كان كتابًا قصيرًا رائقًا، ومنذ الصفحة الأولى كان يقول الأستاذ وديع فلسطين: ولأن الذين كتبوا عن ناجي وأخرجوا الدراسات الكثيرة عنه لم يعرفوه بشخصه ولا شافهوه بلحمه ودمه، فقد آثرت أن أقصّر حديثي على ناجي الذي عرفته والذي عشت قريبًا منه طوال هذه السنين السبع.
لحظة، خطر لي الآن وأنا أكتب شافهوه (أي: خاطبوه مشافهة من شفة إلى شفة - وجهًا لوجه) أنها ربما هي الأصل الحقيقي لكلمة شاف العامية بمعنى رأى، فمعروف أن الذين أرجعوا كلمة شاف يشوف إلى أصلها الفصيح قد أجمعوا إلى أن أصلها بمعنى تطلّع أو أشرف على مكان عالٍ ثم نظر منه، ثم اطّرحوا معنى التطلّع والمكان العالي الذي نصّت عليه المعاجم القديمة واللغة في أصولها الأولى، ورضوا نفسهم بالقول بأن الكلم تحمل معنى الرؤية والنظر بصفة عامة، وذلك في محاوله تقريب اللفظ إلى الفصحى، ولكن ألا تبدو كلمة المشافهة أقرب للأصل التي جاءت منه شاف العامية؟! أعني لماذا أخذ العامة كلمة الشوف الفصيحة بمعنى التطلّع من المكان العالي لكي يصفوا أمرًا رأوه عن قرب وبأمّ أعينهم؟! هذا التفاف مثير للشكّ لتوكيد مصدر الكلمة الحقيقي، إذا كان لها أصل فصيح، وأعني أنظروا: اعتاد الناس على معنى لقد شافهته في هذا الأمر، بمعنى أنه قابله وكلّمه دون حجاب، ومنها في اللغة: شَافَه فلانٌ فلانًا، بمعنى أن فلان الأول تكلّم مع فلان الثاني وجهًا لوجه، ثم ما المانع أن تتحوّل شافَه مع الاعتياد والاختصار إلى شاف، أي من شافَهْ أحمد محمدًَا إلى شاف أحمد محمدًا؟!
عمّ كنا نتحدث؟! ^_^
كان هذا الكتاب (أو الكتيب) قصيرًا وممتعًا، وإن كان يمكن على قصره أن يتقسّم إلى ستّ أقسام! قسم فيه فترة المشافهة هذه بين المؤلف وناجي، وهو ليس فيه ما يثير الاهتمام سوى الفقرة الشهيرة التي اشتهرت منه وذاعت في الكتب الأخرى والتي يحكي فيها عن أن ناجي زاره قبل وفاته بسبعة أشهر في مكتبه بالجريدة الذي يعمل بها، ليشتكي له من «غدر الزمان» ثم ينفجر أمامه في البكاء في حشرجة أليمة (وهذا تعبير المؤلف) من إقصائه الظالم عن وظيفته بسبب ثورة التحرير التي أطاحت بكلّ من له علاقة بوزراء ورجال النظام السابق.
فهي ليست بسبب دسائس داخلية في بيئة عمله من زملائه، فالمؤلف يقول ببساطة: كانت صلة ناجي بوزراء الأوقاف الثلاثة ووزيريْ الصحة الذين عاصرهم في عمله بالوزارتين وثيقة، وقد انتفع ناجي بهذه الصلة، ولكن هذه الصلة أوهمت القوم أنه يشتغل بالسياسة، وفي عام ١٩٥٢، أُخرج من وظيفته كمدير للقسم الطبي بوزارة الأوقاف، وكان عمره ٥٥ سنة، وما زالت أمامه خمس سنين أخرى قبل أن يبلغ سنّ التقاعد.
وهذا قسم على جماله ينقضي سريعًا، من أسف، وقسم ثان جميل كذلك فيه تاريخ مختصر لحياة ناجي وشهادات لطيفة جمعها المؤلف عمن كان يعرفه ممن كتب عنه من قبل، وأجملها شهادة نعمان عاشور ووصفه لكتابة ناجي لأحد قصائده وانتهائه منها وهو يلهث بعد أن أنتهى من طوافه حول أحد القصور المهجورة (بيت الحبيبة؟!) ثم رفع الورقة بيده وقرأها عليهم وقال إنه أخيرًا شفيَ من قصة الحب هذه، وهذه «روشتة الشفاء»، ثم قسم ثالث فيه تلخيص بعض الحوادث الأدبية التي دارت حول شعر ناجي، من موقف طه حسين والعقاد وتجميع ديوانه بعد موته وبعض النقد الذي عني به وما إلى ذلك، ثم قسم رابع فيه بعض أشهر قصائده وقد أوردها كاملة في هذا الكتيب القصير، مثل الأطلال وليالي القاهرة والطائر الجريح، وقسم أخير فيه مقتبسات نثرية من كلام ناجي عن نفسه وعن شعره، ثم قسم عن حكاية زازا، وهذا كله متداخل، فالكتيب ككلّ كأنه مقالة طويلة مسهبة تتخلّلها نصوص القصائد الطويلة، إلا أن أسلوب وديع فلسطين يظل آسرًا في أن يجرّك إلى الصفحة الأخيرة بنعومة فائقة واستمتاع حقيقي.