كنت أتنقل بين دور النشر المختلفة في معرض الكتاب، بحثا عن دار الميدان، لشراء رواية الدكتورة سها الديب "إدمان عاشقة" لكي اكتب رأيي فيها. التقيت الكاتب عبدالرحمن جاويش هناك بالصدفة، شخص خلوق ومهذب، لم أكن قد سمعت به ولا عن روايته "تحرش". ارتبك كثيرا وهو يكتب لي بعض الكلمات على سبيل الإهداء. قال في إهداءه إنه يتمنى أن تعجبني الرواية وأن أشتري عمله القادم، وأنا أعده بهذا بشرط أن يتلافى الأخطاء التي وقع فيها في روايته الأولى. بالمناسبة، لم أخبره أنني كاتب مثله، حتى لا أضاعف ارتباكه ولكنني وعدته بأن أقرأ روايته وأن أبدي رأيي فيها. وأرجو أن يتسع صدره لـ "انطباعاتي" وآرائي.
الرواية في مجملها جيدة جدا، اذا ما وضعنا في الاعتبار أنها العمل الأول للكاتب. تطرق الرواية مسألة حساسة، كما ينبيء عنوانها، ألا وهي تفشي التحرش الجنسي في المجتمع المصري الذي يدعي التدين!
الرواية تطرح رؤية مستقبلية لظاهرة التحرش (سنة 2032)، وكيف أن مصر العظيمة انعزلت تماما بعد أن قاطعتها دول العالم، لأنها بلد المتحرشين .. متحرشون من أجل التحرش فقط .. حتى الفتيات والسيدات المصريات في ذلك المستقبل البغيض لا زلن عذراوات بسبب اكتفائهن هن أيضا بالملاطفة والمداعبة والـ ... تحرش، دون أية رغبة في إقامة علاقة سوية وكاملة! وكم كنت أتمنى أن يجعل الكاتب فكرته أكثر شمولا، بأن يناقش التحرش بكل ألوانه، التحرش العاطفي والفكري والجنسي، لا أن يكون التحرش الجنسي هو الأرضية الأساسية التي بنى عليها روايته، مع تهميش النواحي الأخرى الأكثر خطورة للتحرش.....، كنت وقتها سأرفع لروايته القبعة.
الكاتب ينجح من الصفحات الأولى في جذبك للاستمرار في القراءة، بأسلوب شيق وعبارات سلسة، خالية من البهرجة اللغوية الزائدة، ولقد أنهيت الرواية في جلستين، وكان من الممكن أن انتهي منها في جلسة واحدة لولا أن تدوين الملاحظات أثناء القراءة كان يعطلني ويخرجني أحيانا من حالة الاندماج. وهذه نقطة تحسب للكاتب، فمن وجهة نظري نصف النجاح يكمن في التشويق، وهو ما كان حاضرا بوضوح في الرواية.
كان الكاتب موفقا في منح شخصيات روايته أبعادا تحقق لها الثراء الفني، بالذات شخصية إيهاب الذي باع أصدقاءه لأمن الدولة ثم باع نفسه حين قرر أن يستغل علمه كصيدلاني لإنتاج دواء يسهم في إرساء ظاهرة التحرش الجنسي أكثر وأكثر في المجتمع المصري، دون أن يبالي بأي قيم أو أخلاقيات سوى المادة.
وقع الكاتب في خطأ يتعلق بالخط الأساسي للرواية، فالرواية تتحدث في البداية عن عزوف الرجال عن الزواج، بسبب اكتفائهم بالتحرش بالفتيات في كل مكان .. في الشارع، في العمل، في المواصلات .... الخ، ممثلا هذا في سكرتير الرئيس الذي وصل إلى الخامسة والثلاثين من عمره دون أن يفكر بالزواج ... ثم بعد ذلك تقودنا الرواية للحديث عن المناضلة المحامية "ياردينا" يهودية الأصل (والتي لم يكن هناك ضرورة درامية ملحة لجعلها يهودية) التي تتلقى المئات بل ربما الآلاف من مشاكل الزوجات مع أزواجهن؟! وهو في رأيي تناقض غريب، فكيف يعزف الرجال عن الزواج ثم نجد كثيرا من الزوجات يشتكين أزواجهن؟! والأغرب أن الزوجات يشتكين من عزوف أزواجهن عنهن، يعزفن عن ماذا؟ .. عن التحرش بزوجاتهن؟ فالرواية تتحدث عن مجتمع غابت فيه العلاقة الجنسية الكاملة بين الرجل والمرأة ليحل محلها التحرش، وهذا بالتبعية يعني أنه لن تكون هناك ذرية، اذن فما معنى الزواج أصلا وما لزومه؟! .. أن يتحرش الرجل بزوجته في الحلال مثلا؟ أي حلال في مجتمع مشوه يمارس التحرش في كل مكان وكأنه أمر طبيعي؟ .. كان الأحرى بالكاتب أن يدعم فكرة التحرش، بانتهاء ظاهرة الزواج، نظرا لاكتفاء الشباب والرجال بالتحرش فقط. ثم بعد ذلك تتفرع الفكرة تفرعا لم يصب في جوهر العمل، حينما تتطور الرواية للحديث عن الشذوذ الجنسي، ولا أعرف بالضبط لماذا تطرق الكاتب لتلك الظاهرة المختلفة كليا وجزئيا عن التحرش، فالتحرش، بكل قذارته، يؤكد ميل الرجل الفطري للمرأة، أما الشذوذ فمسألة أخرى تماما! لم يكن هناك أي داع لهذا التفرع في الفكرة.
الكاتب يخلط بين الفصحى والعامية في الحوار، وهي نقطة قد يراها البعض ضعفا في الأسلوب، بينما أراها أنا في صالح العمل إذا أجاد الكاتب استخدامها.
أحداث كثيرة بالرواية لم أجد لها مبررا سوى اكتساب تعاطف القاريء، مثل موت أحمد القاضي، الذي قضى حياته في المعتقلات بسبب مناهضته للنظام، ثم في النهاية يموت في حادثة عادية غير مدبرة؟!! مع أن موته في أحد المعتقلات منطقي أكثر، فكثير من السياسيين والصحفيين يموتون بسبب التعذيب في المعتقلات، وكان سيكسب القاريء نفس التعاطف المطلوب، بل ربما أكثر.
مثال آخر للمواقف غير المنطقية، ما فعله سمير ، حبيب داليا، بالكمساري الذي تحرش بداليا وهي تستقل الحافلة العامة، فقد قام سمير بالانتقام من الكمساري "حسان اللاجئ" بأن قيده بالحبال وقطع "ذكورته"، والرجل أصلا لا يستخدم "ذكورته" مثل كل الرجال، بل يكتفي بالتحرش باستخدام يديه، والعقوبة المنطقية في هذه الحالة، أن يقطع سمير يد الرجل التي امتدت على جسد حبيبته، حتى لا يستطيع التحرش بفتاة مرة أخرى .. هو لم يغتصب الفتاة ليقطع "ذكورته" عقابا له، وقطعه لـ "ذكورة" الرجل لم يمنعه من ممارسة التحرش في بلد المتحرشين! ناهيك عن أن سمير صعد للحافلة التي يعمل فيها الكمساري واختطفه وقيده وقطع "ذكورته" هكذا بمنتهى البساطة دون أن يعترضه أحد!!!
الكاتب تنقل كثيرا في سرده للأحداث بين أسلوب الغائب وضمير الراوي، لكن انتقالاته المتكررة بين الأسلوبين، أتت مشتتة للقاريء في بعض الأحيان، لكن دون أن تضر بتصاعد الأحداث.
اختيار الكاتب للألفاظ والتراكيب اللغوية كان موفقا بنسبة كبيرة، لكن عباراته جاءت ضعيفة في بعض الأحيان ، وهذا مقبول من كاتب في بداية مشواره الأدبي، وأنصح الكاتب بالتروي وعدم التسرع ومراجعة عمله القادم كثيرا قبل أن يقدم على نشره .... وكذلك وجدت عددا غير قليل من الأخطاء النحوية والإملائية، فالكاتب على سبيل المثال يستخدم لفظة "سوياً" بدلا من "سوية" في أكثر من موضع، مع الاختلاف التام في المعنى، وهو ما يجعلني أتساءل عن دور المصحح اللغوي في هذه الرواية؟!
الملاحظ أن معظم الكتاب الشباب يتعجلون النشر دون أن يتركوا الفرصة لكتاباتهم لتختمر وتنضج، فتخرج للقاريء في أفضل صورة ممكنة. لماذا يتعجلون النشر .. للشهرة مثلاً؟ الشهرة ستأتي لا محالة إذا تسلح الكاتب بالتروي والإجادة، لكن التسرع في نشر عمل يمتليء بالعثرات الفنية واللغوية، يضر بالكاتب ويؤخره خطوات للوراء.
أخيرا أقول إن الرواية فكرتها جيدة جدا وغير مكررة، لم أشعر بأي ملل أثناء قراءتها، ولكنها كانت بحاجة لرؤية أكثر عمقا وأكثر شمولا .. ادعوكم جميعا لقراءتها لتتعرفوا على عالم عبدالرحمن جاويش .. وأنصح الكاتب الواعد بالعمل على تطوير لغته وأسلوبه، فهما أساس أي عمل روائي. تحياتي لكم جميعا.
رواية اجتماعية بترصد التحرش زي عنوان الكتاب بس بتناقشه بطريقة مختلفة جدا عن العادة .. بيجمع الكاتب شخصيات مختلفة بقصص مختلفة و يطرح كل قصة ف اطار مشوق بتربطهم علاقات معقدة ومتشابكة .. احداثها مشوقة وجريئة ..و اللغة والاسلوب مفهمش تعقيد .. النهاية اجمل مايكون و بتجمل رسالة .. حبيت الكتاب قوي و مستنية كتاب معرض الكتاب :) بديها تلات نجوم لان الرواية بتعتبر الاولى للكاتب على امل و على طمع اشوف اللي احسن :)
الفكرة جديدة وفى وقتها يقدم عرض لظاهرة التحرش واسبابها وحلول لعلاجها علماً بأن الرواية تدور فى عام 2032 من خلال رئيس الوزراء المصرى الذى يقلب موازين المجتمع رأساً على عقب . اللغة والصياغة جيدة وان كان هناك بعض الأخطاء اللغوية .عنصر التشويق فى الرواية يجعلك تنهيها فى جلسة واحدة فالكاتب يسير على خطى علاء الأسوانى حيث يترك الشخصية فى ذروة الأحداث وينتقل لشخصية أخرى .جيدة بالنسبة للمحاولة الأولى .
طرح هذا الموضوع و الظاهرة الاجتماعية الخطيرة هو أمر يستحق التقدير والاحترام؛إذ إن الغاية نبيلة. .
لكن سرعة الطرح و التشخيص للحالات في مجتمع كمصر يمثل الطبيعة البشرية لمعظم الشعوب العربية،أعتقد أنه أثر على الشكل العام لحلها. . لم يقنعني الحل بكل بساطته.