ولدت بمغاغة بمحافظة المنيا، وحفظت القرآن الكريم في طفولتها ثم انتقلت من مغاغة إلي ضاحية حلوان في القاهرة لتلتحق بالمدرسة الثانوية الداخلية للبنات في حلوان وتخرجت من كلية الآداب جامعة القاهرة ونالت درجة الماجستير في أدب المازني، أما رسالة الدكتوراة فكانت عن >النيل في الأدب العربي< ولها عبارة مهمة تقول فيها >شيء كبير أن يكون للإنسان قلم ولكن شيئا نفيساً أن يكون للإنسان موقف، ومن نعم الله علي أن وهبني الكلمة والقرار، أعني القدرة علي الاختيار الصعب، فعرفت المواقف، وتحملت في سبيل مواقفي الكثير وعلوت علي الإغراءات والعروض والمناصب والبريق، فأعز منها جميعا تراب هذا البلد كل ذرة من هذا التراب<. وقد اقترن اسم الدكتورة نعمات أحمد فؤاد بقضايا أثارت خلالها العديد من المعارك دفاعا عن مصر وحضارتها وشعبها، ومن أهمها قضية هضبة الأهرام وقضية دفن النفايات الذرية وقضية الدفاع عن قبة الإمام الحسين وقضية الدفاع عن الآثار الإسلامية وقضية >أبو الهول< وقضية الآثار المصرية التي استولت عليها إسرائيل أثناء احتلالها سيناء، وللدكتورة نعمات مؤلفات عدة عن إبراهيم عبد القادر المازني، وأم كلثوم والنيل، كذلك عن العقاد والشاعر أحمد رامي، كما قامت اليونسكو بترجمة كتابها >إلي ابنتي< للإنجليزية
على صغر الكتاب فهو لم يكن بتجربة سارّة على أي حال، فهي لم تنفذ إلى البحتري، ولا عرفته، ولا غاصت وراءه، بل أكاد أحسب أن موضوع هذا الكتاب كان مفروضًا عليها من قبل الناشر مثلا، فأحضرت أو استعارت ديوان البحتري قبيل كتابة كلماتها هذه، ثم جلست تقرأه، ثم قالت مثلا: وبعد ذلك؟!، لنجرب أن أجعل هذا الكتاب بمثابة فهرس للموضوعات التي ذكرها البحتري في شعره، ولكن مواضيع ديوان البحتري كثيرة والوقت ضيق؟، إذن نقصر موضوع كتابنا على المرأة والحب والشباب والشيب عند البحتري، فأنا امرأة أيضًا!، لنر ما قاله البحتري عن كذا، ونضع تحت هذا البيت ما شابهه من الأبيات، ولننتقل بعد ذلك إلى موضوع آخر
وهكذا مضى أكثر الكتاب، والباقي اتكأت فيه المؤلفة على نقل نص ما قاله الآخرين عن البحتري، وهي نقولات مختصرة، وخيّب هذا الكتاب ظني لأنني ظننت أن الكتاب سيكون رائقًا عندما انطلقت فيه وهي تتحدث في البداية عن حياة العصر العباسي، وتعليقها على أبيات البحتري الجميلة هذه التي يضرب بها المثل في جمال الاعتذار:
وأصيد إن نازعته اللحظ رده ... كليلاً، وإن راجعته القول جمجما ثناه العدى عني فأصبح معرضاً ... وأوهمه الواشون حتى توهما وقد كان سهلاً واضحاً فتوعرت ... رباه وطلقا ضاحكا فتجهما أمتخذ عندي الإساءة محسن ... ومنتقم مني امرؤ كان منعما ومكتسب في الملامة ما جد ... يرى الحمد غنما والملامة مغرما
..
إلى آخر الأبيات
فتقول عنها في مفتتح كتابها: هل رأيت أرق وأعذب من هذا السلسال؟، والصور .. صورة اللحظ الذي يرتدّ كليلاً متكسّرًا، وصورة الجمجمة في القول فهو يثّاقل ثم يخرج مجتزءًا في اقتضاب مقصود .. ثم وصف إنسان بأنه سهل واضح .. وصف مريح منسم، على أن البيت مملوء بالصور وعكسها، لا أريد أن أقول "طباق معنوي أو لفظي" فإن ما أقصده أكبر من هذا بكثير .. إنها حالات نفسية للمدح وللشاعر على السواء .. الشاعر الذي تتبّع اهتزازاته وجه صاحبه إذا هشّ أو تطلّق .. وتتبّعه إذا اكفهرَّ وتجهم فتتوعّر رباه .. إنه طباق نفسي إذا صح هذا التعبير
وهذه كانت بداية مبشّرة فعلاً، ولا سيما عندما قالت إنها لا تريد أن تستخدم لفظة "طباق معنوي أو لفظي" إلى نهاية كلامها، ولكن كل هذا طار في مهب الريح، فها هي في الفصول التالية أخذت تقول أن البحتري يستخدم الجناس في كذا وكذا والطباق في كذا والتشبيه في كذا والاستعارة في كذا، وإن قاموسه اللغوي في الغزل يحتوي على نحو 400 كلمة يكررها غالبًا وهنّ كذا وكذا وكذا وكذا وكذا وكذا وكذا وكذا، إلى مدى صفحات!، وأن .. وأن .. وأن .. وجارت النقّاد الذين أطلقوا على البحتري لقب شاعر الطَيْف، لأنه يكثر في شعره الغزلي من ذكر طيف المحبوبة الذي يزوره في المنام، وأفردت صفحات لموضوع الطيف فقط، أتدرون كيف جاءت هذه الصفحات؟، هكذا، ونصًا: الشاعر يرى النوم نعمة: ثم استشهاد ببيت أو اثنين من شعر البحتري والخيال دائم التردد .. أحلام يقظة: ثم استشهاد ببيت أو اثنين من شعر البحتري وقد يصدّ الطيف: ثم استشهاد ببيت أو اثنين من شعر البحتري وما بالقليل زيارة الطيف: ثم استشهاد ببيت أو اثنين من شعر البحتري فهو رسول الشوق: ثم استشهاد ببيت أو اثنين من شعر البحتري فهو عوضٌ عن الحبيب: ثم استشهاد ببيت أو اثنين من شعر البحتري وهو الأثر الباقي الذي يمسك حبل الود: ثم استشهاد ببيت أو اثنين من شعر البحتري وهو إذا رأى الطيف شبّه له أطيفٌ هو أو قمر؟: ثم استشهاد ببيت أو اثنين من شعر البحتري فإذا وضح عنده خفَّ لاستقباله مهللا: ثم استشهاد ببيت أو اثنين من شعر البحتري والطيف في شعر البحتري يؤدي رسائل كثيرة ويقوم بهمات كبيرة، فهو ينوب عن الحبيب في: 1- الهجر 2- البعد وفي موضع آخر ينيل ما لا يُنال: ثم استشهاد ببيت أو اثنين من شعر البحتري وأحيانًا يقوم الطيف بوظيفة النديم فوق مهمته التقليدية من إسعاد وتنويل: ثم استشهاد ببيت أو اثنين من شعر البحتري وللطيف كرامات في شعر البحتري (ووضعتْ هي تحت كلمة "كرامات" خطًا): ثم استشهاد ببيت أو اثنين من شعر البحتري
أم أقول لكم؟!، لنكتب هذا البيت الوحيد الذي استشهدت به على كرامات الطيف، فها هو: جاءَ يسري فأشرقتْ أرضُ نجدٍ لسراهِ، وواصلَ الغيثُ نجدا
هذا مجرد عرض ساذج واستخلاص ألفاظ وأبيات وموضوعات وليس نقدًا بالتأكيد، وكنت أقول لنفسي خلال قراءة هذه الصفحات: هل هي تمزّح معنا؟
ومرّ الكتاب كمرّ الريح العقيم، وانتهى هذا كله بهذه الكلمة التي أنهت بها الكتاب: أو ليس غريبًا أن أنقد البحتري وهو الذي غنّى لنا فأطرب .. عن مكابدة كان هذا الغناء أو عن تقليد لا ضير .. فالغواني يغرهنّ الثناء .. كيفما جاء .. وحتى هذا الغرور ارتضاه منّا البحتري وزكّاه .. ولكنه داء النقد غفر الله لنا
لا أصدّق إنها كانت ترى في كلماتها السابقة نقدًا!، على الأقل صدقت في قولها أنه "داء" فإن كان كذاك عندها فهو عند بعض الآخرين "شفاء"!، وعذرًا للقافية التي حكمت!، ولكنها تليق بأسلوب هذا الكتاب!