في شقتها في الطابق التاسع، تعيش الست مي وحيدة. ومن على شرفة سنواتها التي تعدو الثمانين، تطلّ على بيروت تتفقد أحوالها وتحولاتها. ولداها مسافران وقد أوكلا أمر الاعتناء بها إلى ناطور العمارة يوسف، وطبيب العائلة داود... ذات يوم تُفاجأ مي بصوت يناديها. من يكون الزائر، وكيف تُراه تمكن من الدخول والوقت فجر، والشقة مغلقة لا ببوابة واحدة، بل بإثنتين؟! رواية عن فخاخ الذاكرة ورضوض القلب، وامتناع الرغبة بالتورّط، حتى مع قطّة.
عن الذاكرة و الذكريات "مي" ليست مجرد سيدة عجوز وحيدة بل هي شاهدة على تغير الزمن و تغير الجسد و توحش الذاكرة و غربة الذات عن نفسها فنحن شهود على هذا التغير من خلال سباتها في بيتها عبر تنقلها في غرفه و علاقتها الوحيدة مع ناطور العمارة يوسف و القطة التي اختارت ان تعيش معها . عمل يكشف عن مخاوف الشيخوخة و ألم الوحدة و تشظي الذات.
من أقسى و اروع ما قرأت ... رواية قلّ ما توجد كهذه: عميقة في معناها، شفافة في أسلوبها. فتحت أمامي أبواباً لم أعرف أنني أحتفظ بها، ثم تركتني أتساءل انتهت القراءة، لكن الرواية لم تنتهِ. بقيت باقية في روحي
رواية غيبة مي لنجوى بركات، التي وصلت إلى القائمة الطويلة ومن ثم إلى القائمة القصيرة لجائزة البوكر العربية 2026، تبدو في ظاهرها محاولة جريئة للغوص في أعماق الذاكرة والشيخوخة والفقدان النفسي والاجتماعي، من خلال شخصية امرأة ثمانينية تعيش بمفردها في شقة في بيروت وتصارع ذاكرتها المتلاشية وحضور الماضي المختلط مع الحاضر، لكن ما كان يمكن أن يكون عملاً روائيًا قويًا ومؤثرًا، سرعان ما يتحول إلى تجربة قراءة متعبة بفعل التمدد السردي والتفاصيل الحشوية التي تملأ الصفحات بلا غاية واضحة تتناسب مع الثيمة الأساسية للرواية.
فقد انشغلت الرواية في مساحات واسعة من نصها بوصف دقيق جدًا لأشياء يومية ومشاهد صغيرة لا تضيف أكثر من وزن إضافي للقارئ الذي يبحث عن وتيرة سردية متماسكة، فتنقلنا من تفاصيل مشهد الاستحمام والحمام اليومي وشعور الجسد المتداعي إلى استرجاعات طفولية وحوارات خيالية وكأنها مونو دراما طويلة بلا توقف، وقد يبدو هذا الأسلوب ممتعًا لدى البعض ممن يحبون التدقيق في تفاصيل النفس البشرية، لكنه في محصلته يفقد النص خفّة الحركة والفعالية الدرامية التي تجعل القارئ مرتبطًا بالشخصية وقصتها بدلًا من الشعور بالانشغال بتفاصيل لا ترتبط دائمًا بسياقها العام.
ولئن كانت هناك نوايا جيدة في استحضار مخاوف الشيخوخة والذاكرة والوجود، فإن الإطالة في السرد ومبالغة الحشو تؤدي في كثير من الأحيان إلى تشتت الانتباه وإحساس بالرتابة بدلًا من تعزيز ثيمة الرواية، مما يطرح سؤالًا مهمًا حول ما إذا كانت هذه الزوائد السردية تخدم الغاية الفنية أم أنها أضرت برحلة القارئ داخل النص.
في نهاية المطاف، غيبة مي عمل طموح في موضوعه، لكنه يتطلب صبرًا طويلًا من القارئ، وربما كان من الأفضل لو تم اختصار بعض فصوله وتكثيف اللحظات الجوهرية بدلًا من التوقف عند كل تفصيلة ، لأن الكتابة السردية الجيدة ليست بطولها وحده بل بقدرتها على اختزال المعنى وإيصال الإحساس بفعالية. تقييمي (2.5/5)
قلّة هي الروايات التي تبدأ بداية رتيبة ثم تفاجئك بأحداثٍ غير متوقعة، وهذه واحدة منها.🫡
تبدأ الحكاية بيوميات "الست مي"، سيدة في الرابعة والثمانين من عمرها تعيش في شقة فاخرة في الطابق التاسع من أحد مباني بيروت. تبدو أيامها عادية، لكنها مشبعة بهواجس الشيخوخة والقلق من تدهور الجسد... غير أنّ خوفها الأكبر لم يكن من العجز، بل من انطفاء عقلها. خوفٌ يتسلّل إليها عندما تظهر سيدة غريبة – لكنها مألوفة على نحوٍ غامض – في صالونها.
في القسم الثاني، تُكشف هوية هذه السيدة ويكتشف القارئ معها سرّ "الغيبة" التي دامت سبع سنوات، وكانت بداية انهيار مي وإصابتها بما أصاب جدّتها من قبل، وهنا كان السؤال: هل كانت علاقتها السامة في شبابها مجرّد تكرارٍ لـ"لعنة" عائلية تتوارثها النساء؟ أم أن سوء الطالع هو نصيبٌ لا فكاك منه؟
بلغة شاعرية وواقعية مستخدمة تقنية تيار الوعي، نسجت نجوى بركات عوالم مي النفسية ببراعة، جعلتنا نعيش مخاوف الشيخوخة وفقدان الذاكرة، ثم فتحت أمامنا دفاتر الماضي المليئة بالألم والخذلان.
ولا تغيب هموم اللبنانيين عن الرواية، من انهيار الليرة وسرقة الودائع إلى انفجار المرفأ :
"لا أظن أحداً في الكرة الأرضية قاطبة عايش ما عرفناه هنا منذ خمسة أعوام." "نحن مواطنون يتامى، لا دولة تهتم بنا ولا مؤسسات."
كما يحضر اللاجؤون السوريون عبر شخصية الناطور يوسف، ومن خلاله العلاقة المعقدة بين اللبنانيين والسوريين، وتشابه محنة الشعبين والبلدين.
وإلى جانب الهموم الإنسانية، لم تغفل الرواية مآسي الكائنات الهامشية، فمن خلال علاقة مي المعقدة بالقطة "فريدا"، ترصد الكاتبة انعكاس الانهيار الاقتصادي حتى على الحيوانات الأليفة في بيروت؛ كيف تحوّل الاعتناء بها إلى عبءٍ إضافي في زمن الغلاء.
🎭 رواية مؤثرة جداً وهي واحدة من أجمل قراءاتي هذا العام 👍
غيبة مي رواية تحكي عن خيبات العشق وتداعيات الشيخوخة وألاعيب الذاكرة الماكرة…مي شخصية تعيش حاضرا ينبىء بالأفول !!، هي في حالة صراع مع تحدّيات الكِبر والعجز تبحث عن سر غيبةٍ محتها ذاكرتها كأداة نفسية دفاعية ضد صدمة قاتلة عاشتها في شبابها…. باختصار رواية تسرد بتفاصيل جارحة في واقعيتها حالة التدهور الجسدي والذهني والعاطفي المخيف التي ترافق الانسان في آخر ايامه، كما تنبش في ماضٍ منسي عن التأثير المدمّر للعلاقة الغرامية السامة على سلوك الشخصية وخياراتها… لغة الرواية جميلة، تقنيات السرد بسيطة !!! تمكنت الكاتبة من استدراجنا الى دواخل عالم مي،السيدة الثمانينية ،شاركتنا هواجسها ،تحدياتها الحياتية اليومية، عزلتها وطريقة مقارباتها للأمور…. وبتركيبة متسّقة مع حالة الشخصية وعمرها ، نقلتنا الى عشرينيات مي التي عاشت تجربة حب فاشلة وصادمة ألقت بوزرها على كامل حياتها. رواية سلسة تشبه روايات الحب الكلاسيكية: عشق عنيف وخيبة مدمّرة وشيخوخة تمهّد لغياب دائم… عيب الرواية انها خلت من الإبهار !!! فالقارىء كان باستطاعته استباق الاحداث وفهم الحبكة بلا عناء… فانتفى عامل التشويق وجاء فصل يوسف ليفسّر المفسّر فكان كاستاذ يعيد شرح الدرس لمن لم يفهم من المرة الاولى مع رشة بهار عن النظرة للوافدين السوريين… كنت اتمنى ان تبقي الرواية جانبا من الغموض يلاعب خيال القارىء ولا تكون بتلك المباشرة ….
جو الكتاب المثقل واضحًا منذ البداية، مما يوحي باستكشاف عميق لمخاوفنا وللنفس الانسانية. أدهشني بشكل خاص كيف بدت البيئة والشخصيات وكأنها تنبعث من بطلة الرواية، في قصة من واقع المسن اللبناني قصة تتكلم عن الوحدة والشيخوخة والذكريات والاهتمام والرعاية والموت. في بعض الومضات تذكرنا الرواية بروايتيّ "مئة عام من العزلة" و"la vie devant soi" شخصية الزوج لم تكن ناضجة كفاية، بدا وكأنه مجرد فكرة اضيفت في مرحلة لاحقة من تكوين القصة. كان الأب شخصيتي المفضلة غيبة ماي كتاب أتوقع أن يبقى في ذاكرة القراء لفترة طويلة
مي ... هذه رواية بدأت بالإسم وتلاها الغموض ... بيروت، ب شوارعها، سكانها، محلاتها، وتاريخها الجميل منذ الستينات حتى يومنا هذا. عاشت الألم، الصدمة، القهر، الحلم، الحب، الحرب، والخذلان. بسرد لطيف ولغة جميلة، كنت قد فهمت من هي مي، وحيدة، تتألم، أرادت أن تتحدى كل شيء وتعيش حلمها رغم كل الخسائر، ويبقى السؤال متى ؟ عندما فهمت معنى "نحن إعتدنا العيش على لطف الغرباء" لأن من لنا قد خذلونا.
كانت البداية بطيئة، إذ جعلتني أعتقد أنّي أقرأ يوميات ست عجوز عاديّة. لكننا غالبًا ما ننسى أنّه لكلّ ست عجوز قصة وماضٍ، وللست ميّ ماضٍ مؤلم جعلها ما هي عليه. شعرت بالأسى لما آلت إليه هذه الصبيّة التي كانت يومًا مفعمة بالحياة والطموحات، فغدت عجوزًا وحيدة لا يؤنسها سوى ناطور سيرلانكيّة ومواء قطة. ربّما فقدان الذاكرة نعمة!
#غيبة_مي #نجوى_بركات ست مي الثمانينية المتمترسة بشقتها في الطابق التاسع في بناية فخمة بأحدى احياء بيروت الفاخرة المطلة على البحر، تروي لنا معاناة بيروت خلال السنوات الاخيرة، منذ ثورة ٢٠١٩ وانهيار العملة وازمة المصارف وانفجار المرفأ وما رافق ذلك من تدهور في البلد تزامن مع تدهور ذاكرتها التي صارت تمارس معها العاب كأن تسترجع ذكريات مي الطفلة مع والدها الحنون قي كل ما تقوم به في يومياتها الرتيبة، وكأن تعود مي الصبية من غيبتها لتخبرها ما سقط من ذاكرتها منذ كانت نجمة المسرح حتى عادت اما لتؤام في السابعة من عمرهما . حاولت مي ان تتقبل دور الامومة لكنها لم تنجح فيها مثل ما نجحت بادوارها المسرحية. في السرد تقمصت نجوى بركات جسد وفكر مي العجوز فابدعت بوصف كل التغيرات التي تصاحب كبر السن والوحدة التي يعاني منها اغلب كبارنا بعد ما سرقت الغربة ابنائهم. في الخلفية كان يوسف الناطور السوري حاضرا دائما ليكون البديل عن توأمها البعيدين، ليجد نفسه متورطا في حب أمومي لهذه السيدة النزقة بدا واضحا في سرده لايامها الاخيرة وخاصة اللحظة التي نزلت فيها عن المسرح للمرة الاخيرة، صارخة بجملة بلانش الاخيرة من مسرحية "عربة اسمها الرغبة": فأنا لطالما اعتمدت على لطف الغرباء.
من الرواية:
"ما عدت انظر إلى نفسي في مرايا ما أمنتُها يوما لأن ما تعكسه دائما مجرد وهم. المرايا لا ترينا يما نحن عليه، بل ما نريد ان نراه فيها..."
"لم ترانا لا نصدق كائننا الداخلي الصغير جدا، ذاك الملاك المختبىء في مكان ما في ذواتنا، يحاول تنبيهنا وتحذيرنا ممّا نحن مقبلون عليه. يصرخ ويقفز ويخبط بيديه وقدميه على جدران نفوسنا كي يبلغ مسامعنا، لكنه صغير ٌجداً في داخل عملاق نزق لا يعيره انتباهاً. نضع يدينا في النار، ثم نتندّم كيف اننا أسكتناه وأطلقنا في وجهه صخب العالم لكي يخفيه."
"نحن لا نغير احداً، يا مي، كل ما في الأمر ان الآخر يُخفي وجهه الحقيقي، يمسكه برسن ألى ان يجيء وقت إفلاته."
في البداية انسجمت مع تلك الذكريات التي كانت تبثها مي..تلك العجوز التي بلغت الثمانين، وتسكن وحيدة في الطابق التاسع، ويقوم برعايتها حارس العمارة وطبيبها، بتوصية من أبنيها المغتربين.. تتحدث عن مشاعرها إزاء الكثير من الأحداث والآلام التي شهدتها بلادها..وتعود بالزمن أكثر وأكثر فتتحدث عن مشاعرها تجاه والدها ومرض والدتها وكذلك وفاة زوجها.. نتعرف على طباعها وعاداتها وسلوكها..كيف تمر عليها الأيام.. وكيف ترى هي أيامها..
ولكن لم أنسجم مع تلك الفترة الزمنية الي جاءت تلك الزائرة الخيالية لتعيدها إليها وتذكرها بها، الأحداث غير مقنعة ولا أدري لماذا اختارت الكاتبة هذا السيناريو لتمر به بطلة القصة مي؟..هل هي أحداث حقيقية عرفتها الكاتبة عن إحداهن.. فالقصة كانت غريبة عن فتاة تترك والدها المتعلقة به وتلجأ إلى المساكنة مع شخص يهينها، وتعود لتجد والدها مريضا وبعد موته تعود مرة أخرى لنفس الشخص الذي أذلها..بدلا من أن تفكر بنجاحها! فعلا فعلا هي أحداث يهرب منها أي شخص يكون قد مر بها ولا يتمنى أن يذكره بها أحد! وأعتقد أن غيبة مي كانت تلك السنوات السبع المريرة التي عاشتها وخرجت منها بمرض نفسي وألم، وأنقذها زواجها..
اللغة في الرواية واضحة وأسلوب السرد جميل.. وأختم باقتباسات وبعض من خواطر مي: - فالعجائز بصفة عامة لا يحبون الجديد، بل ما تَلِف مثلهم واعتادوه. العتيق أنيس ومطواع، أما الجديد فقاس وعدواني. -غريب كيف تختلف طبيعة الأشياء باختلاف النظر إليها؟!.. - الطعام اللذيذ يبدل أسوأ الأمزجة ويصالحك مع العالم لتصبح كائن صفاء وهناء. - حياتنا، هي لا تفلت منا بالموت فقط، بل بما يتبقى منها انتقائيا، في ذاكرة الآخرين. -نحن غالبا ما ننسى أن أهلنا عاشوا قبلنا، أنهم كانوا صغارا وكانت لهم حياة. - فالشاشة الصغيرة بالوعة كبيرة ينبغي إحكام سدها كي لا تتسرب منها فوضى العالم وروائح تحلله. - حين ننسى ملامح أحبتنا، لا بد وأن يحرنوا ويلتفتوا عنا إلى من يُبقون ذكراهم حيَّة. - نحن لا نغير أحدًا، يا مي كلُّ ما في الأمر أنَّ الآخر يُخفي وجهه الحقيقي، يُمسكه برسن إلى أن يجيء وقت إفلاته. - ينبغي أن أُفكر بالمصير المرعب الذي تؤول إليه أشياؤنا بعد مماتنا، لأسهل الأمر علي، وكيف تبخس وتُمتَهن وتُذَلّ، بعد أن كانت مميزة بالنسبة إلينا وغالية على القلب. ليتنا نسترجع عادة دفن الميت مع أغراضه، هكذا تحمى من عبث الأيادي وتفنى بفناء أصحابها. وأنا، ماذا كنتُ لأختار من أشيائي، لو قدر لي أن أختار؟
حتي منتصف الرواية هممت الي تقييمها ثلاثة من خمسة علي اقصي تقدير و الي ان بدأت ان اقرأ نصفها الاخير الي ان وصلت الي قمة المتعة والاثارة والتعاطف مع مي وقبل ان تنتهي قيمتها خمسه من خمسه ، اعتقد انها ستكون الرابحة بجائزة البوكر هذا العام ان لم تكن رواية اخري قد قررت الظفر بالجائزة
يالله كم هي جميلة مي وكم هو جميل أسلوب وسرد الكاتبة أحب الروايات التي يرافقني أبطالها حتى وأنا لا أقرأها كم فكرت بمي وأنا في العمل مشتاقة لأرجع للبيت لأقرأ عنها
كانت تجربة قراءة وعرة تحوّلت إلى إحساس بضرورة إنهائها لقضاء الواجب، ولمجرد إنهائها، لأن القصة كانت تبدو بلا حياة، ومتكلّفة كثيرًا، وإن صاحب ذلك انتعاشة أخيرة جاءت في الفصل الأخير، ولكن كان ذلك بعد فوات الأوان! فهذه الرواية عن حياة امرأة في الرابعة والثمانين تعيش وحدها في بيروت ويصرف عليها ابنيْها المغتربان في الخارج، فإن أضفنا إلى ذلك أن ابنيْها جعلا ناطور العمارة، أي حارسها، يهتم بأمّهما ويقوم بشؤونها، وأن هنالك خادمة تأتي أحيانًا لتقوم بشأن البيت وتنظيفه وإعداد بعض وجبات الطعام، فلا يتبقى من هذه الحياة المتخيّلة في أرذل العمر سوى قشرة هشة، لأنه إذا خلت الحياة من كل هذا، فمن أين تأتي الحياة؟! وقلت لنفسي حينذاك، ومنذ الصفحات الأولى بعد أن بانت ملامح هذه المعالم، إنّ هذا محكّ حقيقي لروائي حقيقي لكي يخلق هذه الحياة في تلك اللا حياة، ويرينا عن قرب حميمي خصوبة عيش ثمانين سنة في مدينة حبلى بالحياة، مثل بيروت.
غير أن الرواية جاءت متواضعة، وهاربة من كل ما قد يحبّ الروائي الحقيقي خوضه ببسالة، في الليل، ليأتي لنا بالجميل من كائنات ذاك الليل، فهذه اللا بسالة كانت واضحة في كل جانب من جوانب هذه الرواية القصيرة، بدءًا من اختيار لسان الحكاية، فرغم أن اللسان هو لسان هذه المرأة نفسها (عدا الفصل الأخير الختامي المحكي على لسان الناطور) إلا أنني لم أحس لحظة أن هذه المرأة الثمانينية تتكلّم إلينا، فالروائي ظلّ يراقب شخصيته من الخارج، لنراه هو، لا غيره، يخاف عليها من خرف الشيخوخة (ولا تطاوعني نفسي أن أقول: تخاف هي على نفسها من خرف الشيخوخة!) ويصف لنا نهوضها من سريرها ومغادرتها غرفة النوم: قمتُ ودخلتُ الصالون، لم أتلفَّت حولي متوجّسة، لأنِّي كنت قد تيقَّنت من ماهيَّة ما ظهر منذ أيَّام: أضغاث ذكرياتٍ قديمةٍ ممحوَّةٍ وقد انبثقت فجأة، ثم اختفت مثلما جاءت، فأنا لا يشغلني سوى أمرٍ أوحدٍ وحيد: أن لا يجد دودُ الخَرَف طريقه إلى عقلي، وما عدا ذلك، كلُّ شيءٍ مقبول. أخال دماغي ثمرةً مصيرها الاهتراء، يتكاثر الدود في قلبها ويبدأ بقضمها من الداخل . جيوشٌ مليونيَّةٌ من الدود تعمل على محو كلِّ ما فيه. من دونه نحن لا شيء، قوالب فارغةٌ بلا محتوى، هدير طبول، أجسادنا أيضًا، ثمار الحياة، يأكلها الدود. كلُّ حيِّ ينتهي غذاءً له، أمَّا الجماد فلا خوف عليه. هل أنَّ قدر كلِّ الكائنات الاهتراء والدخول في مملكة تلك المخلوقات الصغيرة اللزجة الصغيرة التي تتغذَّى على كلِّ هشِّ وزائل؟
ثم يُدخلها الحمّام (ولا تطاوعني نفسي أن أقول دخلت هي الحمام!) ويصف ملامح الجسد المهترئ والتجاعيد في جسد وصدر هذه المرأة، ثم وهي تقضي حاجتها في حمّام بيتها، ثم وهي تتحرّك في مطبخ البيت تجهّز وجبة طعامها، ثم ربتتها الأخيرة على بطنها في امتنان الشبع، وكل هذا كان وصفًا من الخارج لم أحسّ فيه روح تلك المرأة، ولا وجودها الحقيقي في هذا العالم، وكان تزييف الحكّاء لهذا الوجود ثم ملئه بالحكم الفارغة، كان شيئًا يزيد من وعورة القراءة، فها هو يجعل المرأة تُنظر إلى نفسها في مرآة الحمام بعد أن غسلت يدها (ولا أقول كالعادة أنها التي نظرت إلى نفسها في المرآة!): وقفت أغسل يديَّ تحت المياه الباردة، فركتهما بيدَيْ أبي ونظراته المتبسّمة دومًا، لا أرفع نظري إلى المرآة فوق المغسلة، ما عدت أنظر إلى نفسي في مرايا ما، أَمنتُها يومًا، لأنَّ ما تعكسه دائمًا مجرَّد وهم، المرايا لا تُرينا ما نحن عليه، بل ما نريد أن نراه فيها، ثمَّة فرق. صبيَّة، كنتُ لا أرى فيها وجهي، بل ما يحاول أن يستر ويُخفيه، كمن يرى الفواصل وحدها داخل نصّ، الآن، وقد تجلَّى النصُّ كاملًا أمامي، اختفت الفواصل ومعها النقاط والسطور.
ثم ها هي وقد أُخرجت من الحمام (ولا أقول خرجت!) وأُكّلت الطعام الذي تركته خادمتها شاميلي في الثلاجة في صحن من الفخّار: يعجبني صحن الفخار، هشٌّ ومتين في آن، وفي صلب الموضوع.
ولكنها تج��ه باردًا فيجبرها الروائي على وضعه في المايكرويف ويُثبّت رأسها أمام لوحه الزجاجي: تأملتُ الصحن يدور على نفسه وأنا انتظر الرنين الذي يعلن بلوغ السخونة المبتغاة، أكره الأكل البارد، الفاتر، الذي ينبّهك إلى أنه لم يُطبخ للتوّ، بينما تعيد السخونة المرتفعة إلى الأكل شيئًا من طزاجته.
ثم يصل الصحن الفخاري إلى درجة السخونة المبتغاة فتُجبر على إخراجه ووضعه برفق على الطاولة: وضعتُه برفق على الطاولة، ما زالت الموجات تفعل فعلها، لذا ينبغي ترك الطعام قليلاً ليهمد، موجات لا نراها تصيب بسهامها جزئيات الطعام، وأخالها مثل أشعّة شمس متعجلة تضرب الأكل لينضج، لا شيء كالنار، لا شيء كملامسة ألسنتها ولسعاتها ورائحتها حين تحتضن الأشياء لتنضجها، لا بدّ وأنّ صحن الفخّار يشكو الآن ما تعرّض له من سوء معاملة.
ولكن الروائي يتذكّر شيئًا من عالم العجز، فيُوقفها في اللحظة الأخيرة عن تناول الطعام الساخن، ويُرغمها على أن تصب لنفسها كأسًا من الماء: صببتُ كأس ماء، يجب أن أشرب، أن أُرغم نفسي على ترطيب جسدي الذي يزداد جفافًا وضمورًا كلّما تقدّمتُ في العمر، الرطوبة تلين، والماء يُحيي، رشفتُ رشفتَيْن، وتناولت الملعقة، وغرفتُ، ياه، ليس مثل لذّة لاكل حين تكون جائعًا، وحين تكون يدا شاميلي الصغيرتان الماهرتان في الصحن، يداها اللتان تجيدان التقشير والتقطيع والفرم وباستطاعتهما تحويل أي جسم إلى قطع صغيرة جدًا بحيث يصير صعبًا على العين المجرّدة تقصّي ما كان عليه في الأصل، تفرم شاميلي الثوم والزنجبيل أوَّلًا، ثم تهرسهما ليُطلقا نكهتيهما، قبل أن تضعهما في الزيت ليتحرقصا قليلًا ويتعانقا، قبل ذلك، تكون قد أعدَّت مهرجان الخضار المتنوِّعة: لوبياء، جزر، ملفوف، بصل أخضر، كراث، بازيلًا، إلخ، مشرَّحةً بالطول قطعًا رفيعة، ليأتي من ثم دورُ البهارات أتت بها من بلادها، أي من الحانوت الذي تقصده في مستديرة الدورة ويستوردها من سريلانكا، باستطاعة شاميلي تقطيع وفرم كلِّ شيء، بحبِّ وأناةٍ ومهما تطلَّب الأمر جهدًا ووقتًا، بإمكانها أن تفرم حتى الحزن .
ثم يُناولها بنفسه طعامها: تناولتُ صلصة الصويا الممنوعة عليَّ لملوحتها، ورششتُ بالكاد بضع نقاطٍ على حبوب الأرزِّ البسمتيّ التي تشبه طاهيتها، رفيعةً وطويلةً ولا تحتوي على أكثر ممَّا يلزم من النشاء، على عكس بدانة شقيقَيْه المصريّ والإيطاليِّ اللذين قاطعتهما، ملأتُ ملعقتي ثانيةً وأكلتُ، فراحت النكهاتُ تتفتَّق تحت لساني وتطلق مذاقًا يودي إلى الجنون. تلذَّذت بطعامي وكدتُ أُطلق آهة طرب من قاع القلب. الطعام اللذيذ يبدِّل أسوأ الأمزجة ويصالحك مع العالم لتصبح كائن صفاءٍ وهناء. هذه هي الغبطة، فكَّرتُ، لذَّةٌ من دون تفكير، الإقامة في اللحظة، في ما تمضغه، متناسيًا كلَّ ما عداه .
وأعتذر عن هذه النبرة، ولكنها لا تعكس إلا القليل من الضيق الذي ساورني حال قراءتها، فكان عيب هذه الرواية أنها فقد خلت من الحياة، وجعلت حياة هذه المرأة الثمانينية تجري من وراء حجاب كثيف من عدم المعايشة، ثم إن أتى كل هذا على لسان هذه المرأة الثمانينية نفسها، فهذه ضربة قاتلة لهذه المعايشة، وربما لهان الأمر أو استساغ لو كانت هذه الرواية تروى بأكملها من منظور الخادمة أو الناطور صاحب لسان الفصل الأخير، عين مراقبة قد نلتمس لصاحبها هذا الحاجز من عدم المعايشة لحياة أجنبية عنه! وقد كانت كذلك محاولات وضع الحياة في هذه الحياة الأجنبية متواضعة أقصى ما يكون التواضع، وكأنه المؤلفة صادت هذه المحاولات من سطح الماء دون أن تكدّره أو تغص داخله ببسالة، فمن هذه المحاولة، وهي محور الحكاية الحيّة، الإتيان بقطّة على عتبة باب هذه المرأة، ثم لا ترحل القطة وتظلّ تجيء يومًا بعد يوم وتموء عند بابها وتخربش أسفل الباب، حتى تعطف المرأة عليها وتُدخلها بيتها في النهاية وتكتشف أنها مريضة فتعالجعها عند الطبيب وتعني بها بنفسها بوضع الطعام لها، فيما يفترض أن يعني هذا لنا تحوّلاً اجتماعيًا جرى في حياة هذه المرأة بدخول القطة حياتها وعطفها عليها بعد طول اشتكائها منها، وكذا! وهذا أمر ساذج صراحة، لأنه مبتذل أولاً، أو كما يقول البيت الشائع من مرثية الأندلس: "لمثل هذا يذوب القلب من كمدٍ إن كان في القلب إسلامٌ وإيمانُ"، فالمرأة ظلّت تنفر من القطة، ثم تعلم أن القطة مريضة بالسرطان، بعد أن ذهبت مع الناطور إلى الدكتور البيطري، ورغم نفورها المستمر تُدخلها في النهاية لييتها وتُعنى بها وتقدّم لها التونة وتمسّدها بيدها، في صفحة أو صفحة ونصف بالكاد ثم ينتهي كل شيء عن القطة!
إذن هل نتيجة هذا أن هذه المرأة صارت طيبة واجتماعية من بعد أن لم تكن؟! لا، لقد ظلت كما هي، طيب وعلاقتها مع الناس حولها (الناطور والخادمة) هل تغيّرت على الأثر؟ لا كذلك، لقد ظلّت تلك العلاقات على حالها في نفس التعامل النزق معهما، على أنها مع ذلك تظل فكرة مبتذلة! – أي فكرة شائعة ومن أفكار البديهة الأولى: أعط الشخصية المعمّرة حيوانًا أو طفلاً صغيرًا (مثل حفيد) وانظر كيف ستتعامل معها! ويزيد الأمر ابتذالاً لو جعلنا هذا الحيوان أو الحفيد مصابًا بمرض يستدرّ حتى دموع الأعداء!
ولم ينته صراحة دور القطة ههنا، فإننا نعرف لاحقًا في الفصل الأخير على لسان الناطور، أن الناطور هو الذي أحضر هذه القطة لها ووضعها على عتبة بابها، بعد أن جوّعها! وهذا من أجل يسلّي المرأة في وحدتها ما دام هو المشرف عليها تحت وصابة ابنيْها، وهذا صراحة غير منطقي، أعني، هل هناك قطة تتصرّف هكذا؟! هل هذه الكائنات النرجسية العزيزة يصلح معها أن يجوّعها أحدهم ثم يضعها على عتبة باب شقة سكنية في عمارة ممتلئة بالسكّان، وعندما لا تعبّرها ساكنة الشقة تظلّ تموء وتخربش الباب، وعندما تطردها تلك الساكنة تعود ثانية من نفسها، وكأن باب هذه الساكنة هو الباب الأخير في العالم، وعمارتها هي العمارة الأخيرة في العالم، ومكانها أمام بابها المغلق هو المكان الوحيد في العالم التي تؤمّل أن تحصل منه على الطعام؟! لا طبعًا، ولكن الروائي أرغم هذه القطة، هي أيضًا، على الدخول في حضرة حكايته! والقطة كما ذكرت، هي محور الحكاية الحيّة، لأنها لو غابت لانفردت الذكريات بهذه المرأة الثمانينية، وصارت الرواية كلها هي مواقف الذكريات الجامدة، وهي جامدة لأنها ظلت بعيدة في زمن عالمها غير المعاش، على طريقة كان أبي يفعل كذا وكذا، وكانت عمّتي تتحرّق للزواج، وكان وكانت ..!
ثم عندما ينتهي فصل المرأة، ويأتي فصل شخصية المرأة الذهانية، التي هي شخصية المرأة الثمانينية في شبابها القديم، ويتحاور الاثنان معًا في مشهد ذهاني، كانت رغم براعة الفكرة، لا شيء فيها سوى حوار حديث الذكريات الأحادي الطويل جدًا، والاحادي أي من جانب واحد لا غير، وهو جانب المرأة العشرينية، ففي هذا القسم من الرواية صارت المرأة العشرينية هي التي تحكي لنا (وهي تخاطب نفسها الثمانينية في حوار متصل!) قصة حياتها الماضية ودخولها عالم المسرح وقصة حبّها القديمة وزوجها الذي أساء معاملتها، حوار أحادي طويل، غابت فيه نسختها الثمانينة عن الوجود أمامنا، وإن ظلّت العشرينية تحاول الحفاظ على وجودها أمامنا بكلمات ساذجة لتجذب حضورها أمامنا قسرًا، كلمات مثل: - هل غفوت يا مي؟! منذ ساعات وأنا احكي، وها قد هبط الليل وأنت لم تنبسي بعد بحرف، أنا حتى لا أسمع مواء قطّتك. -لست قطّتي. - ياه .. صوتك متورّم، لقد أبكيتُك! - تابعي
وتتابع وحدها تمامًا، أي لنا!
ثم وبعد صفحات كثيرة أخرى من حديثها عن حياتها الماضية في شبابها ومواصلة عرض مأساتها وخيباتها، ينتهي هذا القسم، وتنتهي معها هذه الفكرة الذهانية التي كان ممكن أن تكون مؤثرة حقًا لو غاصت فيها في بسالة ولم تكتفي بهذا التلامس السطحي بين قصة المرأة في الحاضر وبين قصتها في الماضي! - تنتهي بقول النسخة العشرينية للنسخة الثمانينية منها: أطلتُ عليكِ، هذي الحقيقية كلّها، وقد صرتِ تعرفينها، يا صديقتي، حان وقت رحيلي، أتركك ولن أعود لمضايقتك بعد الآن، سامحيني، يا ميّ!
ثم يأتي الفصل الأخير الذي يرويه الناطور، من بعد أن بلغ أن التواضع أقصاه! وهو أقصر الأقسام الثلاثة، ويأتي بعد وفاة المرأة الثمانينية وتكليف ابناها للناطور لكي يؤجر البيت الخالي (بالاتصال به، فلم يظهر الابنان قط طوال الرواية أو نسمع صوتهما) فيحكي لنا الناطور عن معرفته المرأة التي ماتت، من موقع المراقبة المستساغ هذه المرة، لا المعايشة، ثم لأوّل مرة نعرف منه قصّة لطيفة لم تمرّ علينا في الصفحات السابقة، فنحن ومن القسم الثاني، القسم التي تحكي فيها المرأة قصتها وهي شابّة، نعرف لأول مرة أن تلك المرأة الثمانينية كانت ممثلة مسرحية في شبابها، ثم يأتي هذا الفصل الأخير على لسان الناطور ونعرف أن في إصابة المرأة الأخيرة بالخرف أعادها لذكريات المسرح، فقد كانت تتزيّن في زينة لامعة، وتقف على باب بيتها خلال أحد مناسبات صعوده إليها للعناية بها، وتسأله بعد أن يطرق الباب وهي في كامل زينتها المسرحية: - هه، طمّني، هل امتلأت الصالة؟
وهذه المواقف الأخيرة كانت لتكون جميلة في موضعها! غير أن القسم الاول كله التي كانت تحكيه المرأة على لسانها لم يكن فيه أثر لذلك الشغف المسرحي، لا ولا الملابس والمكياج الفاقع في غرفتها، ولا كلمة واحدة! ثم في القسم الثاني التي تقابل فيه شخصيتها العشرينية في تلك الحالة الذهانية، تكون ذكريات المسرح كلها حديثًا ماضيًا غير معاش، ولا يتخطّى عتبة ذكريات هذه المرأة العشرينية في خيبتها من الحياة عامة، ثم تنصرف المرأة العشرينية التي هي ماضي المرأة الثمانينية، بعد أن تعتذر عن الإطالة إليها في حديث الذكريات (الذي غرضه الوحيد أن المؤلفة تريد إجبارنا على سماع ماضي المرأة بأي طريقة ولو تحدّثت شخصية ذهانية لساعات وساعات في فضاء خالٍ من كل موقف وحادثة!)، ثم تنصرف لكي يأتي فصل الناطور ويقول لنا فيما يقوله عن المرأة أنها في خرفها الأخير كان يصعد إليها ويطرق الباب فتخرج بكامل زينتها المسرحية وتسأله هيه، طمّني، هل امتلأت الصالة؟!
وهذا جدّ متواضع! وقد كان في الإمكان المتاح زارعة مشاهد حيّة في بيتها عن هذا الشغف المسرحي القديم، وهي تفتح دولابها مثلاً، أو تتعثّر ببعض الذكريات المتعلّقة بتلك المهنة القديمة، ولكن هذه القفزة الباسلة في النهر لم تجر قط!
. .
وهامش:
الذي زاد هذا التواضع في الصفحة الأخيرة من هذه الرواية، وبعد انتعاشة الناطور الأخيرة، هو صنيع حِرفي لا أستسيغه، وهو الإتيان بالهوامش بدلاً من جعل الهامش جزءًا من النصّ نفسه، فوجود هامش في الرواية (ما لم يكن لحيلة فنّية شكلية) لا يعني لي إلا شيئين، إما استجهال المؤلف لقارئه وخوفه من أن تفوته إشارة واضحة! وإما عجزه عن وضع هامش العالم الخارجي داخل بنية العالم المتخيّل، ففي الصفحة الأخيرة من تلك الرواية، وعندما يستدعي الناطور الطبيب الذي أتى بصحبة مساعديْن في ث��اب بيض لاصطحاب المرأة التي خرفت (بعيدًا عن أن هذا المشهد بهذا الشكل صار مبتذلاً كثيرًا) يستأذنهم ليدخل عليها هو وحده في غرفتها لإحضارها، حتى لا تخاف منهم، ويراها وهي أمام المرأة تتزيّن وهي في ملابسها وزينتها الفاقعة المرزكشة، والتفتت إليه وعرفت أنه قادم لأخذها. همّتْ بالتراجع، ثم نظرت نحوي وابتسمت، وقالت بصوت كسر قلبي: -من أنت؟ -أنا يوسف -أتعلم؟ "كائنًا من كنتَ، فأنا لطالمًا اعتمدت عل لطف الغرباء" (١)
نزلنا في المصعد، وتبعنا الطبيب ومعاوناه، كان عدد من الجيران قد تجمّعوا على الشرفات وأمام مدخل العمارة .. إلخ
فعند هذه الجملة التي قالتها المرأة المسرحية السابقة، ظهر هامش، وهو الهامش الأول والأخير في تلك الرواية، هامش برز لكي يقول لنا أن هذه الجملة الأخيرة للمرأة الثمانينية هي نفسها: (١) جملة بلانش الأخيرة، بطلة مسرحية عربة اسمها الرغبة، لتنيسي وليامز
وهذه الطريقة في الإشارة تذهب بتأثيرها المفترض على ذهن القارئ (دع عنك الارتباك الناتج إذا قرّر أحدهم تحويلها إلى كتاب صوتي أو غيره!) وكان من الممكن معالجة هذا، كأن نرى ذكرى من من خلال ذكرياتها الكثيرة في هذه الرواية، تعود إلى تمثيلها القديم لتلك المسرحية وإلى هذا المشهد بعينه، قصاصة صحفية مثلاً تبدو فيها وهي تؤدي ذلك المشهد، وهو ما لم يحدث، بل لم يُذكر اسم تلك المسرحية أصلاً إلا في هذا الهامش! وإني أحبّ هذه المسرحية المشار إليها، وكنت سأقدّر كثيرًا حقًا لو عرفت، ولو من الهامش! أن هذه الرواية كانت تحاكي طوال هذا الوقت، وفي عالم موازٍ، شخصية بلانش في المسرحية، ولكن واقع الحال أنه لا تشابه بين المرأتين في شيء، باستثناء المشهد الأخير في الرواية الذي يحاكي بالطبع المشهد الأخير في المسرحية، فبلانش (وهي امرأة مندفعة في أوائل الثلاثين من عمرها، لا مسنّة خانتها ذاكرتها) تتعرّض لظروف كثيرة دفعتها في النهاية إلى حافة الانهيار العصبي (لا الخرف ولا فقدان الذاكرة ولا الجنون المطلق) فعندما يدخل الطبيب والممرضة لأخذها، نعرف أنها عارفة بمَن هما، وأنهما جاءا لسبب تعرفه جيدًا، بل تسمع الممرضة تقول للطبيب أن يعطيها القميص الأبيض (قميص المجانين) لتُلبسها إياه، وهو الأمر الذي يهيج بلانش أكثر، حتى يتدخّل الطبيب بسماحة ويقول إنه لا داعي للقميص، فتهدأ عن وعي، وتطلب منه "في صوت خافت ضعيف" - حسب إرشادات المسرحية المطبوعة - أن يجعل الممرضة تطلق سراحها، فيأمر الطبيب الممرضة بذلك فتتركها! فتخرج بلانش، وبكامل وعيها، مع الطبيب إلى الخارج بعد أن تقول بهذه العبارة الأخيرة، فهي فعلاً أول مرة تبصر فيها هذا الطبيب الشاب اللطيف، فلم تقل جملتها عن "لطف الغرباء" جرّاء فقدها للذاكرة! إذن وباستثناء مشهد دخول الطبيب بالقميص الأبيض، فليس هناك مشابه بين المرأة الثمانينية وبلانش الثلاثينية، في أي من نواحي الحياة، ولكن المؤلفة أحبّت المشهد فحسب وأرغمت نفسها، هي هذه المرة، على إدخاله في حكاية لا ينتمي إليها.
أنهيتُ غيبة مي للكاتبة نجوى بركات وأنا محمّلة بشعورين ثقيلين: تعاطف… وخوف. تعاطفتُ مع بطلة الرواية (مي ) لأنها امرأة لم تُهزم، لكنها انسحبت بهدوء من عالم لم يعد يراها. وخفتُ لأن هذا الغياب ليس بعيدًا، ولا خياليًا، بل احتمال قريب نلمسه كلما تقدّم العمر وصار الصمت أعلى من الأصوات. الرواية قاسية لأنها صادقة،لا تواسي، لا تفسّر، ولا تمنح نهاية مريحة. تضعنا أمام الشيخوخة، والوحدة، وتآكل الذاكرة، كما هي… بلا تجميل. غيبة مي ليست عن امرأة واحدة،بل عن نساء كثيرات غبنَ بصمت، وعن خوفٍ نسائيّ مشروع من أن نُنسى ونحن أحياء الرواية تتعامل مع الذاكرة والغياب والشيخوخة، وكيف تصبح الحياة اليومية مليئة بالحصيلة النفسية والتأمل في الذات
أتى الفصل الأول مقنعًا للغاية، لكن أتى الفصل الثاني والثالث بما يقتل هذه الرواية. عمل مؤسف، وأرجو ألا ينال به الزمن من سمعة مؤلفة روائع مثل "لغة السر" و"مستر نون".
الذاكرة ليست مجرد مخزونٍ للصور والأحداث، بل هي الدليل الوحيد على أننا عشنا، وأن لنا جذورًا تمتد في الزمن. فكيف بمن يفقد ذاكرته؟ كيف يواصل حياته دون شريطٍ يعيد له طفولته، أحباءه، وخيباته الأولى؟ هذا السؤال الوجودي هو المدخل الذي تقودنا من خلاله الكاتبة إلى عالم روايتها، حيث تتحول الذاكرة إلى بطلٍ خفي، وإلى مساحة مثقلة بالجراح تشبه ذاكرة الأوطان المنهكة بالحروب والانكسارات.
ذاكرة مي ليست فردية فحسب، بل هي انعكاس لذاكرة بيروت نفسها؛ مدينة مثخنة بالآلام، من الحروب الأهلية، إلى الأزمات الاقتصادية، وصولًا إلى انفجار المرفأ. وكما المدينة، تعيش مي انفجاراتها الداخلية: وحدة قاسية، هشاشة نفسية، وخذلان متكرر ممن أحبت، حتى باتت مشاعرها غريبة عنها، لا تنتمي إليها.
تعتمد الكاتبة في بناء السرد على محورين زمنيين ونفسيين متوازيين. في المحور الأول، نلتقي بـمي في الرابعة والثمانين من عمرها، امرأة تعيش وحيدة في شقتها، بعد أن تركها توأماها، ورحل زوجها عن الحياة. يتولى البواب يوسف والطبيب داوود مسؤولية رعايتها، في صورة مؤلمة لعلاقات إنسانية تقوم على الواجب لا على العاطفة. هنا ترصد الكاتبة بدقة مشاعر الوحدة والفراغ، وتعود بنا إلى طفولة مي التي فقدت والدتها مبكرًا، وربّتها عمّاتها، ما خلّف داخلها نقصًا عاطفيًا عميقًا انعكس لاحقًا على علاقتها بأبنائها، إذ عجزت عن اختبار مشاعر الأمومة أو منحها، وهو ما سيصبح أحد أكبر مصادر ندمها وألمها.
أما المحور الثاني، فتقدمه الكاتبة بصيغة “هي”، في إحالة ذكية إلى الانقسام الداخلي للشخصية. “هي” تمثل مي في شبابها: فتاة عاشقة للمسرح، مسكونة بالفن، تقع في حب مخرج وكاتب مسرحي، تعيش معه علاقة خارج إطار الزواج، وتنتهي هذه العلاقة بإجهاض طفل لم يُكتب له أن يرى الحياة. تتصاعد الأحداث لتصل إلى محاولة قتله، ثم دخولها مصحة للأمراض العقلية، قبل أن تخرج منها وتبدأ حياة جديدة مثقلة بالندوب.
شخصية “هي” لا تغيب عن حياة مي العجوز؛ تراها في المرآة، تسمع صوتها في أرجاء المنزل، تحاورها رغم محاولاتها المستمرة لإسكاتها. هذا الحضور الدائم يعكس صراع الذاكرة مع النسيان، والذات مع ماضيها، ويمنح الرواية بعدًا نفسيًا عميقًا يجعل القارئ شريكًا في هذا الصراع الداخلي.
نجحت الكاتبة في رسم شخصية مي عبر ثلاث صور متداخلة: الطفلة المحرومة من حنان الأم، والأم العاجزة عن منح الحنان، والحبيبة التي خرجت من علاقة نرجسية ببرودة عاطفية وندوب لا تُشفى. وبهذا تصبح مي مرآة لنساء كثيرات، يحملن هشاشتهن بصمت، ويواجهن خذلان الحب ومن أحببن هذه رواية لا تُقرأ من الخارج، بل تُعاش من الداخل، بتفاصيلها النفسية الدقيقة، وبأسئلتها المؤلمة عن الفقد، والهوية، والذاكرة. عمل أدبي يترك أثره طويلاً، ويجعل القارئ يراجع ذاكرته الخاصة، ويسأل نفسه: من نكون لو فقدنا ذاكرتنا؟
رواية : غيبة مي الكاتبه : نجوي بركات الروايه وصلت للقائمه القصيره لجائزة الروايه العربيه لعام 2026 الروايه ثلاثة أجزاء .. مي .. هي .. يوسف .. وكل جزء فيه عدة عتبات بدون اسماء بدون عبارات تعريفيه .. فهي رواية الاسماء المحدوده والاماكن المعدودة والحيز الضيق لحركة بطلة الروايه وهو شقة في الدور التاسع في عماره تطل علي بيروت ورغم ضيق الحيز وقلة الشخصيات لن تترك الروايه إلا في نهاية آخر سطر فيها وخصوصا جزء هي وجزء يوسف .. تصاحبك الدموع والغصه رغم تمتعك بقدرة الكاتبه علي توصيل المشاعر الانسانيه بكلمات رائعة الوصف عميقة الاحساس .. لغه الروايه سلسه منسابه تفتح فخاخ الذاكره وهموم القلوب وحسرتها وتشعر انك مع شخصيات حقيقيه تجلس امامك وتحكي لك وليسوا شخصيات في روايه من خيال كاتبه متمكنه من ادواتها .... كقارئ عشت حاله انسانيه مع كل سطر من سطور الروايه حزن مغلف بشجن الذكريات والمآسي والسقوط والظلم والوحده وغياب الاحباب وابتعادهم .. مي اوصلت ولديها التوأمين للمطار ووقفت تنتظرهما لينهيان اجرائات السفر .. وقفت مستعده لتلويح لهما ولكنهما لم يلتفتا ورائهما ليحيوها ولو بنظره قبل ان يغادرا .. عَرفت مي وقتها انهما لن يعودا و عاندت هي و لم تذهب اليهم وعاشت امرأه وحيده شديدة العناد مشاغبه كالاطفال رغم بلوغها الثمانيين من عمرها .. تحكي مي لمي عن ابيها الحنون وعن تجربة الحب القاسيه المذله التي عاشتها ودمرت كينونتها وانسانتيها وكادت ان تحولها لقاتله … نجوي بركات ابدعت رغم بطئ الصفحات الاولي لكنها اعطتنا روايه تمس مكنونات النفس وهواجسها وخوفها من الشيخوخه ومن المرض ومن الوحده واضائت علي حياة فئه عمريه قل ما كتب عنها كُتابنا وضوت علي بيروت ومعانتها وما مرت وتمر به من مآسي و نكبات 🎩
(فكلنا سنعبر ذات يوم ويمحى أثرنا) ست مي عجوز في الثمانينات من عمرها تأخذنا في حديث مع نفسها في الجزء الأول من الرواية فتجد لنفسك مقعدا في صالة منزلها ..تستمع إليها فتشفق عليها وتعيش مشاعرها . ثم ننتقل للجزء الثاني حيث نلتقي مع ست مي وطيف سيدة تداوم على زيارتها . ويأتي الجزء الأخير ( والأروع بالنسبة لي) مع يوسف الناطور ( البواب بالمصري) نرى القصة من زاويتة بمشاعر فياضة مكتوبة بروعة تجلب الدموع لعينيك. رواية صغيرة تحكي الشهور الأخيرة في حياة ست مي ( او الكثير من المسنين ) ... إقتباس: ( مجرد التفكير بما ينتظرني أشعرني بالتعب، أضف إلى ذلك صعوبة رمي الأشياء. أنا أجيد التخلي، صحيح، لكنّ التخلى لا يعني بالضرورة الرمي، ربما لاستمرار وجود رابط عاطفي والخشية من إغلاق الباب بشكلٍ نهائي. ينبغي أن أفكر بالمصير المرعب الذي تؤول إليه أشياؤنا، بعد مماتنا، لأسهل الأمر على ، وكيف تبخس وتمّتهن وتذل، بعد أن كانت مميّزة بالنسبة إلينا وغالية على القلب. ليتنا نسترجع عادة دفن الميت مع أغراضه، هكذا تحمى من عيث الأيادي، وتغنى بفناء أصحابها .)
رواية «غيبة مي» – نجوى بركات رواية لا تُقرأ بحثًا عن حدث صاخب أو حبكة تقليدية، بل تُقرأ بوصفها تجربة إنسانية عميقة تلامس الذاكرة والهشاشة والوحدة، وتطرح سؤال الغياب بصيغته الأكثر إيلامًا: الغياب ونحن ما زلنا في المكان.
في هذا النص، لا تختفي مي عن العالم، بل تغيب عنها الذاكرة تدريجيًا، فنشهد انسحابها الهادئ من حياتها، ، ومن العلاقات التي لم تستطع أن تحميها أو تتمسك بها. ومن خلال هذه السيرة، تفتح الرواية نافذة على تحولات بيروت، وعلى تغيّر الزمن، وعلى الإنسان حين يفقد قدرته على الإمساك بذاته.
هذه رواية بديعة، عميقة المعاني، كُتبت بذكاء وبراعة. لا نخرج منها بعد قراءتها إلا مثقلين بالأسئلة، متأملين في أحوال البشر، وفي المدن، وفي تحولات الزمن. من هي مي؟ وهل غيبتها مجرد غيبة امرأة في أواخر العمر؟ أم هي غيبة الإنسان واغترابه عن ذاته؟ أم غيبة ذلك الزمن الجميل الذي مضى، والذي عاشته بيروت أيضًا؟
نرى بيروت وتحولاتها من خلال مي. الست مي هي كل امرأة حطّمها حبّها لرجل انتهازي، كل امرأة كسرها الحب وخذلها الحبيب، فتحوّلت حياتها من امرأة طموحة، حرّة، صاحبة قرار، إلى امرأة وحيدة، مخذولة.
وهنا تحضر إلى الذهن رواية «إيزيس كوبيا» للكاتب واسيني الأعرج، وما عرفناه من خلالها عن حياة مي زيادة. فهل استلهمت الكاتبة من سيرة مي زيادة، ولذلك منحت بطلتها اسم «مي»؟
مي أيضًا هي بيروت، أو لبنان، في انعكاس الصورة. ولو جعلنا من مي مرآة نرى فيها بيروت، وتحولاتها، وما أصابها من تغيّرات، وما تعانيه من أزمات ومشكلات، لوجدنا تشابهًا كبيرًا بين الحالتين. لعل�� الكاتبة أرادت أن نرى بيروت من خلال شخصية مي، فكلاهما مرآة للأخرى.
استطاعت نجوى بركات أن تُدخلنا إلى عالم مي، فتابعنا معها تفاصيل أيامها، وشذرات من ذكريات طفولتها، ثم معاناتها مع الوحدة، وتغيرات الجسد، والحاجة إلى المساعدة حتى في أبسط تفاصيل الحياة. وقفنا مع مي الثمانينية على شرفة شقتها في تلطابق التاسع ،نراقب المدينة ومن فيها، ونتأمل في أحوالها وأحوالهم.
ثم دخلنا معها إلى شقتها، لنلتقي بمي الصبية، ونتعرّف إلى ماضيها، وما عانته ومرّت به من أحداث غيّرت مسار حياتها.
تعرّفنا أيضًا إلى يوسف، ناطور العمارة السوري الأصل، الذي بدأ اهتمامه بها من باب الواجب، ثم تحوّل هذا الاهتمام إلى ارتباط إنساني عميق، ففعل ما بوسعه لمساعدتها، بطرق عدّة، من بينها إدخال القطة إلى بيتها لتؤنس وحدتها.
ولا ننسى الأب، والمساعدة السيرلانكية ،والأم الغائبة، والحبيب النرجسي، والأبناء الذين اختاروا الغربة.
إنه عالم رسمت نجوى بركات تفاصيله بذكاء، وأدخلتنا إليه بسلاسة وعمق.
وفي «غيبة مي» لا نقرأ حكاية امرأة اختفت، بل حكاية امرأة غابت عنها الذاكرة، وانسحبت من حياتها ببطء، حتى انتهى بها الأمر إلى الدخول إلى مركز رعاية للمسنين.
رواية تذكّرنا بأن بعض الغيابات لا تكون بالمغادرة، بل بالبقاء في المكان دون القدرة على الإمساك بالحياة كما كانت.
قراءة في رواية غيبة مي للروائية اللبنانية نجوى بركات رواية كتبت الشيخوخة كما لو أنها مرآة عاكسة لنهاية العمر. مرآة صادقة، قاسية أحيانًا، لكنها عميقة إلى حد يجعل القارئ يبطئ القراءة كأنه يمشي في ممرٍ طويل من الذاكرة. أحببتُ الرواية كثيرًا. أحببتُ أسلوب نجوى بركات ولغتها المتقنة؛ لغة حادة أحيانًا، جريئة إلى حد الوقاحة في بعض المواضع، لكنها صادقة ومتماسكة مع طبيعة الشخصية والعالم الذي تتحرك فيه. أحببت الربط الواضح بين مصير مي ومصير بيروت؛ مدينة بدأت لامعة في الستينيات ثم انتهت مثقلة بالانكسارات، كأن الشيخوخة أصابت المكان أيضًا. الفكرة الأساسية للرواية مؤثرة جدًا: امرأة في الرابعة والثمانين، تعيش وحدتها في شقة عالية في بيروت، تتآكل ذاكرتها ببطء، بينما تتدفق حياتها الماضية في تداعٍ طويل من الاعترافات والذكريات. نجحت الرواية في رسم صورة الشيخوخة بوصفها غيابًا متعدد الطبقات: غيابًا عن العالم، غيابًا عن الآخرين، وغيابًا تدريجيًا عن الذات. شخصية مي بدت لي صادقة للغاية؛ امرأة عاشت حبًا سامًا، وخسرت الكثير، ثم انتهت إلى عزلة ثقيلة تحرسها قطة صامتة وناطور بناية سوري وخادمة سيريلانكية. عالم صغير، لكنه كافٍ ليكشف هشاشة الإنسان حين يصل إلى آخر الطريق. ما لم ينسجم مع ذائقتي كان الفصل الأخير. شعرتُ أنه زائد عن الحاجة، وكأنه يعيد سرد ما عرفناه بالفعل من خلال صوت مي نفسها. إعادة الأحداث على لسان الشاهد يوسف بدت لي تكرارًا أكثر منها إضافة، الأمر الذي أضعف برأيي الإيقاع النهائي للرواية. كنتُ أشعر أن النص قد اكتمل قبل هذا الفصل، وأن حذفه ربما كان سيترك الرواية أكثر قوة وغموضًا، وربما أكثر احترامًا لذكاء القارئ وقدرته على جمع الخيوط بنفسه. كان بالإمكان، في تقديري، أن تُختم الرواية بحبكة مختلفة تكشف مصير مي بطريقة أكثر فنية، دون اللجوء إلى شاهد أخير يخبرنا ببساطة أنها نُقلت إلى مصحّة ثم توفيت لاحقًا. نهاية كهذه بدت تقريرية بعض الشيء، مقارنةً بجمال البناء النفسي الذي سبقها. ومع ذلك، تبقى غيبة مي رواية جميلة ومؤثرة، نجحت في الاقتراب من منطقة قلّما يكتب عنها الأدب العربي بهذه الحساسية: منطقة الشيخوخة، العزلة، وتآكل الذاكرة. رواية تجعلنا نرى العمر الأخير للإنسان كأنه مسرح هادئ… يؤدي فيه المرء دوره الأخير بصمت، تمامًا كما فعلت مي النجار. #غيبة_مي #نجوى_بركات #قراءة #روايات #jalilareads #جليلة_السيد #القراء_البحرينيون
غيبة مي ، نجوى بركات النوع: رواية (لبنان) عدد الصفحات: 223
كالمرايا تتشظى الرواية الى قطع متكاملة. من الطابق التاسع في بناية في قلب بيروت تطل مي من شرفة سنينها التي جاوزت الثمانين على واقع لبنان متشظ يلملم جراحه عبر النسيان و التناسي لما مر به من حروب طائفية و مواجهات مع العدو الصهيوني مرورا بأزمة كورونا و ثورة تشرين و إنفجار مرفأ بيروت و أزمة المصارف. تسافر بنا مي عبر ذاكرتها الى عالم عائلتها الخاص و هي الان مسنة تعيش على وقع الوحدة و الذكريات لا يعكر مزاجها الا قطة تقتحم مساحتها الخاصة و زائرة تتسلل من ثقوب الذاكرة لتكشف لنا مرحلة مفصلية من حياة نجمة المسرح في ستينات القرن الماضي، مي النجار.
بين نسيانات و زهايمر و حالة اشبه بالفصام تطل "هي" أي مي النجار أخرى شابة تواجه لوحدها آلام قصة حب مسمومة مع رجل نرجسي. هي قصة التيه و الاصرار على الخطأ و من ثم الانتقام. قصة تعصف بمصيرها كممثلة شهيرة لتقذف بها في عالم الجنون و المصحات النفسية. لكنها أيضا قصة مي اليوم التي تتجاوز الماضي بالانغماس في الحاضر بأدق تفاصيله محاولة بذلك تحصين العقل من التلف و الخرف و العيش بسلام مع قطة تقتحم عزلتها و مع من تبقى من حولها بعد وفاة زوجها و هجرة توأمها "الوصي" عليها من وراء البحار عبر طبيب العائلة و ناطور البناية، يوسف، الشاب السوري المهاجر، الذي يمتلك مفاتيح النهاية المؤثرة لقصة مي و غيباتها.
أما السرد فجاء سلسا غير مربك على لسان مي و "هي" و يوسف. صاغته نجوى بركات و كأنها تشرح بمشرط اللغة حياة أفراد يضيعون في غربة مدينتهم أو مدينة ساقتهم أقدارهم الى العيش فيها رغم كل هشاشتها و عجزها عن احتضانها لهم. عجز انتصرت عليه مي بالانتقام مرة و مرة أخرى بتقبل القطة الشريدة و احتضانها و اختيار فريدا اسما لها.
أن يصل الإنسان إلى أرذل العمر فيعلم أن ما بقي له في الدنيا أقل بكثير مما مضى، وأن يعيش حينها في عزلة، وحيدا أو شبه وحيد، بعيدا أو مبعدا، غريبا بين الناس، مغتربا في ذاته، كيف له أن يقضي ما تبقى لديه من وقت؟ يعجز فيه عن إدارة حياته وتلبية مستلزماته وإنجاز أبسط شؤونه كأن يستحم أو يتحرك أو ينهض أو يمارس نشاطا ما وحده، تقسو عليه أمراض الشيخوخة وقد بلغ من الكبر عتيا، أن يقصر طوله وينهار جماله ويخشن جلده وتيبس عظامه وتضمر عضلاته وتستهلك أسنانه ويضعف بصره وتفقد حواسه المتبقة جزءا كبيرا من قدرتها، ثم يخشى اختلال ذاكرته ويخاف أن ينسى معناه ووجوده، يجد حرجا في التواصل مع الناس وتحزنه نظرتهم إليه وانطباعهم عنه وشفقتهم عليه أو اشمئزازهم منه، كيف تداعى هذا الجسد وانكسرت النفس بتمزق أوراق العمر ورقة إثر ورقة حتى كادت أن تطوى الصفحة الأخيرة من كتاب البقاء على هذه الأرض لا تحتها. قاسية هي الحياة قسوة هذه الرواية في فصلها الأول على الأقل فغيبة مي لنجوى بركات اختارت أن تكون بطلتها سيدة ثمانينية تعيش وحيدة في شقتها في الطابق التاسع من عمارة ذات عشرة طوابق في بيروت تستدعي ذكرياتها قبل أن تفقدها، فجاء النص في ثلاثة فصول أقواها وأهمها الأول الذي ترويه مي من وجهة نظري، تحكي يومياتها الآنية وما تعانيه فيها وعلاقتها بالآخرين والأشياء والأماكن من حولها كيف ترى شقتها بصالونها وغرفة نومها وشرفتها والقطة التي تسكن فيها فضلا عن الناس كيوسف حارس العمارة ومساعدتها السيريلانكية شاميلي وطبيبها داود وتستحضر الماضي البعيد وأشخاصه كجدتها وأمها وأبيها وعماتها فوزجها وابنيها التوأمين وهجرتهما إلى الولايات المتحدة، فضلا عن أحداث هذه الأيام والوضع العام كانفجار مرفأ بيروت ومأزق البلد وانهياره الاقتصادي والسياسي والأمني وظاهرة الحيوانات السائبة وغيرها، وكانت مي أن غابت عن الدنيا ونفسها سبع سنوات فقدت فيها ذاكرتها ومجريات تلك المدة وما قبلها نوعا من الانهيار النفسي أو الصدمة العقلية، فينكشف هذا الماضي ولماذا غابت في الفصل الثاني من العمل عبر زائرة متخيلة تروي قصتها لمي، وهو فصل ضعيف من وجهة نظري لم يقنعني ولم يعجبني أحداثا وأسلوبا وترابطا، ثم يأتي الفصل الأخير بسرد يوسف ليلملم أطراف الحكاية وينهيها، وأرى أن الكاتبة لو استمرت في ثيمة الوحدة والعزلة للمرأة المسنة واستغلتها جيدا واستثمرت فكرة الذاكرة كما في الفصل الأول وأكملت على هذا النسق لكانت الرواية أعلى وأهم وما انحدرت وأصابها التكلف والترهل والسطحية تاليا. أما اللغة فكانت جيدة بالعموم جميلة في كثير من الأماكن جريئة وقحة مقنعة خاصة في الفصل الأول ما يناسب نزق عجوز ثمانينية رأت كل شيء فلم تعد تستحي من شيء عكس ما تدعي أنها تخجل من الناس، لكن اللغة في الوقت نفسه ممتلئة بالأخطاء سيما تصريف الأفعال من العامية واستعمالها على أنها فصيحة فضلا عن الهنات النحوية وفرط إدخال الباء على رغم مما لا يصح وسواها. أخيرا أقول إن الرواية جيدة بفكرة جيدة وكانت أهم لو أنها حررت بطريقة أخرى. التقييم: ٦.٥/١٠
الست مي أرملة في الرابعة والثمانين، لها ولدان توءمان اختارا السفر لأمريكا والاستقرار بها تاركين ليوسف الناطور الشاب السوري مهمة العناية بوالدتهما وكذلك للطبيب داود. في إحدى الليالي تسمع صوتاً يناديها وترى طيف امرأة مألوفاً لها.. ومن يومها تتبدل حياتها . القسم الأول من الرواية يحكي معاناة مي مع العمر والشيخوخة وكذلك طفولتها التي قضتها بين أب حنون وثلاث عمات بعد وفاة والدتها المريضة. القسم الثاني نعرف فيه فترة شبابها ومعنى ما قصدته الكاتبة بالعنوان غيبة مي . القسم الثالث يرويه يوسف الناطور الذي ظل يعتني بالست مي فترة طويلة وتقاسم معها العناية بالقطة التي بقيت لديها مدة عامين دون أن تحبها و حتى دون منحها اسماً. رواية موضوعها الرئيس الحب وتدمير الذات. فيها لمحة عن بيروت ولبنان( مشكلة النظافة، منع سحب نقود المودعين، انفجار بيروت، تعامل اللبنانيين مع السوريين، العاملات المنزليات). لم أشعر في حياتي أنني مغتاظة من بطلة رواية وأريد إما أن أشد شعري وألطم خدي من تصرفاتها أو أن أمسكها وأهزها من كتفيها وألطمها هي صائحة بها أن تنتشل نفسها من الانحدار والقاع الذي أزلقت نفسها فيه وأن تتصرف بعقل وتفتح عينيها على الحقيقة إلا مرتين الأولى في دفتر مايا لإيزابيل ألليندي ، والثانية للشابة مي في هذه الرواية . د.نسرين درّاج
بطلتها امرأة في الرابعة والثمانين من عمرها، تعيش وحيدة. لا يشاركها وحدتها سوى قطة بلا اسم، وبوّاب وخادمة. توأماها يرسلان المال، لكن الغربة سلبتهما ما هو أهم: الحضور، والاطمئنان، والدفء الإنساني.
تدخلنا الرواية إلى تفاصيل أيامها: روتينها اليومي، اهتماماتها الصغيرة، صراعها مع الجسد الذي يخذلها مع تقدّم العمر، وأولوياتها التي تغيّرت، وأشياء بسيطة تشتاق إليها كما لو كانت حياة كاملة. فقدت أمها وهي طفلة، فيتّسع حضور الأب في ذاكرتها، وتتشكل ملامح طفولة ناقصة لا تبرأ.
في القسم الثاني، نبدأ باكتشاف غيبة ميّ: أين كانت، وكيف غابت، ولماذا. أما القسم الثالث، فهو موجع إلى حدّ يعصر القلب منذ كلمته الأولى.
هذه الرواية صفعة قاسية، تذكير مؤلم بأن الزمن والحياة لا يرحمان أحدًا. صفعة لكل من قصّر في برّ والديه، ولكل من ظنّ أن التأجيل لا ثمن له. رواية عن الشيخوخة، الوحدة، الحب المسموم.
رواية مؤلمة، مخيفة، طبيعية إلى أقصى حدود القسوة، وجميلة بالقدر نفسه. رواية تقشعر لها الأبدان من فرط صدقها وواقعيتها. عمل لا يشبه أي رواية أخرى. ويستحق القراءة
جميلة الروابة ومؤثرة لاني في حياتي جربت العيش مع من فقد الذاكرة في البداية كنت انتظر ماذا سيحصل ثم بدأ الفصل الثاني عن مي سابقا أو حكايتها قبل شيخوختها الحالية
احببت الاسلوب ولو ان فيه بعض الكلمات التي لم اتوقعها لكنهاتناسبت مع شخصية الرواية المرأة العجوز
كان هناك بعض المعلومات عن لبنان وعن ألم لبنان متداخل في النص. في صفحاات قصيرة شعرت ان الكلام المكتوب لا يتناسب مع الشخصية العجوز التي تنسى وتتخيل. فيما عدا ذاك لم الحظ شيئًا
الكتاب كله من وجهة نظر البطلة كنت اتمنى لو كان الفصل الاخير من وجهة نظر أبنائها اظن كانت الرواية ستكون متكملة ومذهلة وكذلك الزوج احب وجهات النظر المختلفة في الروايات وهذه كان فيها مي الان مي سابقا وحارس العمارة
سبحان الله انا سمعت عن هذه الرواية ظننتها سيرة ولم اعرف انها رواية الا عندما اقترب وقت قرائتها
الاسلوب كماقلت حميل ومشوق واحببته وكنت مستمتعة بقرائتها وتاثرت مع بطلة الرواية وظلت في بالي حتى عند الانتهاء منها
الإنسان عندما يشيخ يعود إلى مرحلة الطفولة فيخترع ليسلي نفسه خرافات يقع في شركها ويصدقها ثمة أحداث أشبه بالسواطير تخضع حيواتنا للتقطيع فتنسينا ما كانت عليه سابقاً يقال أن الأمومة تبث في المرأة قوة وطاقة تمكنانها من تحريك جبال نحن لا ندرك أن الجرح طاب اذا لم نر أثر التئامه كيف نحزن على خسارة شيء أجهل محتواه ليس سهلاً على من يقبل الموت أن يعيش في مدينة مقبلة على الحياة العتيق أنيس ومطواع أما الجديد فقاسٍ وعدواني من يسيطر على ذاكرته يكسب معركة الحياة ضد عث النسيان ماذا تفعل بأيام يتوعدك الموت في نهايتها ؟ الوقت إذا يكون قابلاً للإحتساب لا يعود وقتاً يصير عداداً شرط الحياة الأول أن لا يُحتسب الوقت وان يكون في النهاية محتسباً الإنسان طماع لا يشبع من الحياة مهما طالت ثمة وجوه كالنجوم تضيء حيواتنا وأخرى كالثقوب السوداء تسحب منها نورها
في الرابعة والثمانين تطوف الست مي كسفينة جانحة عبر النسيان والتذكّر، ومحاولة وضع القطع الضائعة في لوحة حياة غشيها الضباب وأوجاع الشيخوخة الزاحفة.
على مدى ثلاثة أصوات تتشكل حياة الست مي الآخذة بالذوبان، الأول صوتها في لحظتها الراهنة وهي تشهد تحولات العمر والعجز والعزلة. والثاني صوتها القديم الذي اندس في اللاوعي، ثم ظهر لها على شكل خيال امرأة أخرى تجرد حصيلة مُرّة من أوجاع الحب وخيباته ومهالكه. والثالث صوت حارس بنايتها والشخص الأخير الموكل بالعناية بها ورصدها في أحوالها وتقلباتها وأعبائها، يؤدي ذلك بشهامة وحدب وفهم لهشاشة الإنسان أمام ظروفه القاهرة، التي تكاد تتوحد مع غربته هو ومعاناته كنازح طالما غالب الحرب والفقر وقلق الهوية. تنتهي الست مي إلى غيبوبة العقل، وتُنقل إلى دار الرعاية، تاركة وراءها الكثير من أسئلة الحياة والموت وما بينهما.
في عملها الروائيّ الحديث " غيبة ميّ " ( دار الآداب – 2025 ) ترسم نجوى بركات الشخصيّة الأنثويّة الساعية إلى الهروب من العتمة والخوف نحو الضوء، هاجسها الزمن...مي التي تجاوزت الثمانين وتسكن في الطابق التاسع وحيدة، تحاول أن تتفوّق بالصوت المفرد الداخليّ على كلّ ما هو متوقّع...صراع مع الاحتمال، هو ما يميّز الرواية فإذن أو بشكل موضوعيّ هو ما يعرّف عنها، صراع كان خاليًا من أيّ مفاجأة، من أيّ " لامتوقّع"، فميّ أو الراوي الذي صاغها اهتمّت بالتفاصيل، بتعدادا ما حولها، بنسخ اليوميّات، حتّى الأصوات الأخرى ، صوت الناطور، صوت ولديها التوأمين كانت باهتة تخضع بسلطتها لميّ العجوز التي تطارد بعبث قطّة لم يستطع السرد جعلها عنصرًا مباغتًا، فما هي قضيّة ميّ؟ وهل لغيبتها الأثر الذي سعت إلى إظهاره نجوى بركات ؟ وكيف خرج السياق إلى القارئ؟
*الشيخوخة: ظاهرة يتمّ تعويمها*
حاولت نجوى بركات أن تجعل من الشيخوخة موضوعة واحدة موحّدة لجميع الأنساق السرديّة والمشاهد التي رسمها، وقد نجحت في ذلك، فانتقلت بعد الصفحات الأولى إلى التعريف بسمات "ميّ" المرأة البيروتيّة العجوز، الأم الثمانينيّة التي تخشى ألزهايمر ونسيان أولادها لها، البليدة المشبثة بالحاضر، رافضة صياغات المستقبل...كلّ هذه التراكيب والملامح ساعدتْ في تكوين الصورة أو بطاقة الهويّة الخاصّة بالشخصيّة الأساس، لكنّها لم تنتج صوتًا روائيًّا مؤثّرًا، فالقارىء الذي يعدّ كاتبًا آخر للنّص، لن يفاجأ بامرأة مسنّة تحاول التأقلم مع شيخوختها، بل ينتظرُ القضيّة، ما جعل نجوى بركات ومن غير قصد، تعوّم ظاهرة تحدّث عن روائيّون آخرون كجزءٍ من كلّ ، نأخذ على سبيل المثال لا الحصر روايات : باب الشمس ( دار الآداب-1998 ) حيث كانت أم حسن مطلع الرواية والموضوعة والتي انطلقت منها ومن مآسي موتها وشيخوختها معالجة الروائي للقضيّة الفلسطينيّة والحرب الأهليّة في لبنان بشكل بانوراميّ، وكذلك الأمر حصل في رواية منزل الذكريات لمحمود شقير ( هاشيت أنطوان نوفل-2025 )، حيث كانت مأساة الشخصيّة أبعد بكثير من الشيخوخة، تبدأ بها وتنطلق نحو المحيط والاحتلال الاسرائيليّ والماضي والزواج وغيرها. ظنّت نجوى بركات من خلال تفصيل وتخصيص المساحات السرديّة أنّها تمسرح " الشيخوخة" فوقعت في فخّ القصّ جاعلة المتلقي يغرق في المشاهد المحفورة وصفًا بحثًا عن متنفّس أو عنصر مشوّق، معتبرًا أنّ الحوارات القليلة المنصوصة في المتن الحكائيّ متنفسًا له علّه يعثر على ما هو مباغت أو يفهم إلى أين تتجّه الرواية بموضوعتها.
وصل نصّ نجوى بركات موضوعاتيًّا إلى مسألة تعويم الشيخوخة ، أي نجحت في تجسيد الظاهرة دون أي اضافات أو محاولة لدمج الموضوعة بالواقع القائم وأحداثه من حروب وأزمات اقتصاديّة وغيرها، ولم تكن الاشارة إلى هويّة الناطور بنبرة سيميائيّة إلّا سقطة تثير النفور، فلو رسمت ملامحه الهويّاتيّة بشكل واضح لأعطت النّص واقعيّة أكثر إلى جانب قصص كان لا ينبغي التغاضي عنها.
*التقنيّة وما لم يجده القارىء*
في نقده لنظريّة التجريبيّن " يولد الإنسان صفحة بيضاء " اعتبر المفكّر الأميركيّ نعوم تشومسكي أنّ الإنسان يولد محمّلًا بتجارب كثيرة وأنّ اللوح يستحال أن يكون أبيض منذ النشأة، إنطلاقًا من هذا النقد، نجد الرّابط بين القارىء الذي يعتبر وفقًا لدانيال بِناك خالق دائم للتفاصيل وما بين التحريض على التوليد وهو الجانب المفقود في نصّ بركات، فالمشاهد الجاهزة، والتفاصيل المتوقّعة والممكن الذي قدّمته ميّ في غيبتها واستنباطها واسترجاعها للأحداث لم يكن سوى معجم ثابت متّبع لمعاجم توثّق الشيخوخة كمفهوم اجتماعيّ عاطفيّ. تحاول ميّ أن تتجاوز صمت الشخصيّات التي خسرت فرصة التلقّي والتعبير، وهو ما جعل القارىء يرتطم بانكسار دائرة العوامل التي رسمها مسبقًا غريماس والبنيويّون في السرد الروائي والتي تتألّف من العوامل المساعدة والمعاكسة والعامل الذاتيّ المنفصل تمامًا عن العامل الموضوعاتيّ. أضاعت ميّ قضيّتها من خلال إنسلاخها شبه الكلّي عن المحيط وتقوقعها في بوتقة الذات فكانت الرواية امتدادًا لما سبق، فضلًا عن تأثّر بنصوص ومدوّنات روائيّة سابقة تعرفها الكاتبة لكنّها لا تظهر علنًا هذا التعلّق النصيّ بما سبق، ربّما حفاظًا على فرادة النّص أو ربّما لمحاولة انكاره.