كتاب رائع يرصد من خلاله د. رشيد بنحدو هواجس وقلاقل الشعر والشعراء في زمن اتسم بتسيَد الرواية.
وينقل في كتابه هذا الاستفتاء الأخير الذي قامت به أحد المجلات الفرنسية العريقة في العالم Caracteres" والتي تعنى بالشعر. شارك في الإستفتاء مجموعة من أبرز الشعراء المعاصرين. وتعلق بآفاق وحدود الممارسة الشعرية، وبارتباطاتها المتشابكة بالمجتمع وبالحقلين السياسي والأيديولوجي وكذا التيارات الفنية والفكرية الأخرى. وحول أهم العوائق الذاتية والموضوعية التي تحدق بالشعر والحلول الممكنة باستمراره.
من أهم الأسئلة التي تطرق لها الاستفتاء: هل مازال للشعراء دور في المجتمع و ماطبيعة علاقة الشعر بالمجتمع ؟ وكيف نرصد مكانته ؟ وما طبيعة القارئ اليوم بالشعر والشعراء وكيف ينظر له ؟ وهل لازال في الوجد أم هناك طلاق بائن بين القارئ -المجتمع والشعر/ الشعراء؟
-هل للشعر دور سياسي؟ وهل على الشاعر الالتزام بأي مسؤولية تاريخية تجاه مايحدث من تحولات واشتباكات سياسية ؟ ذلك أن الشعر كما يرى بعض الشعراء بحد نفسه سياسة؟! وفي النقيض يرى آخرون بأنه فوق السياسة؟ فكيف يمكن التمييز بين موقفين متعارضين؟ إذاً هل ينبغي للشعر أن يكون في خدمة السياسة أم مستقلاً عنها؟ إن الشعر كما قال عنه ألان : ” صراخ مهذب”
-كيف ينظر لبنان اللغة الشعرية بألوانها" كيمياء اللغة"؟ وهل على الشعر أن يدمر اللغة المبنية؟! ماهي مجاهره ومعادلاته الخاصة ؟ إن مهمة الشعر كما يرى بعض الشعراء هي تدمير كل ثبات وجمود. و هي كما أرى محاولة كشف جناس بين الهدم والبناء لتخليق غنى لغوي، و ومعنى جديد. " إن على لغتنا أن تبادر إلى الإنصات إلى الجسد المقموع... لكن ما ماأندر الشعراء الذين يفعلون!" بيير دينو.
-هل الشاعر معني أو ملزم بأن يوسع من الآفاق الروحية للغة الشعرية؟ وما موقف الشعراء من الحركة السوريالية في الشعر؟ وهل هي نوع من الإرهاب الأدبي؟ هل الشاعر صوفي، عالم أم فيلسوف؟
-ماهو دور الناشر اليوم في خدمة الشعر؟ وهل حقاً أهمية اسم الناشر تفوق اسم المؤلف/ الشاعر اليوم ؟ والعديد العديد من الشجون التي يكشف ويفصح عنها مختلف الشعراء في معرض إجاباتهم على محاور الاستفتاء الذي فتح جروح غائرة هجست بها أقلام الشعراء .
رغم إعجابي به إلا إنني لن أطلق عليه كتابًا بالتأكيد، فهذه الصفحات ما هي إلا ترجمة عشر أسئلة توجهت بها مجلة فرنسية معنية بالأدب إلى عدد من الشعراء الفرنسيين المعاصرين، وترجمة إجابات هؤلاء الشعراء عليها، وفقط!، مع كتابة المترجم لمقدمة لم تحمل شيئًا سوى تكرار ما قالته هذه الإجابات، الجديرة بأن تترجم وتوضع داخل المجلة العربية ذاتها، لا كهديتها المتنكرة في هيئة كتاب
وأعجبني، لأنه أظهر معدنًا واحدًا للشعر وإن ارتدى ثيابًا شتّى لمختلف الأمم، فأسئلة المجلة حول ما هو موقع الشاعر في المجتمع وموقف الشعر من الجماعات كفعل فردي، وهل ينبغي به أن يكون في خدمة السياسية أم مستقلاً عنها، وهل من أدوار الشعر البحث في مسائل الوجود الأزلية، وهل للشعر قاموسه الخاص، وماذا ترون في أزمة الثقة بين الشاعر والقارئ اليوم؟!، هذه الأسئلة جميعًا قد تُؤخذ وتُسأل لشعراء أيّ أمة من الأمم، وستكون إجاباتهم مع ذلك هي هي إجابات الشعراء الفرنسيين المعاصرين، ربما فقط ستختلف – بين أمّة وأمّة – أسماء بعض الشعراء الكبار المستشهد بهم، لا غير
وعلقت بي هذه الإجابة: أرى أن الناشرين يتحملون مسئولية هذا الوضع، بل أن للشعراء أنفسهم نصيبًا منها غير هين، فديوان الشعر لا يجب أن يكون متحفًا لنصوص متنافرة في الشكل وفي المضمون ومتفاوتة في زمن النظم، فديوان الشعر هو شهادة حيّة على تجربة بعينها في حياة الشاعر، وكذا ثمرة ما بلغه وعيه الفكري والجمالي من تطور، وليس أبدًا تجميعًا عشوائيًا لقصائد عثر عليها الشاعر بالمصادفة في ملفاته القديمة، أو سبق أن نشرها متفرقة في المجلات، أو استعادها من صديقات وأصدقاء كان قد أهداها لهم في مناسبات وأعياد ميلادهم