رأينا نحن, والمسألة المصرية ما زالت قائمة والاتجاه إلى العناية بمشاكلنا الاقتصادية والاجتماعية والفكرية, نعني بعناصرها الداخلية, آخذ في الظهور, رأينا أن نخص هذه العناصر ببحث شامل, نرتفع بها فيه إلى أصولها الأولى وتتبع أخطر المراحل التي جاوزتها ثم نصل بينها وبين جوانب حياتنا الخارجية وصلتنا بالغرب على وجه الخصوص. وقد ذهبنا في تحليلنا التاريخي مذهب المؤرخين المحدثين ففلسفنا الحوادث ورددناها إلى مصادرها الاجتماعية العامة وأنزلنا الطبقة الحاكمة وأعمالها وآراءها في المنزلة الثانية. ونحن نذكر هذا هنا عمداً لأننا لا نريد أن يفهم مما قد يقرن في هذا البحث ببعض الظواهر الناجحة أو الفاشلة من أسماء أننا نشيد بأصحابها أو ننعي عليهم فنحن لم نعرض لواحد منهم إلا من ناحية العناصر الاجتماعية التي خلق منها.
الكتاب موجز للتاريخ المصري ولكن من مدخل اقتصادي اجتماعي فيقدم رؤية نقدية لتطور الإقتصادي المصري عبر العصور حتى منتصف الاربعينات مع ربط هذا الوضع الاقتصادي بعلاقة العكسريين بالمدنيينز إلا أن الكاتب يبدوا متأثرا بعباس محمود العقاد ولهذا يبدوا محافظا في العلاقة بالحضارة الغربية ورافضا لوجود ونشاط الأجانب في مصر، داعيا للتخلص منهم بمجرد وجود البديل المصري.
كتاب في أصول المسألة المصرية هو كتاب تاريخ اجتماعي وسياسي واقتصادي من العيار الثقيل على اختصاره، يستعرض فيه الكاتب لمحة من تاريخ مصر قبل الفتح الإسلامي، ثم تاريخ مصر في العصر العربي (الدولة الأموية والعباسية والفاطمية)، ثم حكم الأتراك والمغول لمصر (بداية من الدولة الأيوبية ثم المملوكية والعثمانية) ثم تاريخ أسرة محمد علي. أفكار صبحي وحيدة عن المسألة المصرية التي كتبها عام 1950 تعتبر أصيلة وسابقة لأفكار معاصريه من المصريين، فأفكاره عن الملكية الزراعية وتأخرها بل وغيابها لقرون أحيانًا، وما أدى إليه ذلك الغياب من غياب وجود البورجوازية المصرية وعدم تطور طبقات اجتماعية ذات وعي بمصالحها ولديها قدرة على التعبير عن تلك المصالح بمؤسسات سياسية كان سببًا في انعزال الدولة عن المجتمع وتطور / تخلف كل منهما باستقلال عن الآخر. كذلك طرح صبحي وحيدة بنضج فكرة المركز والأطراف -دون ألفاظ صريحة- عندما أشار إلى استغلال دول المركز الاقتصادي المتقدمة صناعيًا واجتماعيًا لاقتصادات دول الأطراف ودور ذلك في تعثر "التنمية" لتضاربها مع المصالح الوطنية ونزع الاستقلال السياسي. كما تمثل المدينة بناءً على النقطة السابقة فكرة مركزية لدى صبحي وحيدة، حيث ربط هيمنة المدينة على الريف وإدارته وفق مقتضيات حياتها بالتقدم والمدنية، والعكس بالعكس، وهو في هذه النقطة يعرض لمثالين: فكرة التقدم المدني والحضاري عندما كانت مدن مصر "متوسطية: نسبة إلى البحر المتوسط" أكثر منها مصرية تخضع لمركزية الدولة المصرية، حيث تبادلت تلك المدن -مثل الأسكندرية وتنيس -بورسعيد-، الثقافة والميثولوجيا بل والنخبة السياسية والعسكرية أيضًا مع مدن المتوسط. بينما خضعت الأمة المصرية للتخلف الاجتماعي في مقابل التقدم العسكري عندما سيطر عليها البدو من الأتراك وشعوب وسط آسيا، حيث تحولت إلى أمة عسكرية لكنها تقلع تحت تخلف سياسي واجتماعي. من يقرأ الكتاب يصعب عليه تصنيف المؤلف تحت تيار بعينه، وقد يكون هذا عائدًا إلى فترة إصدار الكتاب عام 1950 حيث لم تكن فترة ازدهار الأيديولوجيا مثلًا كما ظهرت في السبعينات مثلًا، بل كانت تلتقي الإسلامية مع القومية وأحيانًا الشيوعية أو الاشتراكية. الكتاب رائع وان كان يحتاج إلى انتباه لتشعب منظورات المؤلف وكثافة أفكاره. قراءة رائعة
كتاب شيق يتناول بإيجاز أحوال المجتمع المصري منذ العصور الفرعونية المتأخرة وبداية تغلغل وإرتباط المجتمعين المصري واليوناني حتى ثلاثينات القرن العشرين، الكتاب مكتوب بقلم عاشق ومحب لوطنه وذلك سبب كافي ليفسر لنا سبب إغتياله، صبري وحيده والذي كُتب عنه مقدمة ممتازة في بداية هذا الكتاب كاد أن يصبح من أشهر الكتاب والمفكرين المصريين لولا إغتياله. إلا أن الكتاب وبسبب إيجازه ممكن أن يثقل على كاهل القارئ إن لم يكن ملماً بهذه الحقب التاريخية، وخصوصاً حقبة المماليك والعثمانيين، واللذان يعرض وحيده أحوال مصر في زمانهما بشيء أقرب إلى التفصيل منه إلى الإيجاز، ولعل أسلوب وحيده في الإجابة على السؤال الذي يشغل بال المصريين حى اليوم وهو: (لماذا تخلفنا كل هذا التخلف عن ركب الحضارة على الرغم من كوننا أعظم حضارة في التاريخ؟) هو الأسلوب الأمثل ألا وهو الرجوع لدراسة ذلك المجتمع والوقوف على فترات تأخره وركوده العقلي وعدم مشاركته في أي من سياسيات الدوله ولا حتى في الجيش، ولكنه على الرغم من ذلك لم يفقد قوميته، ولم يشعر بالغربة في وطنه ذلك الشعور الذي نحمد الله على عدم شعور المصري به طوال الحقب التاريخية التي تعاقبت عليه، وهذا بالضبط ما فعله وحيده في كتابه ذاك