حول ثورة 1919 وضعت الكتابات العامة والرئاسل العلمية ونشرت الوثائق والمذكرات حتي بدت وكأن كل خباياها ناهيك عن قضاياها قد أصبحت في متناول القاريء. غير ان باحثا جادا هو الدكتور حمادة محمود اسماعيل مدرس التاريخ الحديث بكلية الاداب ببنها قد نجح من خلال بحث دءوب ان يلفت نظرنا الي جملة من الحوادث التي جرت خلال شهر مايو عام 1921 لو وضعت في السياق العام لاحداث الثورة (1919 - 1922) لجعلته أكثر تماسكا
لا أنكر ان عنوان الكتاب شدني بغرابته فلم أسمع الكثير عن هذه الفترة خصوصا سنوات ما بعد ثورة 1919 ولكن محتوي الكتاب وانتهازية سعد زغلول ومحاولاته الحثيثة احتكار التمثيل المصري حتي ولو كان بطريقة براجماتية قد يقف فيها أحياناً مع الإنجليز لضرب خصوصه او ضدهم وهي مفارقة التمثيل الشهيرة والتي تميزت بها اغلب احزاب حركات التحرر الوطني في أواخر عهد الاستعمار.
الكتاب جيد ويناقش تبعات الأحداث والتسلسل الزمني لهذا الفصل الأليم من هزيمة ثورة شعبية للمصريين والتي قال زغلول اننا ربما خسرنا الثورة ولكننا ربحنا الإنجليز كأصدقاء!!
أسوأ شيء أن تكون الجماهير مجرد دمية تُستخدم كورقة ضغط سياسي بين السياسيين، أن تظن هذه الجماهير أنها تتحرك من أجل الوطن، بينما في حقيقة الأمر هناك من يحركها ويتلاعب بها في سبيل تحقيق مكاسبه الشخصية السياسية= هذا فصل دامي من فصول ثورة 1919 أخرجه لنا الدكتور حمادة محمود إسماعيل من بين غبار الوثائق، فصل تجلى فيه كل شيء من براجماتية السياسيين إلى غوغائية الجماهير وتطاحنهم فيما بينهم، إلى إعدامات وقتل وأحكام عسكرية نصبتها بريطانيا لكثير من المتظاهرين، إنها أحداث عنف ومظاهرات حدثت في مايو عام 1921 عندما اندفعت مجموعة من الغوغاء في طنطا إلى التظاهر ومهاجمة رجال البوليس؛ ليشتعل الموقف في طنطا، ثم القاهرة، ثم الإسكندرية على تفصيل كبير لطبيعة هذه الاحتجاجات سيذكره الدكتور حمادة من قلب الوثائق ومن بطن مذكرات السياسيين أو المعاصرين لتلك الأحداث.
إن الإجابة عن سؤال لماذا اندفعت هذه المظاهرات إلى الشوارع في مايو عام 1921 وما نتج عن ذلك من حرق أقسام الشرطة وتطاحن المتظاهرين فيما بينهم=للإجابة عنه لابد أن نرجع للوراء، إلى لحظة الخلاف بين " عدلي" و " سعد زغلول" ، وهو ما فعله الكتاب هنا فقد خصص الربع الأول منه في شرح وتوصيف طبيعة هذا الخلاف، الذي يمكن لي توصيفه بأنه كان خلافًا برجماتيًا، خلاف في حقيقته أبعد ما يكون عن مصلحة الأمة، فهو خلاف على النفوذ ومن له حق الحديث بإسم الأمة، ويبدو هنا من خلال ما سرده الكتاب أن سعد زغلول يتحمل الجزء الأكبر من تلك الأحداث الفوضوية التي حدثت في تلك الفترة، وإن كان الكاتب هنا يُحمّل المسؤولية للطرفين، وللخلاف بين سعد ويكن، لكن مع ذلك يصف الكتاب سعد بأنه كان متزمتًا لا يقبل برأي الأغلبية، وكان عنده تخوف من عدلي يكن الذي كان مرحبًا به من قبل البريطانيين كمفاوض، بينما سعد كان يعيش في خيالاته حول زعيم الأمة المتحدث الوحيد بإسمها؛ ولذلك أصرَ سعد أن يكون رئيسًا للوفد المفاوض، بينما عدلي أصرٓ على رئاسته للوفد بوصفه رئيس حكومة الانقاذ.
أعتقد أن فهم هذا الصراع يتجلى أوضح لمن قرأ كتاب " الوطنية الأليفة" حيث يوضح مشكلة هذه النخبة التي كانت تتصارع فيما بينها على كرسي الزعامة أمام البريطانيين، ومن يحق له التحدث ومن يحق له التفاوض، وعلى كل حال هذا الصراع نتج عنه في تلك الفترة انقسام الشارع إلى عدليين وسعديين، ورغم أن أتباع سعد كانوا الأكثرية في الشارع، إلا أن نسبة كبيرة من قادة الوفد كانت مؤيدة لعدلي، لكن تعنت سعد زغلول وخطابه المُهيَج للجماهير في شبرا = هو الذي دفع بالجماهير إلى الشارع اعتراضًا على تولى عدلي رئاسة المفاوضات، في الوقت الذي كانت بريطانيا تتابع وتترقب وترصد، فقد نزلت الجماهير إلى الشوارع في طنطا والقاهرة والإسكندرية وحدثت اشتباكات عنيفة مع الشرطة، ويوضح الكتاب أن السبب فيها الجماهير، وأن الشرطة لم تنتهج العنف في البداية، لكن المؤلف يؤكد أن هذه الاحتجاجات لم تتعرض للأجانب بسوء على عكس ما سوف يُقال بعد ذلك، وأن العنف مع بعض اليونانيين في الإسكندرية جاء بعد إطلاق الرصاص من بعضهم على المتظاهرين، بل وعلى الشرطة عندما حاولت منعهم من هذا التعدي على المتظاهرين .
كالعادة في أي مظاهرات بلا ضابط ولا رابط أن تنتشر أعمال العنف والسلب والنهب، لكن يبدو من خطاب سعد زغلول ودفاعه عن تلك المظاهرات= أنه كان يرى في استمرارها وسيلة ضغط على وزارة عدلي للقبول به رئيسًا للوفد الذي سيفاوض البريطانيين، وبينما كان سعد وعدلي في صراعهما الشخصي، وبينما كان المتظاهرون يتطاحنون في الشوارع، كانت بريطانيا مستعدة فعليًا بسبب تلك الأحداث وتحت زعم حماية الأجانب أن تفرض ما عرف تاريخيًا بتصريح فبراير، ثم شُكِّلت لجنتان عسكريتان لمحاكمة المتظاهرين اتسمت أحكامهما - كما يقول الكتاب- بالصرامة والظلم، وميلها إلى ناحية الأجانب، فصدرت أحكام الإعدام في حق العديد من المتظاهرين، والأحكام المشددة في حق بعضهم الآخر.
السؤال ماذا استفاد زغلول تحديدًا من هذا التصعيد ومن هذه الأرواح التي ذهبت، ربما لم يذكر ذلك الكتاب، لكن على حد قول البرغوثي أنه قد قَبِل بوزارة لم تستمد شرعيتها ووجودها إلا على تصريح فبراير الذي أصدره البريطانيون، كل ما كان ينكره سعد على زملاءه، قام بفعله بعد ذلك، وفعل أكثر منه عندما كان في السلطة، يؤيده في ذلك مجموعة من البهاليل والدراويش من الوفديين الذين كانوا يطمعون في منصب أو سلطة، أما الفئة التي كانت تضع رأسها برأس سعد كفئة العدليين، هذه كان مصيرها تهييج الجماهير عليها، الكتاب لا يدافع عن عدلى قطعًا، لكنه يوضح أن جانبًا كبيرًا من التعنت= كان مصدره سعد زغلول شخصيًا.
الكتاب مهم لكل مهتم بتاريخ مصر الحديث عمومًا، وبتاريخ ثورة 1919 على وجه الخصوص وتداعيات هذه الثورة إلى وصول سعد باشا إلى كرسي الوزارة، وإذا كان التاريخ ما هو إلا دروس يجب أن نتعلم منها، فالدرس هو أن الجماهير بطبيعة الحال عمياء، وليس كل اندفاع جماهيري يصب في مصلحة الأمة، هذا فضلًا عن كونه قد يكون اندفاعًا موجهًا.