مؤلف هذا الكتاب هو أحد تلاميذ د. حسين مؤنس، وهذه رسالته للدكتوراه الذي قام بها تحت إشراف د. حسين مؤنس، الذي كتب له كذلك مقدمة هذه البحث عند طباعته في هذا الكتاب: تلك هي الشخصية التي اختارها تلميذي محمد زينهم محمد عزب، لينشئ عليها رسالته للدكتوراه، وقد بذل في ذلك جهدًا مضنيًا وقرأ عن سعة، إذ لا يخلو كتاب من كتب تاريخ إفريقية أو تاريخ العلم فيها من كلام عن سحنون، بل أن القاضي عياض خصص له في "ترتيب المدارك في تراجم المالكية" صفحات كثيرة حافلة بالأخبار، وقد قرأ محمد زينهم هذا القدر الكبير كله من الكتب ثم ألمَّ بتاريخ الفقه، والفقه المالكي خاصة، لكي كتب هذا البحث القيم، والحق أن زينهم بذل أقصى ما يستطيع، وقرأ تاريخ العصر الأغلبي، وكتب تراجم فقهاء إفريقية وهي كثيرة
إلى أن يقول: لقد خرج الدكتور زينهم من بحثه بنتائج مشكورة هي التي يجدها القارئ بين دفتي هذا الكتاب، وقد بذلت جهدي في الإشراف على عمله، وأرجو أن ينفعه الله سبحانه وتعالى بثمرته، وأن يجد القارئ فيه طليعة في البحث عن سحنون
ولكن ما معنى "طليعة" هنا؟!، لا أدري!، هل قصد القول أنه يأمل أن تتصدّر هذه الدراسة الدراسات الأخرى عن الإمام سحنون، فتغني عن أمثالها!، أم تُرى قصد أنه يأمل أن تكون هذه الدراسة باكورة دراسات قادمة عن الإمام سحنون
أميل للثانية رغم أن السياق التي جاءت فيه الكلمة محير!، ولكن كلامه كاد ينحصر في أن تلميذه قرأ الكثير من تواريخ أفريقية وفي الفقه المالكي الذي يعدّ سحنون أبرز رجاله في عصره، ويكفيه أنه مدوّن كتاب المدوّنة الكبرى، الذي هو أجمل وأخصب وأشمل كتاب في الفقه المالكي
والكتاب به الكثير من "القراءات الكثيرة" تلك، ومن كتب التراجم بخاصة، وقرأته على مدى أيام بطيئة متفرقة لأنه كان يسهب في ذكر شيوخ الذي درس عليهم الإمام سحنون، والتلاميذ (التابعين) الذين تخرجوا عليه، فكان يذكر الاسم ويسرد تحته ترجمته من كتب التراجم المختلفة، وبنفس ألفاظها التاريخية، وسار شطر كبير جدًا من الكتاب على هذا النحو، أسماء فقهاء وعلماء وقضاة وزهّاد وأمراء وغيرهم مما ارتبطت حياتهم بحياة الإمام أو بعصره
هذا كان نصف دور كتب التراجم التي اعتمد عليها، أما النصف الآخر فكان نقل لما قالته كتب التراجم عن الإمام سحنون نفسه، الذي افتتح المؤلف الفصل الخاص عن "ملامح شخصيته ودوره في الحياة العامة في إفريقية"، بالقول: وقد تعددت الأخبار والروايات عن صفات شخصية سحنون وخصائصه، فقال أبو العرب التميمي ..
ثم مضى على هذا المنوال، وحتى عند تحدثه في الفصل الذي يليه مثلاً عن "موقف سحنون من الأمراء الأغالبة"، لم يذهب بعيدًا، قال أيضًا فيه: وحول موقف سحنون وسياسته نحو الأمراء ورجالهم بعد توليه القضاء عام 234هـ أيام العباس محمد بن إبراهيم، قال أبو العرب: ..
فأبو العرب التميمي والقاضي عياض هما أكثر مصادر هذه الدراسة استخدامًا، فكلاهما كتب الكثير عن سحنون ومواقفه وأحداث حياته، ثم صراحة، كنت قد قرأت سيرة مجملة لحياة الإمام سحنون في مقدمة كتاب المدوّنة الكبرى، فلم يأت المؤلف عندما تحدث عن المدونة ذاتها بجديد سوى قصة تأليفها المعروفة، ولم يأت بجديد في كذلك سائر كتابه سوى الكثير والكثير من تراجم الفقهاء (الشيوخ والتابعون)، وسوى الكثير من عرضه في فصول الكتاب الأولى للحياة السياسية في عصر سحنون، "عصر دولة الأغالبة"، وجميعه من المصادر دون روح موحّدة تجمع بينهما
ربما هذا ما قصده د. حسين مؤنس في مقدمته حقًا، فأنه وللمرة الثانية أكثر من الثناء على كمية المراجع الكثيرة التي قرأها تلميذه، وعندما أتى لذكر دراسته ذاتها قال إن نتائجها "مشكورة"!، ثم أنه تحدث في هذه المقدمة عن سحنون كذلك وبعض أبرز مواقف حياته، ولكن بأسلوب د.حسين مؤنس الجميل والمشرق وبروحه الذي خلعها على الاحداث والمواقف التاريخية فسارت فيها الحياة، والذي قصّر فيها تلميذه كثيرًا جدًا ولم يبلغ عشر هذه المقدرة لدى أستاذه، وكان صالح جودت شديد الإعجاب بأحمد شوقي وكثير الإطلاع على ما كتبه وما كُتب عنه، ثم حدث مرة وهو على رئاسة مجلة الهلال وفي أخريات سنوات حياته، أن أرسل إليه أحد القرّاء برسالة يقول فيها إنه بينما كان يطالع ديوانًا قديمًا لشاعر اسمه: أبو النجاة، وجد في مقدمتها أبيات لأحمد شوقي في تقريظها (أي مدحها)، وهي: أَدِر جام البيان أبا النجاةِ وهات سلافة الألباب هاتِ
قصائد قالب الفصحى نماها على شرف المعاني المفرغاتِ
قصرنْ، فكنَّ من فقراتِ قسٍ وطلنْ، فكنَّ سبع معلقاتِ
وسأله السائل في رسالته، هل لديه علم حول مَن يكون أبو النجاة هذا، وهل له أعمال أخرى وما مصيره؟، فأجابه صالح جودت قائلاً ما معناه أنه لم يمرّ بهذه الأبيات الشوقية من قبل، ولا سمع باسم هذا الشاعر المذكور طوال حياته، ثم أضاف ما معناه: ولعلّ شوقي (وهو كثير المجاملة والتشجيع) كان يشير من طرف خفي بقوله "على شرف المعاني المفرغات"، إلى معاني هذا الشاعر الفارغة
فربما حاصره، حتى، فلم يستطع الخلاص منه سوى بإجابة طلبه، ولعلّ صالح جودت نفسه أخذ هذه الإشارة الساخرة الأخيرة من كتاب "الشوقيات المجهولة"، لمحمد صبري السربوني، فعندما وقع السربوني على قصيدة لشوقي في تقريظ ديوان شاعر شاب مغمور، أثبتها في كتابه كاملة لأنها أثر من أثار شوقي المجهولة، وها هي: تقريظُ أعيان الكتبْ .. بابٌ يعدّ من الأدبْ فيه استزادة محسنٍ وقضاء حق قد وجبْ وتبرّعٌ بالفضلِ من متأدّبٍ يرعى السببْ أدب الأولى سلفوا، فليسَ بمن تحدّاهم عجب ليس المقرّظ ناقدًا، إن لم يجد عيبًا طَلَبْ عين المقرّظ لا تمرُّ على المآخذ والريبْ يغشى المناجم لا يرى، في جنحها، غيرَ الذهبْ ديوان توفيق أحــبّ من الطِلا تحت الحببْ وألذَّ من مترنمٍ في فرعه ينشى الطربْ بين النسيم وبين أبــيات النسيب به نسبْ وإذا أشار بمدحةٍ، شادَ المكارم والحسبْ وإذا رمى خِطط الحماسة، قلتَ: قسورةٌ وَثبْ فاقرأه وانتظر المزيدَ من الطرائف والنخب لا تعجلنَّ على الربى، حتى توشّيها السحب
ثم كتب السربوني في الهامش هذه العبارة العبقرية القصيرة: كان تقريظ شوقي من باب المجاملة وهذا ظاهر في أبيات القصيدة من أوّلها إلى آخرها