ديوان شعر الغزال الذي تميز عن الشعر الأندلسي. بسمات أخرى تميزاً إضافياً، بذكاء الشاعر الألمعي وحضور البديهية والجرأة والصراحة إضافة إلى الثقافة الواسعة والميل إلى الدعاية، ففيه أهمية ومتعة وظرف قلما يتيسر في ديوان شاعر.
تميز الشعر الأندلسي بسمات جعلته ذا نكهة خاصة به صياغةً وأدوات وغرضاً. وديوان الغزال بعض من هذا الشعر، ولكنه تميز عن الشعر الأندلسي بسمات أخرى منحته تميزاً إضافياً.
فالغزال شخصية متميزة، كان جميلاً، وسيماً، ذكياً ألمعياً، حاضر البديهة، جريئاً، صريحاً، إضافة إلى ثقافته الواسعة، وميله إلى الدعابة.
كل هذه الصفات تجلت في شعره، وأسبغت عليه أهمية ومتعة وظرفاً قلما يتيسر لشاعر.
لتحميل الكتاب الكترونياً: http://www.archive.org/download/waqdw...
يُعَدُّ أبو زكريا، يحيى بن الحكم البكري الجياني الملقب بـ "الغزال" أحد رجالات الأندلس المشهورين في الأدب على امتداد الوجود الإسلامي بها، و"الغزال" وهو اللقب الذي اشتهر به لجماله وظرفه وأناقته، كان أحد الشخصيات المشهورة في عصر الإمارة الأموية
أورد ابن دحية الكلبي في كتابه المطرب من أشعار أهل المغرب خبر سفارته الى ملك المجوس وقال: "... كان الغزال في اكتهاله وسيماً، ومشى إلى بلاد المجوس وهو قد شارف الخمسين وقد وخطه الشيب، فسألته يوماً زوجة الملك- واسمها: نود- عن سنه، فقال مداعباً لها: عشرون سنة، فقالت للترجمان: ومن هو من عشرين سنة يكون به هذا الشيب؟ فقال؟ للترجمان: وما تنكر من هذا؟ ألم تر قطّ مهراً ينتج وهو أشهب؟ فضحكت "نود" وأعجبت بقوله،
فقال في ذلك الغزال بديهاً:
كلفت ياقلبي هوى متعبا ***غالبت منه الضيغم الاغلبـا إني تعلقت مجوســية***تأبى لشمس الحسن أن تغربا أقصى بلاد الله لي حيث لا***يلفي إليها ذاهب مذهبـــا كُلِّفتَ يا قَلبي هَوىً مُتعِباً *** غالَبتَ مِنهُ الضَيغَمَ الأَغلَبا إِنّي تَعَلَّقتُ مَجوسِيَّةً تَأبى لِشَمسِ الحُسنِ أَن تَغرُبا أَقصى بِلادِ اللَهِ في حَيثُ لا يُلفي إِلَيهِ ذاهِبٌ مَذهَبا يا نود يا ورد الشباب الذي *** تطلع من أزرارها الكوكبا قالت أرى فوديه قد نورا *** دعابة توجب أن أدعبا قلت لها يا نود بأبي إنه *** قد ينتج المهر كذا أشهبا فاستضحكت عجباً بقولي لها *** وإنما قلت لكي تعجبا
فلما أنشدها الشعر وفسره الترجمان لها، ضحكت منه وأمرته بالخضاب ففعل ذلك الغزال. وغدا عليها يوماً ثانياً وقد اختضب، فمدحت خضابه.. وفي ذلك يقول الغزال:
بركت تحسِّن لي سواد خضابي *** فكأن ذاك أعادني لشبابي ما الشيب عندي والخضاب لواصفٍ *** إلاّ كشمس جلِّلت بضباب تخفى قليلاً ثم يقشعها الصبا *** فيصير ما سترت بها لذهاب لا تنكري وضح المشيب فإنما *** هو زهرة الافهام والألباب أعجبت بشعره وأجد فيه من الذكاء والفطنة والحزم، ذكاءه مثل في بعض الأبيات التي يخبر فيها معرفته بالناس عن طريق مشيتهم (المشي) أو لسانهم وكلامهم:
يعرف عقل المرء في أربعٍ *** مشيته أولها، والحرك ودَور عينيه، وألفاظه *** بعدُ عليهن يدور الفلك
وأيضاً نقده لبعض الفقهاء الذين يغشون الناس ويأكلون أموالهم فيقول في ذلك:
لست تلقى الفقيه إلا غنياً **ليت شعري من أين يستغنونا نقطع البرّو البحر طلّاب الر**زق والقوم هاهنا قاعدونا إن للقوم مضرباً غاب عني ** لم يصب قصد وجهه الراكبونا
ومن سخريته ونقده اللاذع قوله عن أبي حازم:
سألت في النوم أبي آدماً *** فقلت والقلب به وامقُ أابنك بالله أبوحازمٍ *** صلّى عليك المالك الخالق؟ فقال لي: إن كان منّي ومن *** نسلي فحوّا أمكم طالقُ
في هذا الديوان بعض مابقي من شعره، وهو ديوان جميل لشخصية رائعة فريدة توفيت قبل 1200 سنة
وديوان يحيى الغزال ضائع، وكما قال معاصروه أن له ديوانًا كبيرًا، ولكنه لم يصل إلينا، ولم تتبق سوى هذه النتف التي توزّعت في كتب التواريخ، ولكنه مع ذلك وكما يقول المحقق، كافٍ لرسم صورة مرضية عن شخصية هذه الشخصية التي باطنها كظاهرها، والتي لا تحسن التلوّن والادّعاء، والقريبة من الجميع، والتي بها روح دعابة تبين حتى في أحلك المواقف
وعن التحقيق، هذا الديوان الأندلسي الثالث الذي قرأته بتحقيق د. رضوان الداية، ونعم!، هذا المحقق له روح يبثّها في نصوص تحقيقاته، وهي جليّة!، وقد يبدوا على أكثر تعقيباته قرب التناول والبساطة وتفسير الماء بالماء، إلا إنه ما زالت هناك روح سمحة تظلل التحقيق ككل، كعدم تعالمه على الشاعر عند مروره بكلمة مصاغة بشكل لم تسجّله اللغة في معاجمها تحت باب الكلمة الأصلية، بل كان المحقق يقول ببساطة آثرة عند هذه الكلمات الخارجة من سلطة المعاجم: هكذا استعملها الغزال
وفي هذا الديوان مثال يُعدّ خارج أعمال المحقق تمامًا، حتى أن المحقق عندما فعل ما فعل، جعلها تحت عنوان: "خاطرة"، أي كهامش شخصي على النَصّ، ولكنها مع ذلك أبرز دليل على وجود روح المحقق، وهذه هي القطعة التي تحمل بقايا هذه القطعة المتآكلة:
وها هو ما فعله:
وهذا جميل حقًا وغير مسبوق خاصة عندما تكون مساحة الخرق بهذا الحجم، وليس كلمة أو اثنتين يسهل توقعهما وضرب الاحتمالات لهما، لا!، ولكنه أخذ من الخبر النثري نفسه ما أعانه على محاولة بناء القطعة الشعرية بأكملها مرة أخرى، وبكل تأكيد لن يستطيع أحد أن ينسب هذه القطعة بعد ترميمها إلى الغزال، ولكنَّ قارئ الديوان سيسعد - بالتأكيد - بمنظر هذا البناء الجديد القائم على أطلال الدارس