تجربة المؤرخ الصحفي صبري أبو المجد في البحث عن أبطال ثورة 1919 المجهولين وشهدائها الأحياء، لتجد أن الصدفة وحدها كانت سببا في عثوره على تجارب كثير من الأبطال كان يمكن أن تندثر إلى الأبد، لأنها لم تجد من يهتم بجمعها.
تذكّرت وأنا في منتصف هذا الكتاب نصيحة لا أتذكر أين قرأتها من قبل، ولا ريب إنها كانت في كتاب ما عن أحداث تلك الفترة، لا أتذكّر، ولكني تذكّرت تمامًا كلماتها، فتلك النصيحة تقول بألا تثق وألا تركن ألبته إلى رأي صبري أبو المجد عندما يتحدّث عن سعد زغلول وحزب الوفد، وأتذكّر أن قائل هذه النصيحة الذي غاب عني اسمه كذلك، ضرب لذلك أمثلة من اتهامات صبري أبو المجد لسعد زغلول، وقال عندها أن حزبية أبو المجد منعته من إدراك الصورة الكاملة .. أو لم يرد ذلك
فمنذ منتصف هذا الكتاب الجميل، وهو جميل حقًا!، فطنت متأخرًا إلى الرسالة التي كان يريد المؤلف توصيلها عبر السطور، وأنا على يقين أن شخصية أمين الرافعي لم تكن لترضى عن طريقة عرض الخلاف بينها وبين سعد بهذا الشكل، بهذا الشكل الذي يجعل القارئ عند انتهاء الكتاب يتيقن أن سعد زغلول جعلنا نفقد كل مكتسبات الثورة بسبب سوء سياسته وأنانيته وتفرّده بالرأي وعدم تبصّره بالعواقب، أو يقول: أيا ليت لو كان أمين الرافعي هو الزعيم الوطني بدلاً من سعد زغلول – مثلما تمنّى ذلك مؤلف الكتاب - إذن لكنّا بلغنا على يديه كلّ المنى والأهداف السياسية .. ومن زمان!
أو هذا ما قلته لنفسي ببساطة، ثم انتبهت إنني وقعت في حبال المؤلف الحزبي الماهر، وإن كنت بالتأكيد لا أقلّل ولا أجرؤ على التقليل من رأي ومكانة وفضل وتقدير أمين الرافعي، ذاك الذي رثاه شوقي بقوله: يا أمينَ الحقوقِ أدّيتَ، حتّى لم تخن مصرَ، في الحقوقِ، فتيلا
ولو استطعتَ زِدْتَ مصرَ، مِنَ الحقِّ، على نيلها المباركِ: نيلا
تُنشدُ الناسَ في القضيّةِ لحنًا كالحواريِّ رَتَّلَ الإنجيلا
ما تُبالي مضيتَ وحدَكَ تحمي حوزةَ الحقِّ، أم مضيتَ قبيلا
والقضية هل قضية الاستقلال، والبيت الأخير يشير إلى أن آراءه كانت ربما تختلف عن رأي الأغلبية (حزب الوفد) في طريقة الوصول إلى هدف الاستقلال، وإن كان يدافع عن استقلاله وصحّة ما ذهب إليه في الرأي بالحجة والبرهان الساطع، دون أن يعني هذا بالضرورة أن رأي الوفد رأي ساقط من كل نواحيه، ولكن اختلاف الرأي لا يفسد للودّ قضية، واختلاف الرأي بينه وبين سعد زغلول حقًا لم يفسد يومًا ودًا بين الرجلين الزعيمين، وهذا كان ديدن سعد زغلول وأمين الرافعي، فهدفها واحد في النهاية، وإن كان ديدن عامة الناس يجعلها تنفر من الآراء المخالفة لشخصية زعيمه الأوّل، والذي هو هنا في هذه الحالة: سعد زغلول، ويجعلها تقوم – كالعادة في كل مكان وعصر – بمحاولات لإرهاب المارق من الأغلبية وتهديده ومحاولة قتله حتّى، بسبب الرأي الذي يجاهر به المخالف ضد الأغلبية، وهذا خُلْق الدهماء من قديم جدًا ومن أيام الرسالات السماوية، فجميع الأنبياء دون استثناء هُددوا بالقتل والرجم والنفي من قبل عامة الناس إن لم يترك الأنبياء – عليهم صلوات الله – المجاهرة بمخالفتهم لآراء ومعتقدات الآباء السابقين، وموقف هؤلاء الأنبياء الكرام من ذلك هو الذي أوحى إلى أمين الرافعي موقفه الذي وقفه بدوره أمام عامة الشعب الغاضب المُهدد بقتله، في هذه الشهادة التي أوردها مؤلف الكتاب لأحد رفاق الفقيد العاملين معه:
دخلتُ دار الأخبار بميدان الأزهار، فوجدت مجموعات من الشباب الثائرين يصخبون ويهتفون ضد أمين، بل يهددونه بإيقاع الأذى إذ ظل مستمسكًا برأيه في أمر المفاوضات (الذي كان يقودها سعد زغلول وقتذاك مع إنجلترا)، ووجدت أمين الرافعي يجيب هذه الألوف من الشباب الغاضب في حماسة رزينة وشجاعة مؤدبة قائلاً: لكم أن تحطموا مكتبي هذا، وتدمروا الجريدة كلها، وأن لكم أن تحطموا داري أيضًا، وأن لكم أن تقتلوني وأن تهددوا أسرتي، ولكنني أريد أن أريحكم من الآن إذا كنت تفهمون أن هذا من شانه أن يحوّلني عن عقيدتي أو رأيي، فإنه ليس في استطاعة أي قوة في الوجود أن تحولني عن عقيدتي إلا قوة الدليل وسلطان الحجة
ولكن مؤلف كمؤلف هذا الكتاب عن هذا الزعيم الوطني، سيجعلنا بعد قليل من هذه الصفحات السابقة أن نتيقن أن سعد زغلول كان هو المدبّر لهذا الإرهاب العنيف الموجّه إلى خصمه السياسي!، وحتّى إن لم يكن سعد هو المدبّر وقصّرت الأدلّة عن إثبات ذلك فهو في كل الأحوال المبارك والراضي والقرير العين لمسلك أولئك الغاضبين، فيرفض لذلك أن يقوم ضدهم بشيء ولو مجرد الاعتراض!، هذا .. مع أن العلاقة بين الرجلين كانت قائمة – وباعتراف المؤلف نفسه – على التقدير والودّ المتبادل في كل شيء
وإن قرأ أحدهم أبيات شوقي تلك التي رثى بها الرافعي، والتي استشهد بها المؤلف في صدر كتابه، سيقول مدفوعًا بغرض مؤلف هذا الكتاب، عند قول شوقي: تُنشدُ الناسَ في القضيّةِ لحنًا كالحواريِّ رَتَّلَ الإنجيلا
ما تُبالي مضيتَ وحدَكَ تحمي حوزةَ الحقِّ، أم مضيتَ قبيلا
أن سعد زغلول بالتأكيد هو الذي منعه من إدراك غايته
ولكن شوقي وفي نفس هذه السنة كان قد رثى سعد زغلول قبل رثاءه أمين الرافعي بفترة يسيرة، فسعد توفّى في أواخر أغسطس 1927، ولحقه الرافعي في أواخر ديسمبر من نفس السنة، وقال شوقي في رثاءه لسعد زغلول: رَقَدَ الثائرُ .. إلا ثورةً في سبيل الحقِّ لم تَخمد جُذاها
قد تولاَّها صبيَّاً: فكوتْ راحَتَيْهِ، وفَتِيّاً: فرعاها
جالَ فيها قلمًا مستنهضًا ولسانًا، كلَّما أَعْيَتْ، حَداها
ورمى بالنفس في بركانها فتلقَّى، أولَ الناسِ، لظاها
مع أن شوقي لم يكن من حزب الوفد (الذي هو كلّه: سعد زغلول)، ولا الحزب الوطني (الذي سار على مبادئه الاولى: أمين الرافعي)، بل كان حتّى في حقيقة الأمر يميل أكثر إلى حزب الأحرار الدستوريين، ولكنه مع ذلك وضع - في شعره - الحق في نصابه، فلم يبخس قيمة الرجلين مع اختلاف طريق كل منهما عن الآخر اختلافًا بينًا وإن توحّدت الأهداف .. ولم يكن شوقي كذلك إمعة ليقول الرأي وضده خلال أشهر قليلة، ولكنه كان يعرف معادن الرجال وحسب
ولا أريد حقًا أن أذمَ الكتاب، فطريقة عرضه جميله للغاية، إلا أنني أحسب الآن أن ما جعله جميلاً لهذه الدرجة هم احتوائه على خُلاصة الأزهار، أعني ما الظن بكتاب كتب مقدمته ثلاثة، هم ما هم: عبد الرحمن الرافعي: شقيق الفقيد، وفكري أباظة: رفيق الكفاح، ود. حسين مؤنس: المؤرخ البارع، وما الظنّ بكتاب لا يبالي صاحبه بنقل شهادات الآخرين التي قيلت في حق أمين الرافعي من أصدقائه ومعارفه ومن مذكرات شقيقه عبد الرحمن، وأن يفرد لها الصفحات الطوال داخل كتابه
ولكن ما الليث إلا بضع خراف مهضومة، كما يقول هذا المثل السائر
وهو كتاب جميل، كما أن محبة المؤلف لأمين الرافعي وشخصيته وأفعاله وخصاله ومكارمه: بادية في كل صفحة من صفحات الكتاب
كتاب مميز للغاية يسرد فيه صبرى ابو المجد رؤيته التاريخية لسيرة حياة واحد من أهم رواد صحافة الرأي والذي نسيته الاقلام المصريةكأن دعوة سعد بمقاطعة جريدة الأخبار بعد أن كانت أهم جريدة تشيد بخطوات الوفد في عرضها لقضية مصر فقد قام سعد زغلول مع أول خلاف بينهم باستنفار مقاطعة جريدة الأخبار وصاحبها أمين الرافعي تلك هي الحقيقة التاريخية التي لن نختلف على وقوعها كما لن نختلف أن الرافعي كان أحد منظمي التنظيم السري للوفد في أثناء نفي سعد ومجموعته لخبرته بالعمل السري في الحزب الوطني منذ محمد فريد ولكن سعد لم يكن يحب الاختلاف وهو الليبرالي الذي يحب الزعامة ويعشقها يخشى من كلمات كاتب صحفي يكتب رأيه فتهاجم الجموع مقر الجريدة وهو ليس غريبا على سعد فهو ايضا من هاجم مجموعته الأولي وايضا هاجم العدليين فهو لم يرضى عن أي أحد يشاركه في زعامته او ان يخالفه الرأي .