تُعَدُّ الترجمة ممارسة متواترة الوجود في تاريخ الحضارة الإنسانية، عرفتها الجماعاتُ البشرية من قديم الأزمنة في سياقات التواصل العابرة بين مختلف اللغات؛ وذلك من أجل غاياتٍ ومنافع متنوّعة أمْلتها -وما تزال تُمليها- ضروراتُ العيش الإنساني. وجرى تعريف الترجمة لغة واصطلاحًا بصيغ شتّى، تدور جميعُها حول معاني التفسير والنقل والتحويل، فهي على الإجمال: نقلُ الأقوال والأفكار والمفاهيم من لغة إلى أخرى، مع المحافظة على روح النصّ أو الخطاب المنقول. ويمكن القول أيضًا؛ إنّ الترجمةَ عمليةُ نقلٍ لنتاج لغويّ شفهيّ أو مكتوب من لغة إلى أخرى، مع كلّ ما يتطلّبه هذا النقلُ من اقتدار في الإنجاز، ووفاء لحقيقة المنقول. وقد أصبحت الترجمة حاجة مُلِحَّة لمواكبة التقدّم الحضاري، وتناقُلِ المعارف والمعلومات وتبادُلِها، فض ا عمّا للترجمة من دور لا يُستهان به في التواصل بين الأمم ذاتِ الألسن المختلفة، وفي إثراء رصيدها الثقافي والعلمي. وتتأكد أهمية الترجمة اجتماعيًا وإداريًّا وسياسيًا في كلّ دولة ومنطقة تتعايش فيها جماعاتٌ تتحدث لغات مختلفة. ومع تشابُك المصالح وتداخل العلاقات بين أفراد المجتمع الواحد وفئاته ومؤسّساته، تمامًا كما بين المجموعات والهيئات والشعوب والدول، فإنه ما عاد بإمكان الإنسان أيًّا كان وحيثما كان أن يستغنيَ عن خدمة الترجمة في شتّى الأغراض والمقامات، لا سيّما مع وجود وسائل اتصالٍ قوية وفورية، يسّرت تقاربَ الشعوب وتواصُلَها على نحو غير مسبوق. وقد تفرّعت مجالاتُ التواصل وموضوعاتُه في عصرنا، وتشعّبت غاياتُه وتنوّعت قنواتُه على نحو واسع، ما فتح المجالَ فسيحًا لتنامي نشاط الترجمة، وحوّلها إلى ركيزة مهمّة في التنمية الشاملة بصفتها جسرًا رئيسًا من جسور تناقُل المعارف والمعلومات يُمكّن الإنسانَ من تجاوز العوائق اللغوية، وهو ما أفضى إلى رُسوخ العمل الترجميّ بوصفه ممارسةً احترافيةً، وتخصُّصًا مهنيًّا ذا اقتضاءاتٍ ومتطلّبات مخصوصةٍ معرفيًّا وسلوكيًّا ومؤسّسيًّا. ومع اكتساب الترجمة لهذه المنزلة وازدياد الحاجة إليها والي المتخصصين في شتى فنونها برزت الحاجة الي وضع أدلة إرشادية لكل المهتمين بها من هواة ومحترفين لضبط أعمالهم بكل احترافية وتميز. ولهذا بادرت هيئة الأدب والنشر والترجمة وجمعية الترجمة إلى استحداث دليل مهني للمترجم في المملكة العربية السعودية ليكون نبراسا لكل المهتمين.