"تم تفسير سورة الناس، وبه تم تفسير القرآن العظيم.
يقول محمد الطاهر ابن عاشور: قد وفيت بما نويت ، وحقق الله ما ارتجيت فجئت بما سمح به الجهد من بيان معاني القرآن ودقائق نظامه وخصائص بلاغته، مما اقتبس الذهن من أقوال الأئمة، واقتدح من زند لإنارة الفكر وإلهاب الهمة، وقد جئت بما أرجو أن أكون وفقت فيه للإبانة عن حقائق مغفول عنها، ودقائق ربما جلت وجوها ولم تجل كنها، فإن هذا منال لا يبلغ العقل البشري إلى تمامه، ومن رام ذلك فقد رام والجوزاء دون مرامه.
وإن كلام رب الناس حقيق بأن يخدم سعيا على الرأس، وما أدى هذا الحق إلا قلم المفسر يسعى على القرطاس، وإن قلمي طالما استن بشوط فسيح، وكم زجر عند الكلال والإعياء زجر المنيح [هذا ما يقوله مفسر نحرير بمقامه فكيف بنا؟ الله المستعان]، وإذ قد أتى على التمام فقد حق له أن يستريح.
وكان تمام هذا التفسير عصر يوم الجمعة الثاني عشر من شهر رجب عام ثمانين وثلاثمائة وألف، فكانت مدة تأليفه تسعا وثلاثين سنة وستة أشهر".
وانتهت السلسلة بهذه الكلمات المدوية، هزتني النهاية، وما هزني فيها ليس أنها النهاية وحسب، وإنما أمور عدة تبرز كلما أنهيت أعمالا كبارا كهذا العمل، فهذه الأعمال تجعلك أمام نفسك حقيرا، ترى إنجازاتك التافهة التي طالما علقتها في غرفتك سخيفة، ترى حينها أنك لا تملك مشروعا حقيقيا!
انظر لقوله “كانت مدة تأليفه ٣٩ سنة و٦ أشهر"💔 الله المستعاان! هذا ما قلته.. ليت أن أعمارنا تهدى كوقف لعقول العظماء فيستثمرونها، فوالله ما غبطت أحدا كغبطتي لمن كان يملك مشاريع تناهزني في العمر أو تفوق! إن عمر هذه السلسلة أطول مني! ناهيك عن بقية أعمال هذا الرجل! حينما تراها ترى تفاهتك، ترى استعجالك وقلة صبرك في تحقيق بغيتك، ترى قليل زكاتك لعقلك وعلمك، ترى سخف اهتماماتك وهمك .. فاللهم عفوك.. اللهم قبسا من عندك ينير طريقنا، وتوفيقا يجتاحنا من غفلتنا، فما نحن إلا ضائعون .. ضائعون لولاك ..
كنت أمام وجبة لغوية دسمة مع هذه السلسلة، فعليا حينما يقترح اسم ابن عاشور وكتابه كتفسير مهتم بالجانب اللغوي والبلاغي في القرآن، فإنك ستعرف حال القراءة له سبب استحقاقه للمراكز الأولى في الترشيح وبجدارة، الرجل يملك موسوعة لغوية مدهشة، كما أن لغة الكتاب ثقيلة ودسمة، لذا فالكتاب علمي بالدرجة الأولى ولا يرشح للقراءة العامة إلا للمهتم باللغة والمحب للبلاغة.
ما أدهشني أن سعة الجانب اللغوي لدى ابن عاشور أكسبته سعة فكرية من جانب آخر!
مما يؤكد الرأي القائل: أن اللغة ثقافة ونافذة فكرية لا مجرد أداة تواصل، وسترى مثال ابن عاشور دليلا واضحا على ذلك، فرغم أن الكتاب تخصصه لغوي ومهتم بهذا الجانب، إلا أن النقاشات العلمية والعقدية والفكرية ملأت الكتاب، والغريب أن ابن عاشور يصل إليها من خلال تناوله للغة، ويناقش ويرد بعض الآراء انطلاقا من رصيده اللغوي الكبير، وحين أقول لغوي، فأنا أعني معرفته بكل علوم اللغة من نحو وبلاغة وأدب وبيان، لذا فالمحتوى دسم ومثري جدا، ويكفيك أن تعلم أنه كتب في أكثر من عشر مجلدات، لذا فتخيل مدى السعة في تناول الآيات وتحليلها من خلال هذا العدد.
لاحظت نقل ابن عاشور الكثير والمتكرر لآراء الزمخشري والرازي وأمثالهما، وهذا مما زاد من ثقل المادة المطروحة في كتابه ونوعية مسائله، فاطلاعه على هذا النوع من التفاسير ونقله عنها أثر في نوعية المسائل التي نالت بحثه في كتابه.
في مقدمة الكتاب يمسك ابن عاشور بيدك ويمشي بك خطوة خطوة، ليبين لك كيفية سيره في تفسيره، ومنهجيته في كتابه، في مقدمة تزيد عن المئة صفحة، وذلك ليعطيك تصورا أوليا عن مقدمات التفسير وأصوله، وأي المناهج التي أخذ بها في تفسيره، والمسائل الخلافية العامة المتعلقة بعلوم القرآن وترجيحاته فيها، وذلك مدخل جيد ومهم قبل البدء بتفسير آيات القرآن.
ثم بعد ذلك يتناول السور بمراحل ثلاث، يبدأ بمقدمة عامة عن السورة، ما ورد في أسمائها وفضلها ونحو ذلك، ثم يتحدث بشكل موجز عن محتويات السورة ويربط بينها ربطا موضوعيا عاما، ثم ينتقل للتفسير التحليلي آية آية، وأعتقد أن ذلك يوضح لك نوع الكتاب الذي أنت مقبل عليه، وما يحمله من قيمة.
هذا كتاب وضع للمدارسة.. لا ليعظك، أو يوجه لك الخطاب مباشرا وبسيطا، أو يحاول استجداء اهتمامك، بل ليثقل كاهلك بالقيمة المعرفية التي يملكها، ويحرك عقلك.
من المفاجآت التي حملها الكتاب، هي بعض المعارف العلمية التي يملكها المؤلف -رحمه الله- فيما يخص الطب والعلوم البشرية عامة، وليس هذا فقط، فما ظننته وعرفت عنه اهتمامه بالجانب البلاغي والبياني ونحوه من علوم اللغة، لكن الرجل بالإضافة لذلك ضليع في الفقه، فإذا مر بآيات أحكام ناقش وحلل وذكر الأقوال ورجح، ومؤصل كذلك، وعارف بالمذاهب والملل والأديان، بل إنه دائما ما استدل بنصوص توراتية وإنجيلية في تفسير بعض الجوانب للقصص الإسرائيلية، وتوضيح ما احتاج منها لتوضيح.
باختصار، وكما هي شمولية كلام الله وسعة جوانبه، كذلك هو كمفسر احترم ذلك التوسع وتعامل معه كما يليق بمفسر جهبذ، فتوسع في مصادره، وأطال في شرحه، واحترم كل حرف أنزله الله، فتعامل معه كحرف يستحق أن يدرس ويبحث في سبب وضعه هنا، وعدم وضعه هناك، رحمه الله! بالفعل كان موسوعة جبارة، بل إن مفردة موسوعة تدل على سعة المفردات وتعدد المعارف دون تحليل وفهم ووصول لمراحل أعلى من الإدراك، وهذا ما لا ينطبق عليه، إذ هو أعلى من هذه المرحلة، فبالإضافة لموسوعيته هو قادر على تحليل ما يملكه من معلومات، وإبداء رأيه فيها، لذا يصح تكريمه بكلمة مفسر، لا مجرد مستنبط ومتدبر لم يضف للآيات وتفسيرها إضافة مثرية كبعض المتقدمين.
الحقيقة أن الكتاب ليس لمثلي ولا لشرواي :) إذ بقرءاتي المجردة أضعت على نفسي الكثير من فوائد الكتاب ومسائله، فالكتاب يستحق مدارسة وجردا وقراءة علمية تليق به، لعل اطلاعي السريع أكسبني معرفة عامة بالأسلوب، ونيل بعض الفوائد، لكن القارئ يستطيع الخروج بأضعاف ما خرجت إن اتبع مع الكتاب منهجا علميا بنّاء ينفض به مسائل المجلدات ويستخرج به ما في بطونها.
كانت هدية قيمة من والدي القدير، التقيت فيها بعالم نحرير، في كتاب جمع فيه بين التحرير والتنوير، أتممته بفضل من الله وفير، فله الحمد على فضله والتيسير ❤️.
*بالنسبة للطبعة ليست بجيدة، وهي من دار سحنون التونسية.