كتب لينين "المادية والمذهب النقدي التجريبي" في مرحلة من تاريخ روسيا كانت فيها الاوتوقراطية القيصرية قد فرضت في البلاد الارهاب البولبسي القاسي بعد ان قمعت ثورة 1905-1907 وكانت فيها الرجعية تسود وتبطش في جميع ميادين الحياة الاجتماعية. وقد وصف لينين الوضع في البلاد بعد هزيمة الثورة الروسية الاولى بقوله: "الانحطاط ،فساد المعنويات ، الانشقاقات ، التشتت ، الارتداد ، العهر عوضا عن السياسة ،اشتداد الميل الى المثالية الفلسفية ؛ الصوفية كرداء للامزجة المعادية للثورة" وقد ختم التبرير الايديولوجي للثورة المضادة ، وانبعاث الصوفية الدينية بخاتمهما العلم والادب والفن . وفي الفلسفة سادت أشد اشكال المثالية اغراقا في الرجعية ، الاشكال التي تنكر سنن تطور الطبيعة والمجتمع ، وامكانية معرفتها. وبذلت القوى المعادية للثورة كل ما في وسعها لكي تفتري على الطبقة العاملة وحزبها وتقوض الاسس النظرية للماركسية . وفى هذه الاحوال ، غدا الدفاع عن الفلسفة الماركسية مهمة عاجله وفائقة الشأن.
Vladimir Ilyich Ulyanov, better known as Vladimir Lenin, was a Russian revolutionary, leader of the Russian Social Democratic Labour Party (Bolsheviks), statesman and political theorist. After the October Revolution he served as the first and founding head of government of Soviet Russia from 1917 until his death in 1924 and of the Soviet Union from 1922 until his death in 1924.
رغم النقد الذي يوجهه كارل كروش وبعض النقاد الماركسيين أنفسهم إلى هذا الكتاب باعتباره موقفا ماديا ميكانيكيا يغفل جدلية ماركس، ولا يفهم نقدية كانط، إلا ان الملفت في الكتاب، علاوة على أن المذهب التجريبي هو مذهب به قصور يستحق النقد بالفعل، وأن لينين كان على حق في ذلك، هو أن لينين يقدم نموذجا مثيرا عن سياسي يعكف عاما للبحث الفلسفي ليقدم أطروحة فلسفية بغرض حماية النقاء الأيديولوجي لحزبه. لذلك، هذا الكتاب، كما يلاحظ ألتوسير، نموذجا للنضال الأيديولوجي الذي يمكن أن يمارسه المثقف أحيانا في ظل ظروف سياسية معينة.
يقتدى لينين بمعلمه الاول ( ماركس ) لا فى وجهات نظره فقط بل فى تنوع كتاباته وفى طريقة معالجته لقضاياها وطريقة عرضها على السواء - وحتى فى سخريته الحادة من المفكرين المثاليين والايمانيين والبرجوازيين - . فكتابات لينين تهتم بالفلسفة والسياسة والتاريخ وتعرض لكل منها من وجهة نظر الاخرى وترتكز جميعها فى النهاية على النظرة المادية الديالكتيكية لهذه المسائل . وكتابنا هذا هو فلسفى على طريقة ماركس وإنجلز حيث يتناول أهم القضايا والصراعات الفلسفية بين المدارس المحدثة على زمن الكاتب ، ويقوم بنقدها من وجهة نظر ماركسية ويعرض فى تبسيط ساخر ما يكمن فى ارائهم من مثالية وتجريد لكل ما هو مادى وما يتبقى لديهم من نظرة شبحية للعالم وريبية فى المعرفة . وكان على زمن لينين - مطلع القرن العشرين - أن إحتدمت أزمة فلسفية فى أوروبا ( ما ناقشه هوسرل فيما بعد كأزمة للعلوم والروح الأوروبية بشكل عام ) نتجت عن تطور الفكر خلال تطور الأحداث التاريخية بداية من تحطم المثل الأعلى الروحى من جانب بعد الحرورب الدينية فى القرن السادس عشر ونشأة السياسة الحديثة التى تتجه نحو التسامح وحقوق الانسان ، وكذلك الفلسفة الحديثة التى اعلت من شأن العقل فأحبطت مساعى الميتافيزيقا فى النهاية واعلت من شأن العلم والتجربة ما أدى الى انتشار الفكر المادى والذى يوصف بعد نقده لاحقاً بالمادية الميتافيزيقية وهى مادية عصر التنوير (الفرنسى) والذى عرف حينها بالمادية الذرية او الميكانيكية ، ثم انهار من جانب اخر هذا المثل الأعلى المادى وهو الذرة على أيدى الفيزياء الحديثة ( اواخر القرن التاسع عشر ) وتحول علماء الفيزياء عن النظرية الذرية القديمة الى النظرية الكهربائية قيد التبلور ، وما تلاه من دراسات لتحولات الطاقة والإشعاع وطبيعة الموجات الكهرومغناطيسية ، هذا من جانب ، ومن جانب آخر ارتباط الفيزياء بشكل اساسى بالرياضيات ونشأة الفيزياء الرياضية لا كفرع علمى أكثر تخصصاً ينتمى للفيزياء والتجربة أساساً ، بل كعلم رياضى واتجاه فكرى خالص يغلب عليه الطابع الرمزى والأمثلة . هذا ما اقام المثالية الفلسفية من سباتها واصبحت باقترانها ببعض مدارس الفيزياء الحديثة كموضة فكرية تنتشر كالنار فى الهشيم بما يميزها من سطحية وضحالة . وكان ان تصارعت مدارس المثالية الفيزيائية هذه من ناحية فى نسب نفسها الى المثالية الريبية القديمة من باركلى الى كانط ، ومن ناحية أخرى فى مسألة مدى اقتراب كل منهم من المثالية او المادية . وما كان يوضحه لينين باستمرار خلال عرضه لكتاباتهم هو سوء فهم والتباس مستمر فى افكارهم بصدد حدود الفكر المادى أو المثالى ، وانعدام رؤيتهم للتناقض الواضح والمبدئى فى نقاط انطلاقهما ،وتجاهلهم لما فى هذا التناقض الجذرى من أهمية . مشوهين للمفاهيم التى خاضت اجيال عديدة لتحديد معنى لها اكثر دقة . ثم مفسرين بعضهم بعضا كلُ على هواه معتمدين على نسبية الحقيقة كدفاع دائم عن رؤاهم المثالية والتى توازى الريبية المعرفية من الناحية المنطقية والعملية . والتى تنزلق بصاحبها الى المثالية ثم الى المثالية الذاتية ( السوليبسيزم ) . وكان من بين هذه المدارس التى يصنفها لينين فى عداد المثالية الفيزيائية علماء من أمثال بوانكاريه والذى أنشأ مذهباً فلسفيا يعتمد على الرمزية ومعنى الرمز . وأوستفالد وهو عالم كيمياء وانشأ مذهباً اخر يرجع كل شئ الى الطاقة ( مفهومة بشكل مجرد صرف ) . واخرون كثيرون ممن كونوا أتباعا لهم واختلفوا مع بعضهم بعضا كهلمهولتز وبولتسمان ممن وصف لينين ارائهم بالمادية الخجلة . كما كان من بينهم فلاسفة أكاديميين - ممن يثيرون حفيظة ماركس وانجلز - كإرنست ماخ وأفيناريوس ممن يهتمون بالاكتشافات العلمية الحديثة ليفسروها طبقاً لرؤاهم المثالية . ولكن اكثر ما يثير سخرية الكاتب هو ذكر المفكرين الماركسيين الروس المعاصرين له - كبليخانوف وبازاروف وتشيرنيشفيسكى وغيرهم - الذين تخلوا عن اسس الفكر الماركسى - لسوء فهمهم له او عدم المامهم او سوء نيتهم - ومالوا الى انواع المثالية العلمية المختلفة وعملوا على الترويج لها على انها اشكال حديثة من الماركسية . ويبين لينين كيف ان ماركس والمادية الديالكتيكية يتبرآن من هذه الانحرافات الفكرية والتى يرجعها لينين الى نية التخبيص او التزييف وخلط الامور او تهويشها فى ذهن القارئ والذى يهدف فى الأساس الى تمييع للفكر المادى السليم ( الديالكتيكى ) الملازم للإشتراكية العلمية اى محاربة الاشتراكية العلمية من الداخل . وبالطبع يرجع لينين كل رأى يقترب من المثالية او يهادنها الى طريقة تفكير البرجوازى ( وجود البرجوازى ) ، حيث تقترن المثالية الفلسفية والإيمانية - فى نظر الماركسية - باليمين الذى كان أرستقراطياً ثم أضحى برجوازياً . ودائماً ما نجد فى مختلف مؤلفات ماركس وانجلز ولينين تلك النظرة التآمرية بين السلطة والدين والفلسفة المثالية وكل ما يسمونه بالفكر الرجعى . وهى الجهات التى تتسلط على العقلية السحرية للمواطن العادى فى عالم السياسة اى انها من يشكل عالمه ويحدد ذهنيته . ورغم ثانوية هذه الأعمال الفلسفية التى يناقشها لينين فى تاريخ الفلسفة كثانوية الافكار الفلسفية التى ناقشها ماركس وانجلز كأفكار دوهرينج وبرودون فى زمنيهما . بمعنى انها افكار لا تخص الا عصرها ولا تهمنا الان الا كالحيوانات المنقرضة التى لم تتكيف مع الواقع الجديد ولا ملائمتها له . ورغم ذلك فحفريات الحيوانات المنقرضة تهمنا فى إكمال التاريخ الخاص بالطبقات الجيولوجية وسد الفراغ الناقص فى سلسلة الانساب الحيوانية والحلقات التطورية المتصلة . كذلك تلك النقاشات الفلسفية التى لم تترجم فى الغالب نهتم أن نجد عنها شيئاً هنا او هناك ما دمنا نهتم أن نكوِن فكرة أكثر ما يمكن كمالاً عن طبيعة هذا العصر . فكما انه لا يكفى لفهم سياسة دولة ما معرفة أقصى طرفى اليمين واليسار اى المتطرفين ذائعى الصيت فحسب ، ولكن كذلك ينبغى ملاحظة الفئات المتوسطة الهائمة والمختلطة من الوسط بيمينه ويساره ويمين اليسار ويسار اليمين ، اى فهم التدرج والاتصال فى الافكار واستخلاص المشترك والأساسى بينهم رغم كل ما يعلوه من خلاف . فهكذا هو الحال فى الفلسفة كما فى السياسة .
النظرة إلى العلاقة بين النظرية والممارسة في الماركسية التاريخية أدت إلى إسباغ طابع من الخفة على كتابات المنظرين الماركسيين، الأوائل خاصة، لما تحتويه من السجالات المباشرة، والبذاءات أحيانًا، مع وباتجاه المعاصرين وعلى خلفية قضايا محدودة بإطارها الزمني والسياسي. يتعين أن تتم إعادة قراءة لتلك المؤلفات بما يخلصها من طابعها ذاك (دون إغفال الأهمية التاريخية للسجالات نفسها ودلائلها) ويظهر الأفكار في إهابها النظري بما يمكن من مناقشته.
لا أنسب من فترات التأسيسات الفلسفية لغياب الآمال الكبرى لإجراء مراجعات كتلك، بما يفتح المجال لتأسيسات أخرى تكون روافدًا لمعارك قد لا نشهدها.
ذاك "كتيب" - بعد تخليصه من زوائده - فائق الأهمية في نقد المذهب النقدي التجريبي.