسس تجمعا ثقافيا باسم العمل الثقافي مع مجموعة من المثقفين العراقيين وفي هذه السنوات تزايد اهتمامه بالثقافة الفلسطينية في الأرض المحتلة فنشر كتابه السؤال الاخر.
حدث التحول الأهم في حياة الربيعي ككاتب عندما طور اهتماماته باتجاهين: دراسة التاريخ القديم ودراسة الاساطير.في هذا السياق بدأ بنشر سلسلة من المقالات التحليلية للاساطير العربية القديمة ولكنه لم ينشرها في كتاب مستقل.عام 1989 غادر دمشق مع اسرته ليعيش في بلغراد (عاصمة يوغسلافيا السابقة) وليعمل محررا في مجلة البلاد الفلسطينية. انتقل من بلغراد إلى قبرص عام 1991 وعمل محررا ثقافيا في مجلة الشاهد. نشر روايته الثانية ممرات الصمت عن دار الملتقى في نيقوسيا والتي بنى حبكتها الروائية على أساس دمج الادب بالاسطورة. حظيت الرواية باهتمام النقاد العرب حتى ان ناقد اكاديميا في سوريا هو الدكتور نضال الصالح كرس لها أكثر من فصل في اطروحته للدكتوراه والتي صدرت في كتاب مستقل.و كما حظيت روايته الأولى باهتمام كبار الروائين والنقاد العرب فقد نالت روايته الثانية الاهتمام نفسه.ثم عاد إلى دمشق عام 1994 كمدير لمكتب هذه المجلة. نشر كتابه الشيطان والعرش الذي كرسه لتحليل الاسطورة العربية القديمة والتوراتية عن لقاء النبي سليمان ببلقيس ملكة سبأ. اثار الكتاب اهتمام النقاد والقراء وكتبت عنه عشرات المقالات ومازال ناشر الكتاب شركة رياض الريس في بيروت يعرض الكتاب في المعارض السنو
هو افضل ما كتب الاستاذ فاضل الربيعي حتى الان ، فى الشرق رغم ثراء التاريخ الا انه لدينا ثراء فى الاكاذيب ايضا ً .. ليس لدينا فلسطين او اسرائيل المتخيلة فحسب بل لدينا مصر و تركيا و ايران المتخيلة ايضاً .. للاسف مؤلفات فاضل الربيعي و من هم على شاكلته لا تجد الصدي المناسب لها فى العقلية العربية بينما تستمر الاكاذيب و الروايات الشعبية التاريخية التى لا اصل لها تعشش فى نفوس و عقول الناس
ما ذكره فاضل الربيعي فى هذا الكتاب ليس الاول من نوعه ، و قد سبق لباحثيين يهود بل و اسرائيلين ان يخرجوا اكثر من دراسة حول ان اليهود لم يدخلوا مصر القديمة اصلا حتى يخرجوا منها و ان الحديث عن مخلاف يمني بهذا الاسم موجود نصا فى التوراة .. بالاضافة الى الملاحظة التى لطالما ناديت بلا جدوي بالتنبه لها الا و هى ان نبحث عن الفارق ما بين اليهود و بنى اسرائيل و مواضع ذكرهم فى القران الكريم
طرح جديد وتصور مختلف تماما لقصة خروج موسى وبني إسرائيل في رحلة دينية نقلتها التوراة، وتم تفسيرها على أنها خروج جماعي من دولة مصر إلى فلسطين عبر شبه جزيرة سيناء، في حين أن تمعن الأحداث والأسماء، يؤكد أن الخروج ليس هجرة، والجغرافيا التي يتحدث عنها الكتاب لا علاقة لها بمصر وفلسطين.
الكتاب هو ضمن مجموعة لنفس الكاتب ضمن مشروع إعادة قراءة التوارة بشكل صحيح بعيد عن الإدعاءات الإسرائيلية حسب رأيه. فكرة ان النبي موسى عليه السلام لم يكن في مصر المعروفة لدينا في وقتنا الحالي هي فكرة صادمة وغير متوقعة كوننا نشأننا عليها ووعيناها منذ الصغر. الإستدلالات التي يوردها الكاتب تبدو منطقية ومعقولة لحد كبير خصوصا بالنسبة لأسماء المواضع التى تكلمت عنها التوارة عن النبي موسى وقومه. في رأيي أن اعتماد الكاتب على الرواية التوراتية فقط قد يضعف بشكل أو بآخر الفكرة بشكل عام خصوصا أن القرآن تكلم بإسهاب كبير عن النبي موسى وحقيقة لاأفهم لماذا يتجاهل تحليل آيات القرآن. ذكر الكاتب أن قضية خروج النبي موسى من مصر هي مجرد لإحياء طقوس دينية كما يدعي الكاتب أيضا بعد تحليل نصوص التوارة أن خروجهم لما يكن بسبب بطش الفرعون وهذا مناقض لآيات القرآن الكريم. أيضا الجملة التي ختم بها الكاتب من أن النبي موسى هو مجرد شخصية دينية غير تاريخية لا وجود مادي لها أو نقش تاريخي, أعتبرها أيضا غير موفقة.
القراءة الأولى للمؤلف، مع شعور الدخول المتأخر إلى عالمه، ومن مدخل لا أدري هل أعدّه مناسبًا أو لا، فهذا الكتاب جزء صغير لا يتجاوز المائة صفحة، على خصبه، ويدخل بنا مباشرة وهو يشير إلى ما كتبه من قبل وإلى ما سوف يكتبه من بعد في هذا المجال، وهو خبير في مجاله حقًا، وهذه الخبرة لا تُخفى ولا تُسدّ بغربال، وهو مبادر كذلك منذ الصفحات الأولى إلى وضع أسس بحثه العلمي، فهو يعلنها صريحة بشكل لا لبس فيه أنه لا وجود تاريخي لشخصيات أنبياء العهد الجديد والقديم، لا داوود ولا سليمان ولا إبراهيم ولا إسماعيل ولا موسى ولا هارون ولا عيسى، فجميعهم لديه رموز دينية كتبها محرّرو التوراة والإنجيل.
غير أنّ موضوع الكتاب الأصلي مختلف، فهو في الأساس معتمد على الأركيولوجيا، أو علم الآثار، والمؤلف بنفسه سار على قدميه في جغرافية هذه الأماكن التي يتتبّع خط سيرها مع خط الخروج في التوراة، وهو بارع في هذا، فجميع ما كان يدندن حوله الكثيرون من رجال الآثار المصريين واليهود والمستشرقين من عدم العثور على شيء عن قصة سيدنا موسى والخروج في سيناء ولا في وثائق ونقوش وسجلّات الدولة المصرية القديمة وأن أسماء الأماكن في التوارة لا معنى واقعي لها، جميع هذه الدندنة تجد مثيلها هنا، ولكن على مصداق جغرافي، فهو يرسم الخريطة الحقيقية المنطبقة على وصف خطّ سير بني إسرائيل في رحلتهم المقدسّة، وهي في اليمن، مصر اليمن، لا مصر. الكنانة، ولا أخالفه قط في هذا، ليس للابتداع ولا للسبق، ولكن هذه الدلالات باتت تصدّق بعضها بعضًا وبات يضيف بعضهم إلى بعض، وإن كان هذا لا يغيّر شيئًا من شيء.
أعني أولاً ماذا كانت مكة؟ قرية في وادي ضيق مجدب، وماذا كانت المدينة؟! أرض سبخة ذات نخل بين لابتين، كما وصفها الحديث (والسبخة هي الأرض المالحة التي لا تكاد تنبت)، وماذا كان الجليل حينما خرج المسيح؟! وهل كان في علم الامبراطور الروماني الذي يحكم العالم وقتذاك أيّ شيء على الإطلاق عن الرجل المسيح الذي ظهر في إحدى ولاياته، لا شيء على الإطلاق وسط تاريخه الإمبراطوري الضخم وبدون أدنى تأثير عليه حتى ممات الإمبراطور.
أعني ثانيًا أنه لا يضير الوحي والدين والنبوّة أي شيء في أن يترتّب حدث ضخم على حدث صغير وقع في بقعة صغيرة مجهولة من الأرض، بل أن هذه نفسها هي طبيعة الأشياء، فالإنسانية كلها وكل هذه الأمم والجماعات والأشكال والألوان ناتجة من اثنين فقط، أب وأم، وكم حاولوا من محاولة رسم احتمال مختلف ليعودوا بالإخفاق ويظّل مصدر مليارات البشر هو هذا الأب والأم الأعليان.
أعني ثالثًا أن رسم المؤلف لخريطة الخروج في هذا الكتاب كان شيء باعتراف المؤلف نفسه ينطبق تمامًا على وصف التواراة العبرية لها، بل وينطبق على إشارة القرآن أيضًا الذي لم يذكر اسم سيناء قط في قصة سيدنا موسى، بل سينين، التي هي صينه، أو صن، بلسان اليمن، وهذا أمر طريف لو فطن له المؤلف، أعني اتفاق القرآن والتوارة معًا على مجمل الوصف الذي يصدّق ما ذهب إليه من اكتشاف، وما الصلة بين التواراة والقرآن لكي يتفقا هكذا ويضربا عرض الحائط بما يقوله الناس عن أن سيناء هي سينيين ولا يخلطان بينهما بل ويحافظان على اسم فرعون اليمني وعلى الأسماء اليمنية الأخرى، قارون وهامان وهارون؟! لا شيء سوى أنهما كتابان سماويان مثلاً!
أعني رابعًا أن حديث المؤلف عن تكذيبه لوجود الأنبياء كان أكثر شيء متهاوٍ في الكتاب، وددت حقًا لو قال شيئًا ذا بال في هذا الشأن أي شيء تاريخي حقيقي، ولكن كل ما لديه هو أنه لاحظ أن ثمة تلازم بين حكايات تقديس الأب والابن في الأساطير القديمة، وأن كثيرًا في الأمم كان لديها مبدأ عبادة الأب والابن، لذلك - فجأة - فلا بد أن حكايات الأب والابن في الأنبياء إبراهيم وإسحاق، وإبراهيم وإسماعيل، وداوود وسليمان، هي كذلك جزء من هذه الأساطير المؤسسة على فكرة هذا المبدأ المتلازم! فقط! هذه حجّته الباهرة! - ولكن ما المانع لو كان هذا وكان أصل هذا المبدأ أمر إلهي حدث بالفعل، وهل المبدأ نفسه نشأ من دخان؟! أعني أيهما الأصل؟! وهنا أذكر حجّة العقاد في تناول وجود الشخصيات الدينية التاريخي، فمن أجل إثباته لوجود سيدنا إبراهيم مثلاً استعرض تاريخ العقائد أمامه، ولاحظ أنه لو أزلنا من كل الأدبيات والنصوص وجود هذا الشخص الديني، فستنشأ فجوة لا بد أن يسدّها وجود شخص له هذه المواصفات، وتحت أي مسمّى، وهنا سيعرف أن الشخصية كان لا بد لها من الوجود التاريخي، وهذا أمر سهل انطباقه على هذا الكتاب، فلدي المؤلف أن سبب الهجرة اليهودية (الخروج) كان بسبب حلم تحالف قبائل الشمال، فليكن، إذن لديك ههنا سؤال جديد، كيف تحالفوا؟ كيف نشأ هذا التحالف وكيف سعوا إليه؟! كيف اجتمع الجميع على أمر واحد بدون وجود شخص قوي يجعل من حلم هذا التحالف حقيقة؟! هناك فجوة ناقصة! وهذه الفجوة يملأها تمامًا وجود شخص مثل سيدنا موسى، فالأفكار الجماعية لا تتحرّك هكذا من تلقاء نفسها، وأدنى تأمل في تاريخ الجماعات وتكوينها يُرى منه أنها تقوم بفضل أشخاص أقوياء يأخذون على عاتقهم تحقيق هذا الهدف وضمّ الشتات.
أما مسألة إن كان هذا الشخص نبيًّا مرسلاً من الله أو لا، فهذه مسألة أخرى، فما كان أسهل للمؤلف، وغيره، أن يشكك في الوجود التاريخي لموسى وعيسى وإبراهيم وإسماعيل وغيرهم، بجرّة قلم والقول إنهم من الأساطير، لبُعد العهد بالتأكيد، بينما كان لا يمكنه فعل هذا بحال مع نبي الإسلام، لقرب العهد والدلائل الكثيرة، ولذلك فمنهجه، ومنهج غيره كذلك، أنهم يقولون ببساطة إنّ الإخباريين المسلمين بالغوا وأسطروا (من الأسطورة) من أخباره - وهذه كلماته نفسها في هذا الكتاب الصغير - الأخبار لا الوجود التاريخي، ولا بأس، ولكن فلينظر إلى أثر هذه الأسطرة والمبالغة الآن: أسطورة صغيرة كهذه تملأ الأرض من أوّلها إلى آخرها مثلما هي أسطورة عيسى وموسى، ما أغبى سكّان العالم إذن! أو .. لعلّ في الأمر تدخّل إلهي! - مثلا!
وهذا جانب من الكتاب، لا يمسّ الجانب الآخر الأركيولوجي، فهذا علم إيجابي، فقد وجد آثار تحت يده فقال ما قال عنها، وأما الآخر - مسألة وجود الأنبياء - فهذا كان علم سلبي، فلم يكن في يده أدلة إثبات أو نفي لذلك قال إنه لا شيء لدينا إذن فهذا دليل أنه لم يحدث! + القول بأن في الامر مشابه من أساطير أخرى إذن فهي أسطورة! - سذاجة نعم وقصور بالغ، ولكن هكذا يفكّر كل الماديين.
هامش: لم أفهم ما مبرر قول المؤلف أن موسى مات منتحرًا واستخلاصه ذلك من التوارة، فقط، أقصد بدون آثار أخرى، مع أن آية التوارة لا تقول هذا ولا أدري كيف فهم الأمر ليقول إنّ هذا مفهوم تمامًا من منطوق الآية! ولكن مفهوم الآية لا يقول هذا أبدًا، فالآية التي استشهد بها تقول: وَكَلَّمَ الرَّبُّ مُوسَى فِي نَفْسِ ذلِكَ الْيَوْمِ قَائِلًا: «اِصْعَدْ إِلَى جَبَلِ عَبَارِيمَ هذَا، جَبَلِ نَبُو الَّذِي فِي أَرْضِ مُوآبَ الَّذِي قُبَالَةَ أَرِيحَا، وَانْظُرْ أَرْضَ كَنْعَانَ الَّتِي أَنَا أُعْطِيهَا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ مُلْكًا، وَمُتْ فِي الْجَبَلِ الَّذِي تَصْعَدُ إِلَيْهِ، وَانْضَمَّ إِلَى قَوْمِكَ، كَمَا مَاتَ هَارُونُ أَخُوكَ فِي جَبَلِ هُورٍ وَضُمَّ إِلَى قَوْمِهِ.
فالمؤلف فهم أن مقصد الربّ من قوله لموسى في هذه الآيات أن مُت في الجبل هو: أمره أن يلقى حتفه بنفسه فوق جبل عباريم (جبل معبر). أي أن يموت حتف أنفه. وهذا واضح كل الوضوح من ا��آية
إذن .. هارون مات «على رأس الجبل»، بحسب نصّ التوارة، لقد استشعر قرب أجله فأمره الله أن يصعد إلى الجبل ويموت هناك، إذن .. عندما يكلّم الربّ موسى، وهو في نهاية العمر، ليصعد إلى الجبل ليموت مثلما مات أخوه هارون، فهو سيموت أيضًا، بداهة، «على رأس الجبل»، مثله! لا أن هذا يعني أنه سيصعد إلى الجبل ليقتل نفسه بنفسه (كيف؟! ولماذا الجبل إذن!) ولا يعني هذا كذلك أن يصعد الجبل ليتردّى من فوقه ويموت تحته! فعلام ذكر هارون إذن؟! إنَّ الآية التوراتية لا تقول هذا أبدًا، وهذا واضح كل الوضوح.