كالعادة يختلط الأمر على قارئ كمال صليبي فلا يعرف عند كل كتاب هل هو قصة أدبية واقعية أم كتاب علمي شيّق. هذا الكتاب قديم وكتب أوائل الحرب الأهلية اللبنانية، لكن رأت ترجمته العربية النور أوائل الحرب الأهلية السورية. ويقوم كاتبه، ليؤرّخ لبلاد الشام بين الفتح العربي والغزو الصليبي، بنسج حكايته من خيطين متوازيين يلخّص عبرهما قصة هذه الأرض المشاغبة: تاريخ الملوك الأعلى، وتاريخ السكان الأدنى، فيركز على تحديات الحاكمين وثورات المحكومين ليصل إلى خلاصة مفادها أن بلاد الشام لم تعرف في تاريخها الاستقرار والازدهار العام والطويل.
بدأ الفتح العربي بعد تداعي النظام الهلنستي الإغريقي في النصف الأول من الألفية الميلادية الأولى والذي لم يكن أكثر من لمعان مديني سطحي طالما تململ من تحت قشرته البدو والفلاحون، فجاء الإسلام (622م) بانقلاب اجتماعي وثورة قبلية عارمة، ثبّتت أركان الحكم الأموي (661م) عسكرياً في البداية أثناء تعريب التراث السياسي البيزنطي، غير أنها سرعان ما سبّبت المتاعب للإمبراطورية الشابّة وقوّضت سلطتها في آخر المطاف، ومن جهة أخرى بدأت البدع الدينية تطفو على سطح الإسلام وكانت أولاها الكنيسة المارونية في وادي العاصي (يرى صليبي أنها تمرّد مسيحي ريفي على كنائس المدن)، وبعد انهيار الإدارة الأموية وفشل سياستها القبلية، وبروز بلاد فارس كالمركز الرئيسي للطاقة البشرية الإسلامية القابلة للتجنيد، اندلعت الثورة العباسية (750م) المسلّحة بالخبرة الساسانية والجيش النظامي، الذي سيلجأ عما قليل إلى تجنيد القبائل التركية بدلاً من قبائل العرب، غير أن السلطة الجديدة لقيت أيضاً مقاومة ضارية من القوى القبلية المحلية، التي انقسمت بين بني كلب شمالاً وكلاب وسطاً وطيّ جنوباً، قبل أن تتفكك المركزية العباسية نهائياً (820م وما بعد) إلى ممالك محلية لا تهدأ نزاعاتها، ورغم الانتعاش الحمداني الوجيز بين الموصل وحلب (890م) لم تهدأ الصراعات مع بيزنطيي الأناضول وإخشيديي ثم فاطميي مصر، وانتشرت بين صفوف الطبقات الدنيا البدع الإسلامية بتأثير فارسي وهندي وإغريقي، فبرز القرامطة كقوّة رافعة للعديد من الثورات الريفية، وحلّت الاتجاهات الشيعية من إمامية (مدينية) ونصيرية (ريفية) وبعد ذلك إسماعيلية (فاطمية) ثم درزية (يفسرها صليبي كغلوّ إسماعيلي في تقديس الإمام-الخليفة الفاطمي طوّره مهاجرون ترك وفرس في مصر رداً على التقية الرسمية وفي وجه الأكثرية السنية) وكلها في جزء منها وسائل تمرّد شعبي فوضوي على النظام القائم، ثم توالت بعد الدولة الحمدانية الدول الشيعية الأخرى كالمرداسية والعُقيلية في حلب والموصل وكذلك بني عمار في طرابلس وبني عَقيل في صور وكلهم لعب لعبة الابتزاز بين فاطميي مصر وبويهيي العراق، بينما بلغ الصراع الفاطمي البيزنطي على الساحل الشامي أوجَه، ولم يكن للحكام بدّ من الاستزلام للدول العظمى، كما لجأ أهل المدن لتنظيم عصابات شبه قبلية من «الأحداث» لصدّ مختلف أشكال الغزو المحتمل، واستمرت القلاقل إلى أن استقر حكم السلاجقة في أصفهان وبدأت قبائل التركمان تصل إلى الأناضول وبلاد الشام، وما إن استقرت الأمور بين القوى الإقليمية الكبرى من سلجوقية وبيزنطية وفاطمية، وتقاسم دُقاق ورضوان وياغسيان دمشق وحلب وأنطاكية، حتى دخلت حشود الأوربيين المجهولين أرض أنطاكية (1097) ووضعت حداً لكل تلك المعادلة.
هذا الكتاب هو أقرب للمرجع عن العصور الاسلامية الاولى في بلاد الشام،، يتضمن سردا مفصلا جدا مما يجعله كتابا جافا للقارئ العادي،، يعتمد على كثير من المصادر التي استمتعت بقراءة النصوص الواردة منها بلغتها العربية القديمة التي تستهويني احيانا
الحمد لله استمتعت بالكتاب جداً واستفدت منه جداً بالذات الجزء المتعلق بتأثير القيلية على الأوضاع السياسية في بلاد الشام . الكتاب منصف الى حد كبير و بيبص على زوايا كتير لتحليل الأحداث و شرحها
يشرح المؤرخ كمال صليبي تاريخ بلاد الشام خلال القرون الخمسة الاولى من الحكم الاسلامي حتى وصول الحملة الصليبية الاولى لانطاكية عام ١٠٩٧ مركزا على الترابط بين الوعورة الطبوغرافية للبلاد وخصوصية شعبها و انشقاقه لفئات مما جعل ادارة الحكم المنسقة و المنظمة فيها صعبة ان لم تكن مستحيلة احيانا بالاضافة الى عامل التحالفات السياسية بين حكامها المحليين وبين القوى الكبرى المتواجدة حولها في بغداد (العباسيين) و انطاكية (الصليبيين) و مصر(الفاطميين). يتناول الكتاب تاريخ كل منطقة من مناطق بلاد الشام خلال فترة زمنية محددة، ومن ثم يتناول تاريخ منطقة ثانية بنفس الفترة مما جعله مضطرا لاعادة الاحداث لربطها ببعضها مما قد يربك القارئ بعض الشيء و لهذا كان تقييمي ب ٤/٥ ...
يأتي كتاب "بلاد الشام في العصور الإسلامية الأولى" للمؤرخ كمال الصليبي كنوع من إحاطة كاملة ومفصّلة وعميقة لتحليل ورصد الحراك التاريخي للقبائل العربية قبل وأثناء وبعد الفتح العربي لمناطق الشام. قبل الفتح العربي باعتبار أن مملكة الغساسنة لم تكن هي أولى الإمارات العربية التي ازدهرت في المناطق الحدودية الصحراوية من بلاد الشام. فهناك الإدوميون والمؤابيون وشعوب أخرى مصنّفة تقليديا ضمن العرب قد أنشأوا ممالك، منها مملكة الأنباط ومملكة تدمر التي مدّت سيطرتها على معظم بلاد الشام.
الصليبي يرصد لنا الفترة منذ الفتح العربي حتى وصول الإفرنج إلى أنطاكية سنة ١٠٩٧. بدأت تلك المرحلة بعد تداعي النظام الإغريقي الهلّيني في بلاد الشام، وظهور الرجعية من جديد المتمثلة بتقاليد ضيّقة قديمة تتشبث بها القبائل في الأرياف، وتُترجم نوع من مقاومة محلية ضدّ النظام القائم، مدعومة من قوى قبلية من شبه الجزيرة العربية.
وباعتبار أن الصليبي مراقباً غير مُلمّ بالمسائل الدينية وتفاصيلها، حسب اعترافه، اعتبر أن الإجتياحات وهجرات القبائل إلى بلاد الشام بدت كانفجار شامل للقوى القبَلية، رغم محاولات الأمويين ثم العباسيّين وأخيراً الطولونيين، المحافظة على شبه حدود بوجه قوى الصحراء.
بدأ المؤرخ الصليبي دراسته التفصيلية من خلال التجربة الأموية في الشام. بالرغم من بعض النجاحات في البداية، فشلت التجربة في بلاد الشام. فقد كانت القبائل العربية، التي حاول الأمويون لجم مطامحها العماد العسكري لسلالتهم، وكان عليهم على الدوام تقديم التنازلات أمام مطالبها النهمة على حساب الانتظام الإداري. وبحلول منتصف القرن الثامن، سئم الخلفاء الدمشقيون الفشل المتكرر لجهودهم الرامية إلى ضبط الفوضى في مقاطعتهم فأخذوا يجارونها باستسلام متهوّر. وعندما شارف العهد الأموي على الانتهاء كانت القبلية العربية في بلاد الشام قد بدأت تسلك الطريق إلى الانتصار.
الصليبي اعتبر "أن الشيعة، كعقيدة، قد تجذّرت في بعض المناطق القبلية في بلاد الشام (على الأخص جبل عامل، في الجليل) منذ وقت مبكر. ولا ريب أن سوء إدارة الشؤون القبلية العربية الذي أبداه الخلفاء الأمويون المتأخرون ساهم في نموّ الشيعية في بلاد الشام، رغم أن الحكم الأموي ظل يتمتع على ما يبدو بشعبية في المدن والمناطق المحظية، كدمشق وفلسطين، حتّى النهاية".
ثم انتقل الكاتب إلى الحقبة العباسية، إذ أصبحت بلاد الشام، التي كانت في الماضي قلب الحكم الإسلامي، تُدار مثل مصر كمقاطعة عبّاسية تحكمها سلسلة من أقرباء الخلفاء الحاكمين. وكان من الطبيعي أن يؤدّي تثبيت العراق كالمحور الأساسي الجديد للإمبراطورية الإسلامية إلى تقهقر إضافي لمدن بلاد الشام. ومع ذلك، ظلت التحصينات العسكرية لمدن بلاد الشام وبلداتها مصانة، لا بل إنّ العبّاسيّين في الواقع قد حسّنوها، على الأخص في المدن الساحلية والثغور على طول حدود الأناضول. إلّا أنّ الانحطاط استمرّ من الناحية الاقتصادية.
وكإحاطة شاملة للتجربة العباسية في القرنين الثامن والتاسع، توصل الصليبي الى اعتبار أن الخلفاء العباسيون بإدارتهم الجيدة للدواوين وبقواتهم المسلحة المنضبطة والمختلطة عرقياً، حاولوا إدخال نظامهم المديني المرتّب إلى بلاد الشام. إلا أن القوى المحلية للقبَلية أبدت مقاومة ضارية لم يتمكن تصميم العباسيين من قهرها في النهاية.
لاحظ الصليبي من خلال دراسته أن انتشار الأديان العظمى، بأشكالها الخارجة عن الإجماع، أتى متطابق للعصبية القبلية وروح العصيان والثورة والحزبية والفوضى وحب التآمر والمكائد عند العشائر في بلاد الشام، والذين يسكنون المناطق الجبلية والمرتفعات. بعكس سكان المدن والفلاحين المستكينين، الذين تقبلوا الأديان العظمى بالطريقة القويمة، أي ببدع قليلة. ولهذا السبب، أصبحت بلاد الشام الملاذ المفضّل لمختلف المذاهب الشيعية التي كانت ترفض الاعتراف بشرعية الخلافة العباسية. وأصبحت السَّلَمية، إحدى مدن الشام، مقر الإمام الإسماعيلي الغائب الذي فرّ إلى شمالي أفريقيا ليؤسس الخلافة عام ٩٠٩م. في الوقت نفسه، قامت سلسلة من الاجتياحات لبلاد الشام على يد القرامطة، القبائل الآتية من شرقي الجزيرة العربية، ودفعت الفوضى المتأصلة في بلاد الشام إلى أقصى حدّها، ووضعت البلاد في حالة تشوّش مطلقة.
ومع بروز التنافس بين الفاطميين والبيزنطيين على أرض الشام، بسبب موقعها الاستراتيجي الذي نما مع الانتعاش التدريجي للتجارة في أوروبا الغربية وظهور الملكيات الإقطاعية في فرنسا وألمانيا وبروز المدن الإيطالية كمراكز مزدهرة للتبادل التجاري، بدأت تظهر التوترات بين الأهالي المسلمين والمسيحيين، مما أدى إلى انفجارات عنف من حين إلى آخر.
مثل الخلافة العباسية، حاولت الخلافة الفاطمية تطوير نظام مديني مسلم في بلاد الشام، إلا أن القبلية في أواخر القرن العاشر وأوائل الحادي عشر، كانت في ذروتها وأثبتت أن إخضاعها مستحيل. كذلك الأمر في المدن، فالأقليات التجارية المهيمنة التي بدأت تبرز أظهرت أنها رافضة للتخلي عن نفوذها المحلّي والانصياع لسيطرة أجنبية.
وبدءاً من القرن العاشر، وفي ظل غياب إدارة منظمة للدولة أو شبه غيابها، حاولت سلسلة متعاقبة من الإمارات الإقليمية والحكومات المدينية الاستبدادية التكيف مع الفوضى القبلية المتفشية والمنتشرة حولها. وفى بعض الحالات – كما في حلب الحمدانيين والمرداسيين، فإنّ إمارات إقليمية، كانت هي نفسها من أصل قبلي، حاولت أن تتوصل إلى تفاهم مع القبائل المحلية عن طريق استرضائها بالامتيازات، تماماً كما فعل الأمويون في عهدهم. وفي حالات أخرى، حاولت سلالات محلية حاكمة أن تستمر بالسلطة عن طريق الإستزلام لدولة مستعمرة مسلمة كالفاطمية أو السلاجقة، أو غير مسلمة كالبيزنطية. وفي حالات أخرى أيضاً، كان هناك نوع من رعاية لتنظيم عصابات شبه قبلية للدفاع عن المدن، كانت في بعض الأحيان تبدأ باتباع سياساتها الخاصة، فتنقلب على السلطة في الحكم ليحكموها كطغاة معطلين الحياة المدينية المنظمة.
الصليبي اعتبر أن قدوم السلاجقة كان باباً لإدخال مفاهيمهم المتطورة للنظام المدنيّ وتطبيقه في مدن مثل دمشق وحلب. وتوصل إلى قناعة أن لو دامت سيطرة السلاجقة على الأراضي الشرقية للإسلام، لكان التمدن، الذي انتشر في بلاد الشام تحت رعايتهم الفعّالة، انتصر قبل مرور زمن طويل. لكن مملكة السلاجقة لم تدم طويلاً، وقد بدأت بالتفسخ بعد العام ١٠٩٢م، مثل سائر الممالك الإسلامية التي سبقتها تحت وقع القوى الإقليمية والقبلية البالية التي فشلت في محوها.
أنهى الصليبي دراسته عند الفترة التي احتشد الفرنجة فيها على أبواب الشام، وقد بادر بعض المسيحيين المحليين على الفور إلى الاحتشاد لمساندتهم، وبعض المسلمين إلى عقد الصلح معهم، وحتى إلى عرض المساعدة عليهم.
كتاب جميل جدا. كتابة التاريخ صعبة جدا، لأن التاريخ يتكون من عدد غير قليل من السرديات التي قد تلتقي وتفترق. لذا يكون على الكاتب أن يبرع في دمج السريات بأقل الخسائر الممكنة من ضياع والتباس وقفز على خط الوقت. هناك ملاحظتين فقط: الكتاب يركز بشكل كبير على الحروب من دون إعطاء الكثير من المساحة للتغيرات السوسيو إكونومية والثقافية إلا فيما ندر. هناك بعض الإسنتتاجات التي عرضها الكاتب دون أن يشاركنا السياق المنطقي الذي أوصله إليها. قد تقون إفتراضات وهذه يؤذي مهنية الكاتب وأمانته التأريخية.
عندما تقرأ كمال الصليبي يؤرخ و يجتهد في الحدث و التاريخ تشعر و كأنه يحدق في المجهول و يطالع مارد مخبأ بكل ثبات و اقل انفعال و بود كبير فينصرف عنه المارد تاركا له جزء من مغارته يتأملها و ما ان تتعود عيناه الظلام حتى يتحرك و يبحث و يعبث ثم يسكب كل هذا التأمل و البحث و العبث على الورق و بثقة كبيرة و لغة رصينة و جميلة و خاصة جدا
في هذا الكتاب المترجم عن الانكليزية يتحدث كمال الصليبي بأسلوب سلس و شيق عن أهم الأحداث التي عصفت ببلاد الشام منذ بوادر الفتوحات الإسلامية عام ٦٣٤ م و انتهاء بوصول الفرنجة إلى أنطاكية عام ١٠٩٧ م عارضاً لأهم التغيرات السياسية و الاجتماعية بعد انتهاء الحقبة البيزنطية و اليونانية التي استمرّت لمئات السنين و تركت بصمتها في الحياة المدنية لتلك المنطقة. يبدأ الكتاب بعرض تفصيلي لجغرافيه المنطقة ثم يعرض لتاريخ الهجرات العربية إلى بلاد الشام قبل الإسلام لينتقل بعدها للفتوح الإسلامية التي اعتبرها بمثابة "انفجار قبلي هائل" لسكان القبائل العربية المقيمة على الأطراف الشمالية للجزيرة العربية إلى داخل هذه البلاد و ما تبعه ذلك من تغيرات اجتماعية عميقة و كثير من الاضطرابات اللاحقة.
يركز الكتاب أيضاً في الانقسامات المذهبية التي برزت في الدين الإسلامي في نهايات القرن التاسع الميلادي (سنة و شيعة و إسماعيلية و نصيرية ) و الدور الحاسم الذي لعبته تلك الانقسامات في رسم سياسات المنطقة،خصوصاّ في فترة ضعف الخلافة العباسية و ظهور أمارات مستقلة انشأها قادة طموحون من القبائل العربية استفادو من ضعف مركزية الدولة و دخلوا هم بدورهم في صراعات لا تنتهي بين بعضهم البعض لبسط النفوذ على المناطق المختلفة، فمن قرامطة و حمدانيين و مرداسيين الى فاطميين و سلاجقة اضافة إلى عدد كبير من الزعماء المحليين، كل اولئك تركو بصمتهم في تاريخ بلاد الشام خلال ما يقرب من أربعمئة و خمسين سنة قبل ان تصل جحافل الصليبيين للمنطقة في نهايات القرن الحادي عشر.
كتاب تاريخي ممتع، كبقية كتابات كمال الصليبي. يظهر من جهة أن التاريخ يكرر نفسه من فترة لأخرى في بلاد الشام، وبصورة مأساوية. ويبين من جهة ثانية صحة وجهة نظري الشخصية أن مشترك (مجتمع/متحد) بلاد الشام والرافدين ما هو إلا نتاج صراع ضمني خفي لمجتمعات ثلاث واحدها بدوي رعوي، وثانيها ريفي زراعي، وثالثها حضري مدني.