الطبعة الثانية المُحققة من مُذكَّرات بديعة مصابني. نُشرت بالتعاون بين دار نلسن في بيروت ودار ريشة للنشر والتوزيع في القاهرة. صدرت الطبعة الأولى قُرابة سنة 1956م، وحررتها نازك باسيلا نقلًا عن لسان بديعة مصابني.
الكتاب سردٌ لسيرة حياة بديعة مصابني مُنذُ أن وعت على الدُنيا إلى أن تقاعدت في بلدة شتورة ببقاع لُبنان. أُضيف إليها فصلٌ قصير يوضح ما بقي من سيرتها إلى أن أدركها الموت سنة 1974م. حُقِّقت هذه الطبعة تحقيقًا شاملًا، وأُضيف إليها هوامش كثيرة توضح ما قد يلتبس على القارئ من معلوماتٍ تاريخيَّة، وقورنت في كثيرٍ من الأحيان مع ما كتبه زوج هذه الفنَّانة، الأُستاذ نجيب الرِّيحاني، في مُذكراته التي نُشرت بُعيد وفاته.
في كل السير الذاتية التي قرأتها لم أصادف أبدا هذا القدر من الصدق والصراحة والصدق هنا في المقام الأول هو الصدق مع النفس والشجاعة في مواجهة الحقائق بدون تزيين وبدون تزييف حيث تروي بديعة قصة مؤلمة لطفولة تعيسة مع أم كانت تعاني من مرض نفسي شديد كما هو واضح من كل تصرفاتها عززه الجهل والفقر والعوز ونذالة عجيبة من كل رجال أسرتها حتى تسنى لها الهروب منهم وبداية حياة الاستعراض بكل ما لها وما عليها لكن المدهش فعلا هو قدرتها العجيبة التي احتفظت بها على العطاء وعلى تغليب العاطفة في مواقف كانت ترى هي نفسها ما ستؤول إليه الأمور ولا سيما في علاقتها بنجيب الريحاني والذي قرأت مذكراته هو الآخر وأحببته جدا لكن لكل قصة وجهان وقد اقتنعت بوجهة نظر بديعة فقد استغلها وظلمها كما فعل أهلها وكما فعل الكثير ممن أحسنت إليهم وأليهن ... قصة حياة مليئة بالعبر والمفارقات رويت بمنتهى الأريحية ودونت بسرد لطيف وسلس ... ما أبدعك يا بديعة
❞ كُتب علي أن أقاسي الوحدة حتى في سنوات شيخوختي، لكم سعيت إلى الفرار من شبحها، ولكم حاولت أن أدخل في عالمي إنساناً أبتسم له صباحاً، وأتمني له أحلاماً سعيدة مساءً، وما إن يخيل لي أنني وجدت من آنس به، حتى أصطدم بالجحود ونكران الجميل، لم يبق لي ولد ولا زوج ولا رفيق طريق. وبعد هذا السعي الطويل اقتنعت بما قسم لي، رضيت بنعم الله وها أنا أشكره عليها دائماً. ❝ الست بدعدع، كعادة في السير لا أحكام.. لا تعليق، لكنني يحزنني أن يُكره الإنسان على شيء، ولا أسامح والدة بديعة مصابني وأشقائها-لا أعرف إن كان التعبير دقيقًا؛ أمن حقي أصلًا أن أسامحها أو لا-؛ لأنني كلما تخيلت لو أنها أقل جنونًا وهيستريا لكانت هذه المرأة سعيدة، ولديها قصة ترويها عن زوج وبيت وأسرة-وقبل أن يعترض أهل الفن لا حاجة للقول أن بديعة، لم تكن راضية عن ما وصلت إليه.. يكفي قراءة العمل-، أصابني الغم والغيظ.. الغم على كل المرات التي حاولت فيها أن تصنع عالمًا وعائلة فأعطت لتسلب، والغيظ لأنها لا تتعلم-أنظروا من يقول هذا:)؟! التي شغلتها الحكاية وحزنت حتى ضلت الطريق كالأطفال-لكنني مع هذا أفهمها، وأفهم ما تفعله الوحدة في الإنسان وإن كنت لم ولن أفهم جولييت، ولن أتقبل للريحاني خيبته في نفسه.
من الظلم الكبير ألا يُذكر اسم نازك باسيلا على غلاف هذا الكتاب، إلى جانب كتابها الأصلي، خاصة أنها كانت المستمعة المباشرة لبديعة. فالمذكرات تكاد تكون نفسها، مع إضافات لم تكن في محلها، أبرزها الحواشي التي، في رأيي، جاءت غير دقيقة، خاصة فيما يتعلق بالمعلومات الفنية.
لماذا يُقدَّم تاريخ حياة ومذكرات فنانة بحواشٍ وتعليقات من مؤرخ سياسي؟ وما علاقتنا نحن بالدولة العثمانية أو بطريقة تسمية الدول في ذلك الزمن؟ هذه تفاصيل لا تمتّ بصلة لجوهر الحكاية.
كان الأولى أن يتولى مؤرخ فني تقديم هذا العمل، حتى تحتفظ المذكرات بخفتها ولطافتها، بعيدًا عن الطابع الأكاديمي الذي أضفته الحواشي، والتي لم تخلُ من الأخطاء، خصوصًا في ما يتعلق بالفن. على سبيل المثال، ورد أن نجيب الريحاني وُلد عام 1891، بينما الصحيح أنه من مواليد 1889. كما أُشير إلى أنه توفي في الإسكندرية، في حين أن وفاته كانت في المستشفى الايطالي بالقاهرة. كذلك، زُعِم أن فيكتورين نعوم كانت مديرة لمنزله، بينما الحقيقة أنها كانت زوجة صاحب مسرح “ريتس” وكانت تجمعها بنجيب قصة حب كبيرة و رعته في اواخر حياته و كان سيتزوجها.
المفارقة أن المعلومات السياسية الواردة في الحواشي تبدو أكثر دقة من المعلومات الفنية، التي استُمدت من مصادر غير موثوقة. فما الهدف إذن من إعادة إنتاج عمل نازك باسيلا، إذا كانت الإضافات لا تخدم جوهر المذكرات؟
في مذكرات بديعة مصابني تتجلى مأساة إنسانية حقيقية، وملحمة خذلان من الجميع: من الأم، والأخوة، والأقارب، والمجتمع بأسره. ظنّت بديعة أن اتجاهها نحو الرقص والغناء سيكون انتقامها المدمر لهم، لكنها اكتشفت متأخرة أنها كانت تعاقب نفسها. تتوالى الأزمات عليها من كل صوب . تُسلب أموالها، ويغدر بها الأصدقاء والمقرّبون، لتدرك أن العالم الموازي الذي صنعته لنفسها بعيدًا عن عائلتها لم يمنحها الأمان الذي حلمت به. وحتى حين عادت إلى عائلتها، لم تجد سوى الاحتقار والنكران، رغم كل ما فعلته لأجلهم. تبدو المأساة في أوجها في مواقف أقرب الناس إليها: ابنتها التي ظنت أن أمها تريد تحويلها إلى راقصة بديلة عنها، وابن أختها الذي لم يتوقف عن سرقتها، وابنة أخيها التي عيّرتها بالفجور بعد خلافهما. لم يكن هناك مهرب لبديعة ،فالمجتمع الذي ظلمها في البداية، عاد ليكسرها حين واجهته. لم أقرأ سيرة تفيض بالمآسي والعِبَر مثل سيرة بديعة مصابني. إنها حكاية امرأة دفعت ثمن تمرّدها مرتين: مرة حين تحدّت المجتمع، ومرة حين حاولت العودة إليه.
من أجمل المذكرات النسائية اللى قريتها ، بديعة بتحكي قصتها من غير تجميل من أول حادثة إعتداء جنسي حصلتلها وهي طفلة واللى بسببه صارت منبوذة في العائلة والمجتمع مرورا بالعنف الجسدي اللى كانت بتتعرض له من إمها ، وصراعها مع الفقر اللى خلاها عايشة في خوف مستمر من تكراره معاها ، وقصة حبها مع نجيب الريحاني اللى آذاها كتير بس ضلت بتحبه لحد ما مات ، بديعة بتحكي بدون خجل عن إحتياجها العاطفي المستمر للحب والأسرة اللى خلاها تتعرض للإستغلال من القريب والبعيد. شخصيه ما بتتكرر كتير في عالمنا كانت سابقة عصرها بكتير برأيي