ونص قصة نقل جبل المقطم، هي: كان المُعِز لدين الله الفاطمي رجلًا مُحِبًّا لمجالس الأدب، والمباحثات الدينية.. وكان هناك رجلًا يهوديًّا متعصبًا، اعتنق الإسلام لينال منصبه، وكان اسمه "يعقوب بن كلس". وكان مبغضًا للمسيحيين
وفي يوم من الأيام أرسل الخليفة للأب البطريرك ليحدد موعدًا ليُحاجِج اليهود أمامه، فاصطحب معه الأنبا ساويرس بن المقفع أسقف الأشمونين (بالصعيد)، فبدأ الأسقف باتهام اليهود بالجهل!، وأفحم اليهوديّ باستشهاده بالآية القائلة: "الثور يعرف قانيه، والحمار معلف صاحبه، أما إسرائيل فلا يعرف! شعبي لا يفهم!"
وكان من أثر ذلك أن تضايق الوزير "يعقوب بن كلس" للغاية، وأخذ هو ورفيقه موسى في التفتيش في الإنجيل عن أي آية ترد له اعتباره، فوجد الآية القائلة: "لو كان لكم إيمان مثل حبة خردل، لكنتم تقولون لهذا الجبل انتقل من هنا إلى هناك فينتقل، ولا يكون شيء غير ممكن لديكم."
فأسرع وأراها للخليفة، وطلب منه أن يجعل النصارى يثبتون صحة هذا الكلام.. فأعجب الخليفة بالفكرة، وخاصة أنه فكَّر في إزاحة الجبل الجاثم شرق المدينة الجديدة (القاهرة)،أما إذا عجز النصارى عن تنفيذ هذا الكلام،فهذا دليل على بُطلان دينهم، ومن ثم تحتم إزالة هذا الدين!
فأرسل الخليفة للبابا وخيَّرهُ ما بين تنفيذ الوصية، أو اعتناق الدين الإسلامي، أو ترك البلاد، أو الموت! فطلب البابا من الخليفة ثلاثة أيام، ونادى بصوم واعتكاف إلى جميع الشعب.. وفي فجر اليوم الثالث ظهرت السيدة العذراء للبابا، وأرشدته بأن يخرج، والرجل الحامل الجرة الذي سيراه هو الذي سيتمم المعجزة على يديه
وبالفعل خرج وقابل القديس سمعان، وتحدَّث معه، عن حياته وروحياته، وسبب فقده لعينه..إلخ. فقال القديس للبابا أن يصلي مع الشعب: "كيرياليسون" – وتعني: "يا رب ارحم!"، 400 مرة ويصلي صلاة القداس وهم يحملون الأناجيل والصلبان والشموع، وهو سيقف معهم خلف البابا كواحد من الشعب، وبعد ذلك يجب على البابا السجود مع الكهنة، ويرسم الجبل بعلامة الصليب المقدسة، وسيرى مجد الله
وبالفعل تم كل هذا بالضبط، وبعد رفع يد البابا يده ورسم علامة الصليب المقدسة، إذ بزلزلة عظيمة تحدث، ومع كل قيام من سجدة يرتفع الجبل، ومع كل سجدة يندك الجبل وتظهر الشمس من تحته وهو يتحرك وانزاحت الغُمة، ولكن القديس سمعان الخراز هرب من المجد الباطل وكي لا ينال المديح من أحد، واختفى إلى ساعة موته، وظهور جسده في مصر بعد ذلك
وهذا الكتاب الصغير الشهير الذي كتبه القمص أرمانيوس السرياني، يدور حول هذه القصة، ومع مقدمة عن حال الكنيسة القبطية وقتها، وخاتمة عن الدروس المستفادة من القصة، ولم أصدقها، أي نعم، أؤمن بإمكانية نقل جبل ما بأكمله بدعوة مستجابة!، دون أدنى ريب!، وهذا أساس القصة بأكملها، ولكن في نفس الوقت لا أستطيع أغفل أن المصدر الوحيد الذي جاءت إلينا منه قصة جبل المقطم، هي من تاريخ الأنبا ساويرس بن المقفّع الوارد ذكره في هذه القصة!، وفقط!، لا مصدر آخر مهما كان ولو كحكاية شعبية تداولت بين الناس في ذلك الزمان الذي ليس ببعيد جدًا بالمناسبة!
بمعنى آخر أن معجزة نقل الجبل إن تمّت فعليها شهود كثر، وحسب الرواية فإن مئات من الشعب شهد المعجزة، حتى أن القصة تروي في بعض الإضافات أن الخليفة الفاطمي نفسه خاف من الجبل المتحرِك، وسأل الأمان من البابا، وكأنه حسب أن البابا سيجعل الجبل ينزل عليه هو وكل من ليس على دين المسيحية، فيستريح منهم!، ولكن لا، لم يحدث هذا، والتزمت المصادر الإسلامية الصمت التام عن رواية هذه القصة مع كثرة الغرائب التي روتها!، وشيء بهذه الشهرة لن يخفى على أحد، وخاصة أنه حدث وسط تجمع كبير من الناس، فكانت على الأقل ستحدث بفضله أحداثًا كبيرة جدًا
أعظمها مثلاً:
1-كان سيكون هناك في التاريخ فترة حدث فيها تحوّل مؤثّر في معاملة الحكام الفاطميين للمسيحيين تبعًا لهذه الحادثة وهذا ما لم يحدث، والرواية التي قيلت بأن المعزّ تبعًا لهذه الحادثة، أعطاهم الأذن والأموال لبناء وتجديد بعض كنائسهم، لا يُعدّ دليلا قويًا على ذلك، لأن ذلك ببساطة لم يستمر في عهد خلفائه (كحفيده المتشدد ذي السيرة المخيفة: الحاكم بأمر الله)، والذين بالتأكيد كانوا سيزيدون في السماح بذلك لمعرفتهم - بسبب قرب العهد وأقوال الناس - بحدوث تلك المعجزة الخارقة، ولم يحدث ذلك، بل تم التشديد على المسيحيين في كثير من فترات التاريخ الفاطمي القريبة العهد من الزمن التي قالوا أن تلك القصة وقعت فيه
2- ولتحوّلت جماعات من عامة الناس زرافاتٍ ووحدانًا إلى الدين المسيحي، مادام قد ظهر بالمعجزة الخارقة أنه الدين المؤيّد بالحق، في إثر هذه الحادثة، وهذا ما لم يُسمع به، بل حتى وردت روايات مسيحية تذكر أن الخليفة المعزّ نفسه تنصّر على إثر هذه الحادثة وترك الدين الإسلامي، قالوا هذا!، ربما لمحاولة إحداث توزان منطقي، وفي نفس الوقت، قالوا أن التواريخ الإسلامية لم تذكر أي شيء عن ارتداد المعزّ كعادتهم (أي عادة المسلمين) لأننا نتهم بالكذب لمجرد نصرة الإسلام!، بل وفوق ذلك، ذكر نفس المصدر، وهذا كلامه:
بجانب أن العديد من المسلمين تخوفوا من أنتشار خبر هذه المعجزة ، و أختلقوا القصص الوهمية وخافوا من قول الحقيقة التى ترجح كفة المسيحية بنسبة مليون المائة
يريد كاتب هذه الفقرة السابقة أن الناس على اختلاف ثقفاتهم ومكاناتهم تخوّفوا من هذه المعجزة فكذبوها وأنكروها بعد أن شاهدوها رؤية العين، ولكن ألم يكن فيهم واحد ضعيف الإيمان مثلاً، أو ملحد حتى؟!، أي أن هذا الكلام من أجل إحداث توزان منطقي مرة أخرى لتفسير ورود هذه القصة البالغة الأهمية والدلالة في مصدر واحد فقط وعن تاريخ البطاركة في الأصل، أي غير محايد على الإطلاق
وأبسط ما كان سيحدث مثلاً:
أنه سيكون هناك اتساعًا ما حدث في هذه المنطقة!، أعني، هل الجبل تحرّك لأعلى فقط ثم عاد لمكانه مرة أخرى!، ألم تذكر القصة أن الخليفة كان يفكر في تمديد المدينة ناحية الجبل أكثر وأنه فكّر في إزاحة الجبل نفسه من أجل ذلك!، حسب القصة الواردة، فالسؤال: أين هذه الزيادة التي من المفترض أنها حدثت!، هل تمددت المدينة وأنشأت أماكن جديدة لم تكن بموجودة من قبل!، لم يُسمع بهذا على نطاق علمي!، أقصد ما أسهل الكلام، فلمَ لا يقارن أحد جغرافية الأرض الموصوفة لتك المنطقة في التاريخ قبل وبعد حدوث تلك المعجزة - من خلال كتابات الرحالة العرب وغيرهم لمصر - ليقول أنه قد ظهرت تلك المنطقة أو تلك منذ عهد المعز وجرى تعميرها لأول مرة في عهده ولم تكن موجودة من قبل!،ولكن لا مرة أخرى لم يحدث هذا، والكلام يظل معلقًا في الهواء ومن السهل إطلاقه ألف مرة دون دليل ولمجرد إحداث توزان منطقي في السمع وحسب، ولماذا لم تُشيّد في تلك المنطقة الجديدة الكنائس لتخليد ذكرى هذه المعجزة وما كان سيمنعهم أحد في تلك المنطقة وفي ذلك العهد بالذات بعد ما شاهدوه من حدوث المعجزة الخارقة أمام أعينهم، وذلك بدلاً من القول أن الخليفة الفاطمي آمن بالمعجزة وسمح في أثر ذلك للمسيحيين ببناء وتجديد كنائسهم، وهذا مردود، لأن الخليفة الفاطمي المعزّ نفسه كانت سيرته طيبه معهم قبل ذلك، وكان – أي المعزّ لدين الله - حسب الرواية: رجلاً محبًا للعلم، وكان – حسب تاريخهم - يكرّم بطريرك الأقباط قبل قصة نقل الجبل المزعومة بزمان، حتى أن في حكاية المجادلة مع اليهودي بن كلس هذا، لم يرد الخليفة المعز أن يضع البطريرك نفسه في مجادلة مع يهودي نظرًا لمكانته ولعطفه عليه – مثلما تقول الرواية – بل قال له حسب القصة:
ادع أحد أولادك ليجادله!
وكان هذا الشخص الذي قالت الرواية أن البطريرك جلبه معه لمجادلة اليهودي بن كلس، هو المؤرخ الأنبا ساويرس بن المقفع، الذي جاء من تاريخه ذكر قصة نقل الجبل بأكملها، ومرة ثانية: كمصدر أوحد، فخليفة مثل المعزّ هذه أخلاقة ومعاملته لبطريرك الأقباط، لماذا يستبعد أنه سمح في عهده بتجديد الكنائس والأديرة!، بدلاً من القول أن هذا تم فقط بسبب أنه شاهد حدوث تلك المعجزة بأم عينيه!، وإلا فكثير من الخلفاء اتصفوا بأبسط الأخلاق الإنسانية وحسب، بالإضافة إلى كم الوصايا التي قالها نبي الإسلام في معاملة أهل الكتاب، وسمحوا بذلك وبما هو أكثر منه، كعمر بن الخطاب والعهدة العمرية التي جعلت من الكنائس حرمًا لا يُمس ولا يُهدم (وغني عن الذكر أنه من أجل تحقيق هذا الشرط فإنه كان مسموح لهم أيضًا بإجراء الترميمات للمحافظة على حالها وإلا لما كان لهذا البند معنى ) – وكان ذلك قبل ميلاد المعزّ بدهر في أبسط مثال يُضرب في مثل هذه الحالة، وبطبيعة الحالة فأن عمر بن الخطاب لم يشهد معجزة خارقة كانتقال جبل من مكانه ليكتب للنصارى من جراء ذلك العهد العمري المشهور
ثم هل كان من المتوقع أن ينفّذ المعزّ تهديده في حالة إخفاق نقل الجبل فيقتل كل المسيحيين بعد إذ تبيّن له - حسب الرواية - أن دينهم دين غير صحيح ما دام لم تتحقق صحة هذا النص الموجود في كتابهم!!، وما معنى هذا أصلا؟!، فنفس هذا الدين ونفس أجزاء الكتاب المقدس بصفة عامة، كانت موجودة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وجاءت في القرآن أقوالهم عن الثالوث تمامًا، ورغم ذلك جميعه قال عنهم نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم: أنهم أهل كتاب!، وعندما دخل عمرو بن العاص مصر عاملهم معاملة أهل الكتاب كذلك!، لم يهددهم أو يقتلهم أو يجبرهم جبرًا على ترك دينهم!، أسيأتي المعزّ ويقول وحده عن ذكاء خارق أنه إن لم تتحقق تلك المعجزة خلال ثلاثة أيام فأن دين هؤلاء القوم باطل ويجب قتلهم جميعًا بالسيف إن لم يجلوا عن هذه البلاد أو إن لم يتركوا دينهم؟!، لا أعتقد هذا إلا إذا كان المعزّ رجلاً سفّاحًا مجنونًا، إلا أن سيرة المعزّ لدين الله الفاطمي - عندهم حتى وكما مرّ بالأعلى - تدل على نقيض ذلك تمامًا
قد تحتاج ذلك الكتاب بجوار كتاب الرد على تلك الخرافة حتى تتأكد من صحة الردود على الخرافة و يبان لك كذب المدعين بنقل الجبل أو تنصر المعز لدين الله العبيدي ( الفاطمي ) أو وزيره عليهم من الله ما يستحقوا