عن علوم الرياضيات والفلك والفيزياء والميكانيكا والطب والصيدلة والنبات والحيوان وعلم الكيمياء لدى العرب، أو عن العلوم العقلية، التي سمّاها العرب كما قال المؤلف: بعلوم العجم أو علوم الأوائل، أو العلوم الدخيلة، وعن هذه التسمية فقد كان جميلاً وفريدًا ولأول مرة بالنسبة لي ما قاله عند حديثه عن حركة الترجمة العربية الزاهرة لكتب أرسطو وجالينوس وأرخميدس وأقليدس في العلوم المختلفة، وخاصة في العصر العباسي، فقد قال ما معناه أن العرب وقتذاك وهم في أوجّ قوتهم وإمكاناتهم الحضارية ووسط تمكّن فكرة ميلهم لجنسهم ودينهم على سائر الأجناس والأديان الأخرى، لم يلجأوا إلى السطو على هذه العلوم العالمية النافعة أو عدم الإشارة إلى قائليها، وكانت الظروف من حولهم ستساعدهم على إخفاء هذه الكذبة لمدد طويلة، فلمَ سيمجّدون علوم قوم بينهم وبين أحفادهم ووارثيهم دماء وفتوحات وحروب
ولكنهم لم يفعلوا!، وفي غرابة كانوا سببًا في حفظ بعض هذا التراث القديم من الاندثار من خلال إعادة ترجمته من العربية إلى لغته الأولى ولغات أخرى، وحتى وإن قيل أن مجرد هذا الحفظ لمعاني الأصول القديمة هو (أكثر!) ما قدّموه لسير الحضارة فهذا بمفرده يعدّ تأكيدًا منهم على أنهم ليس بمبتدعي هذه العلوم، وأنهم ليسوا سوى جزءًا من بحر ممتد فيه ما فيه من أيادي بني الإغريق والفرس والهند والصينيين، وأخذ منه العرب ما أخذوا، وأدركوا منه ما أدركوا، ونتيجة الأخذ والإدراك بطبيعة الحال هو التساؤل ثم التجريب والتطوير، وهذه سنة الله في خلق الإنسان، ولا أعتقد بالتأكيد أنها تعود إلى عبقرية خاصة بقوم دون قوم، لا سيما وقد كانت بيئتهم مساعدة، ورخاؤهم ممتد، ودولتهم في العنفوان، فلمَ لا؟!، فالآخِذ يأخذ ممن قبله ويكمل عليهم، والتقديس لعلوم القدماء والرهبة منه ومن سمعته، لا مكان له هنا، حتى لو كان هذا التقديس في أمر ديني، فقولة أبي حنيفة معروفة: "هم رجالٌ ونحن رجال"، لذلك لم يعجبني في هذا الكتاب الجميل حسن التقسيم ووافر المصادر، هو أنه كان أحيانًا يتناسى ما قاله في فصل الترجمة من أن بحر العلم واحد وممتد ولا ملة له أو دين، أو إنه إنسانيّ عالميّ، لم يعجبني أنه كان يترك ذلك جميعه ويعيد القول في فضل العرب على العالم، وعن أن أوروبا تأخرت قرونًا طويلاً ولم تنهض إلا بفضل العرب عليهم، ولم يعجبني كذلك ذلك الأخذ المتكرر من الكتاب الألماني المعروف: "شمس العرب تسطع على الغرب"، لقد أحسنوا صنعًا، أي العرب، بلى!، ولكن أرسطو سيغضب هكذا وجالينوس سيقول كان لي دورًا كبيرًا جدًا ها؟!!، وعلماء الرياضة الهنود سيقولون وأين نحن؟!
أقصد شمس مصر القديمة سطعت على العالم كذلك، وشمس اليونان والرومان سطعت على العالم مثلهم، والعالم لا يجحد فضل بلاد الهند والسند والعراق القديم عليه فلولا حضارتهم لما كان كما نعرفه اليوم، وشمس أوروبا الحديثة سطعت على الشرق والغرب سطوعًا باهرًا ومنذ أكثر من قرنين في العصور الحديثة، وشمس أمريكا وعلماء بني إسرائيل حتى .. سطعت وما زالت تسطع على العالم!، إذن أي فضل للعرب، سوى فضل القدرة على سير في ركب الحضارة، مثلهم كمثل أي سائر أخرى لم يتخلّف عن ركاب العصر، ولكن أن يغلو الأمر إلى القول أن الذي اخترع كذا وكذا في العصر الحديث، لم يعلم أن العرب سبقوه إليهم في عصورهم الزاهرة، وأننا من خلال هذه الفقرة أو تلك الواردة في ذلك الكتاب القديم نستنج أن العرب كانوا يعرفون تلك الطريقة أيضًا في عصرهم وقبلهم بألف سنة مثلاً، فهذا كله كلام عقيم!، ولا يمنع أن عصورًا سابقة سبقتنا إليه، ثم انطمست حضارتهم ولم يصل مدوّنًا منها شيء في هذا الشأن، ثم توصل العرب إليه كنتيجة من نتائج الاستقراء والتجربة مثلاً ومثلهم تمامًا، ثم انطفأت نار الحضارة لديهم فترة من الزمن، ثم ظهرت الأداة أو الاختراع في مكان آخر وعصر آخر مؤاتي ورخاء ممتد ودولة فتيّة وثقة بالنفس وشعور بالاعتزاز بالتجنّس بجنسيتها أو دينها، وسيظهر لديهم كنتيجة أيضًا ربما من نتائج الاستقراء والتجربة!، مثلنا تمامًا!، هذا قد يحدث!، وهذا شبيه باعتقاد بورخيس في قصيدته عن حريق مكتبة الإسكندرية وفي قصة مكتبة بابل: عن لانهائية وخلود الكتب، وإنه لا يوجد كتاب يُفقد أو يُدمّر تمامًا، فديمومة حركة الكون كفيلة بإعادة إنتاجه بشكل ما، فللكون أساليبه الغامضة