كتابان مهمّان لا يستغني عنهما باحث في طبيعة الآليات الاستدلالية، أو في مباحث الفلسفة الإسلامية بمفهومها القديم المختص بالمدرسة الفلسفية المتأثرة المتأثرة بالآليات والمضامين اليونانية. الكتابان كلاهما لـ د. محمد المصباحي، وهما ضمن عدد من الكتب حول " فلسفة ابن رشد ": ١- الوحدة والوجود عند ابن رشد ( ج ١ ) ٢- من الوجود إلى الذات بحث في فلسفة ابن رشد ( ج٢ ) إذا كان د. طه عبد الرحمن قد أجمل القول في دعوى بيانية أو لنقل جدلية البرهان في كتابه " تجديد المنهج " - إذا أن موضوع الكتاب لا يحتمل شرح نظرة ابن رشد - ، فإن د. المصباحي قد فصّل وأقام الأدلة على ذلك، وعزى القول بقطعية البرهان الرشدي كما قال المرحوم الجابري، إلى مبالغة من الجابري، وأن القول ببرهانية الفلسفة الأولى ويقينية الإفادة البرهانية قول مبالغ فيه ولا يستقيم.
وإذا كان المرزوقي قد أسرف في ذم ابن رشد باعتباره أحد أربعة ( رابوع ) إفساد اللحظة النقدية للغزالي في الفلسفة الإسلامية - بمعناها الموسّع بنظرة العصر الحديث العربي / الإسلامي - فإن المصباحي يقتصد في النقد وعزو جدة لدى ابن رشد في بعض المناحي وتصويب نظرات من هاجمهم ابن رشد، مثل : ابن سينا، والغزالي أحياناً.
ابن رشد شارح آرسطو، شهرته أوسع من معرفته الحقّة، فبين متعصب له لارتباطه بدعوى معيّنة، ونابذ له لنفس العلة من جهة أخرى، أي المستخدم وسيلة لتمرير الموافقات أو المخالفات، فإن المصباحي قد بيّن في كتابه الأول " الوحدة والوجود ... " أنه ناظر في فلسفة ابن رشد بغض النظر عن تبعات ذلك والمآلات، وبذلك جاءت بحوث كلا الكتابين في غاية التفصيل والتوضيح والإبانة في موضوعاتها المطروحة، مع بعض المقارنات مع فلاسفة الإسلام - بالمعنى الأول القديم -، مدخلاً معنى جيداً لفهم التحولات تجاه بعض الموضوعات نتيجة تطور فكري لدى ابن رشد.
الكتابان يتطلبان عدة من ( معرفة جيدة بالمنطق الكلاسيكي / والمصطلحات الفلسفية القديمة / وشيئا من الفلسفات الأونطولوجية القديمة والإسلامية / والكوزمولوجيا ).
صاغ الكتابين بأسلوب استشكالي ، لامدرسي تقريري، ممسكاً بيد القارئ ليشاركه الاستنتاج بتؤدة، ثم مستشهداً بالنصوص الرشدية. ومن ثمّ التقدم بالنتائج المستخلصة، ورابطا مباحث كل كتاب ببعضها بتراتبية بنائية، ثم على العلاقة بين الجزئين كذلك.
مجموع الكتابين تقريباً ٦٠٠ صفحة، تسد مبدئياً التدقيق في الإرث الرشدي الفلسفي، الشكر للدكتور على ما قدّم للمكتبة العربية من بحوث رصينة ورسوخ في موضوع البحث.
أدعو المهتمين - فقط لا عموم القُراء - للحرص على اقتناء كلا الكتابين.