لا أدري لِمَ اكتفت نادين باخص بتصنيف ما كتبت تحت عنوان (حمص.. ويستمر) باليوميات. بالنسبة لي، لا أحسب أني قرأت مثل هذه اليوميات شعراً مكوياً بنار سورية الموقدة منذ أربع سنوات ونصف. فالقصف يصير منوِّماً، وهذا اللاشيء الذي في (رأسي الآن) هو أبلغ تعبيراً عن مدينة لاتزال تنبض (مقطوعة الرأس)، وكذلك هي لهفة من بقي من حمص حين تعود المياه المقطوعة منذ أيام، فإذا بالناس يتراشقون الاتصالات سعداء، مبشرين بعضهم بعضاً. لكن تلك اللهفة تنسف تاريخ التطور البشري، وتعيد إحياء التوق الفطري للنجاة. تجبل نادين باخص نصّها الفاجع بصمت، فسوق الآس (مضروب)، (كاسد) هذه الأيام إذ لا قبور.. إذ لا قبور لدفن الموتى سوى قلوب بعتبات مكسورة. وهذا مزار (أبو الهول) ما عادت تهمه النقود التي يرميها زواره عادة عند قدميه. ما عاد يريد غير أن تعود أيام نساء كن يتمسحن بجدرانه، ويطلبن الشفاعة. (إنه الزمان الحمصي) الذي ما بعده زمان، ولذلك نقرأ: «لببغاوات تردد:/غداً نعمرها/ أقول: «من أين لأحد أن يعيد لحجر ذاكرته؟»، كما نقرأ: «غداً سنكون؟ كما جدات وأجداد فلسطين؟ نحكي لأحفادنا كيف ضاعت البلاد/ لكن العدو لن يكون واحداً في حكاياتنا».