لطالما كان حلمي أن أقرأ كتابا شاملاً عن حضارة العراق وتاريخه العريق وأكتشف الكنوز المخبأة في غياهبه وطالما بحثت عن كتب مناسبة فلم أجد سوى بعض من تلك الكتب التي لا تروي عطش القارئ للمعرفة والبحث في عمق الزمن والحضارة الإنسانية العريقة المتمثلة بحضارة بلاد ما بين النهرين..
فلم تزل دورة البحث جارية حتى أدركت هذا الكتاب ووجدته بحمد الله وفضله..حيث هي عبارة عن موسوعة شاملة تتكون من 13 جزءاً كاملة تغطي الجانب الحضاري والفكري للعراق بشكل وافٍ ويمكنك قراءة فهرس هذه الموسوعة فقط لتدرك مدى أهميتها وكم هي مذهلة بحق..
يبدأ الجزء الاول بالحديث عن أرض العراق تضاريسه ومناخه على مدى التاريخ حيث تجد أن المناخ لم يكن سابقاً كما هو الأن ولا حتى التضاريس، حيث كانت مياه الخليج تصل الى حدود مدينة بابل!! وماهذه المستنقعات التي نشاهدها في العراق إلا بقايا لذلك البحر الذي كان يغطي أجزائها الجنوبية..
بعد حين يتكلم الكتاب عن العصور الحجرية الثلاث في العراق القديم والأوسط والمتأخر التي تمتد تاريخ القديم منها الى نحو 80 ألف سنة قبل الميلاد .وذكر الكتاب أشهر الكهوف الموجودة في العراق حينها وخاصة الكهف المشهور بكهف (شانيدر) في شمال مدينة أربيل والتي عاش فيها الانسان قبل 60 ألف سنة..
ينتقل الحديث بذكر الدراسات حول العصر الحجري المتأخر وبدء أعتماد الانسان على نفسه وجمع قوته والصيد وأشكال الزراعة الاولى وعمل بيوت من الجلد والحجارة وصنع أدوات حجرية متطورة نوعاً ما..
الفصل التالي يتم الحديث فيه عن إنتهاء العصور الحجرية وبدء عصر فجر الحضارة التي تبدأ من سنة 7000 قبل الميلاد حيث تطور مفهوم الزراعة وأنشئت اول قرية في العراق وهي قرية جرمو وبدء اول مظاهر العمران والحضارة وتنوع الزراعة وطرق الصيد..
يرتقي المشهد الى بداية الحضارة وبناء المدن السومرية ومنها الوركاء ولكش وظهور الملوك والمعابد والعمران وتطور مفهوم الدولة وبناء الجيوش وثم بعد ذلك حصول اكبر اختراع في تاريخ البشرية وهي ظهور الكتابة..
الكتابة المسمارية في العراق التي يرجع تاريخها الى 3500 سنة قبل الميلاد وبدء بها عصر جديد وهو عصر التدوين والتاريخ المكتوب وهي أهم مرحلة في تاريخ البشرية قاطبة..
الدراسة التالية هي عن الجانب الديني في العراق في مختلف العصور منذ العهد السومري وحتى نهاية العهد البابلي الحديث وفكرة الموت والحياة بعد الموت وبناء القبور الملكية وحب الخلود والأساطير الغريبة عن الآلهة عشتار ومردوخ وآنو والأبطال وحكايات عن الملوك والفتوحات في أنحاء الشرق الأدنى..
الحديث الأخير هو عن الجانب الأدبي في العراق القديم حيث تجد كماً هائلاً من الاهتمام بالجانب الادبي وترى أن معظم الكتابات السومرية تتعلق بالجانب الأدبي مثل الاساطير والملاحم والاشعار والنثر والخطب والقصص والطرائف والحكم والأمثال التي تزخر بها اللوحات المسمارية وهي نتاج عظيم بالنسبة لذلك الوقت..
تتجلى عظمة الادب العراقي القديم في الملحمة الشهيرة وهي ملحمة (كلكامش) التي تحكي عن الصراع لأجل الخلود والبحث عن سر الحياة ومكانة الصداقة في حياة الانسان والصراع بين الخير والشر وكذلك تذكر قصة الطوفان ..
كتاب رائع حقاً.. من أجمل الكتب التي قرأتها في حياتي ومازلت في الجزء الاول فقط والاجزاء القادمة أجمل بإذن الله..
هذه السلسلة من الدراسات التاريخية والأثرية عن حضارة بلاد الرافدين، هي من أفضل الكتب التاريخية المطبوعة في العراق في نهاية الثمانينيات وأوائل التسعينيات. طباعة فخمة ومضمون جيد وشامل، من 13 جزءًا على ما أذكر، كانت تباع وتوزع بسعر زهيد نسبياً في المكتب الثقافي العراقي في وسط القاهرة قرب ش طلعت حرب، قبل أن يغلق هذا المنفذ أبوابه. أصبحت من مقتنياتي المهمة عن حضارة بلاد الرافدين خاصة أنها نتاج عمل باحثين ومترجمين عراقيين عن تلك الحضارة العظيمة.