تجربة المؤرخ الصحفي صبري أبو المجد في البحث عن أبطال ثورة 1919 المجهولين وشهدائها الأحياء، لتجد أن الصدفة وحدها كانت سببا في عثوره على تجارب كثير من الأبطال كان يمكن أن تندثر إلى الأبد، لأنها لم تجد من يهتم بجمعها.
كانت قد أصابتني خيبة الأمل، عندما بدأت في قراءة هذا الكتاب قبل أشهر طويلة، لأنني وبينما أقلّب الكتاب بين يديّ وقعت على عبارة مكتوبة في الصفحة الأخيرة تقول: "وإلى اللقاء بإذن الله في الجزء الثاني من كتابنا عن فكري أباظة"، فقلت لنفسي: "أسأقرأ كل هذه الصفحات ثم انتظر "جزء ثاني" لا أعلم إن كنت سأجده أو لا؟!"، ولكن الآن ليست تلك بخيبة أمل، فما أعتقد أن هناك من جزء ثاني لهذا الكتاب!!، فليس له ذكر على جوجل أولاً، وثانيًا: فأن طبيعة هذا الكتاب لا تحتمل أن يكون له جزءًا ثانيًا إلا إذا كان يتضمن وفقط مختارات أخرى متنوعة من مقالاته وما أكثرها بالنسبة لشخص لم يفترق عن الكتابه طوال حياته، فماذا سيُترك للجزء الثاني غير هذا؟!، فالمؤلف صبري أبو المجد، تناول في كتابه هذا عن فكري أباظة الكثير من تفاصيل حياته منذ بداية حياته، فشبابه وفتوته، إلى كهولته في الثمانين، ووفاته، وأحداث أيامه ومقالاته الأخيرة، وكذلك بعد وفاته كذلك أثناء الحديث عن مرور ذكرى الوفاة مرور الكرام في الصحف المصرية مع أنه رائد بارز من روادها
مع الكثير الكثير أيضًا من مختلف مقالاته التي كافة أطوار حياته في صحف الأهرام والأخبار ومجلات المصوّر والدنيا وكل شيء والفكاهة،مع تقسيمها على فترات حياته مما كتبه في السياسة والاجتماع والأدب الساخر والذكريات، مع تتبع "غريب" لحالة مجلة المصوّر الذي رأس تحريرها فترة طويلة من الزمن، من استعراض لكثير من مواضيعها وأبوابها وتقسيم صفحاتها وطبيعة أخبارها وأمثلة منها تصل حتى إلى نقل العناوين ومشاركات القراء والنكت والطرائف المنشورة، وما ذلك إلا ليبين كيف كان يرأس فكري أباظة مجلة المصوّر بأسلوب عصري شيّق لم تكن الصحافة المصرية تعرفه من قبل
أي أن كثير من صفحات هذا الكتاب الضخم كانت مبسوطة من أجل عرض مقالات وكتابات فكري أباظة منذ ثورة 1919 إلى وفاته في 1979، وكانت حياة حافلة جدًا، وزاخرة جدًا بالأحداث والمواقف والأزمات والإنجازات، وفوق ذلك يكفي أنها جاءت بأسلوب فكري أباظة الذي هو نسيج وحده بين الأساليب العربية، فحتى عندما كان يكتب في الصحف مهاجمًا هذا او ذاك، وهو طوال فترة كتاباته السياسية هاجم الجميع دون استثناء، رجال القصر وحزب الوفد وسعد زغلول ورؤساء الوزارة ووزراتهم والسفير الإنجليزي والاحتلال، وكان مخلصًا لمبادئ الحزب الوطني (حزب مصطفى كامل ومحمد فريد) في أنه لا مفاوضة إلا بعد الجلاء ولا مهادنة في مسألة السودان، وأن بريطانيا لم يتسع صدرها للمفاوضات إلا لأجل بث الفرقة والانقسام بيننا، وأنها تتلاعب بالوفد والوزارة من خلال المفاوضات بأقبح صورة، فحتى عندما كان يكتب في الصحف مهاجمًا كل هؤلاء، كان يحدث أن يأتي للصحيفة أو المجلة التي كتب فيها ذلك المقال او ذاك رد على ما ذكره، وكان ذلك الرد دائمًا يتضمن ثناءً وإعجابًا بأسلوب الكتابة، وقد يتضمن حتى شهادة من كاتب الرد بأنه رغم رده عليه إلا أنه يتابع دائمًا في متعة خالصة مقالات فكري أباظة وأن اختلاف الرأي لا يفسد للود قضية
وهذا ما جعل الكتاب يمرّ في متعة خالصة كذلك على فيه من فوضى في الترتيب والتأريخ ومع كثرة الأحداث والمقالات وتداخلها، وأحسب أن خطة تأليف هذا الكتاب خرجت عن السيطرة قليلاً، ولكني يكفي أنها جاءت وكأنها سجلّ اجتماعي هائل لعصر مضى كما رآه فكري أباظة