لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث (حول ثورة العشرين) الجزء الخامس بـقسميه لـ علي الوردي من اصعب الكتب التي قرٲتها لعلي الوردي، خصوصاً القسم الثاني، لقد كان مكثفاً جداً و مليئاً بالٲحداث و الٲسماء و الٲماكن، القارئ ربما لا يستوعب المعلومات لٲول مرة، لذا بكل بساطة هذا الكتاب يُقرٲ مرة بعد آخری و كٲنك تقرٲها من جديد. طبعاً كما هو واضح من العنوان انه يتناول مرحلة اندلاع الثورة ٲو قبل ذلك حتی، فهو يوضح العوامل الاساسية، و الاجتماعية منها، و يبين دور الافندية و رجال الدين ايضاً. و لا ننسی ردات فعل الٲنجليز تجاه الثورة و وجهات نظرهم، لٲن الوردي يسرد لنا الاحداث من كِلا الجهتين، لكي تتبین الاحداث بصورة اوضح للقارئ. في القسم الثاني ينقد الوردي (كوتلوف)، و هو احد المستعربين الروس، كتب عن ثورة العشرين و نال شهادة الكتوراه علی ما كتبه، لكن الوردي يبين ٲخطائه بالدلائل و يوضح كيف ان هذا الرجل كان يستخدم مصادر موثوقة و يغير ما جاء بها من احداث.
نواصل مع الدكتور علي الوردي في الجزء الخامس والذي يحمل عنوان (لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث حول ثورة العشرين القسم الثاني) الحديث عن ثورة العشرين... وذكرنا اهم العوامل المؤثرة التي ساهمت في اندلاع شرارة الثورة وغيرها من الأمور في القسم الأول .. ويحدثنا الوردي في القسم الثاني من هذا الجزء عن العوامل الجديدة والتي ساهمت في إخماد لهيب تلكم الثورة الوطنية الكبرى.. ويسهب الوردي في عدة فصول وتفاصيل كثيرة عن خضوع الكثير من العشائر للقوة الساحقة للطائرات والمدفعية الانجليزية.. إن تولي السياسي الانجليزي المعروف او كما يطلق عليه مهندس منطقة الخليج (بيرسي كوكس) مقاليد الأمور في العراق ساهم بشكل كبير في تحطيم ثورة العشرين وامداد القادة العسكريين الانجليز على الارض بكل الاحتياجات و الاسلحة بكميات كبيرة مما سهل المهمة... كذلك تبرز لنا الوثائق العربية و الانجليزية التاريخية خيانة بعض شيوخ العشائر للثورة تحت تأثير النفوذ و المال وهذا ديدن الانسان على مر العصور... وفي الملاحق المرفقة بهذا القسم يحدثنا الوردي في الملحق الاول عن ثورة النجف فمن المعروف أن ثورة العشرين كانوا محركيها الملالي من ناحية دينية والعشائر من ناحية عسكرية.. ولكن في ثورة النجف نلاحظ تجنب الملالي او بعضأ منهم الظهور للناس وحثهم على مقاومة المحتل وهنا نذكر على وجه الخصوص رجل الدين كاظم اليزدي والذي كان المرجع الشيعي الرئيس في النجف والذي ساعد الانجليز بنواحي عديدة... اما الملحق الثاني يرد الوردي على مستعرب روسي يدعى كوتلوف ألف كتابأ عن ثورة العشرين واظهر الوردي التناقضات التي وقع بها المؤلف استنادا إلى مصادر المؤرخين العراقيين و القادة العسكريين الانجليز... اما الملاحق الأخرى من هذا الكتاب فخصصها الدكتور علي الوردي للحديث عن الماركسية كالماركسية والمادية والماركسية والدين والماركسية والموضوعية والعقيدة الماركسية كعقيدة حياة للإنسان بشكل عام.. ويثني الوردي في البداية على النجاحات التي حققتها الماركسية كافكار مطبقة على ارض الواقع في بعض الدول.. ولكن يظهر الوردي الإشكاليات التي وضع فيها الماركسيون عقيدتهم في مأزق كبير وخاصة العداء مع الأديان بسبب التنظير المتعصب للأفكار المنبثقة عن الماركسية والتي لا تقبل الشك بها و الاختلاف معها... ونقول نحن بدورنا تعليقا على الدكتور علي الوردي في حديثه عن الماركسية والثغرات الخطيرة التي تواجهها أن الماركسية كفكرة لا يمكن لها الصمود في وجه الفطرة البشرية والصدام الحتمي كان ولا زال.. وحلم الوصول إلى المجتمع المشاع او المشاعية الاولى هو عبث بالفكر البشري ولكننا لا ننكر كذلك أن في فترة تاريخية سابقة استطاعت الماركسية الاشتراكية تحقيق بعض النجاحات ولكن علينا إدراك أن الأمور والفلسفات تؤخذ من خلال عواملها التاريخية بتلك الفترة.. ونعلم اليوم عدد الدول التي تحولت من الاشتراكية إلى الرأسمالية وهذا لا يعني أن النظام الرأسمالي افضل ولكن علينا دائماً ادراك أن اي نظام يضرب الفطرة البشرية هو نظام ساقط لا محالة ولو بعد حين...
تكملة للسلسلة القيمة من كتب اللمحات الاجتماعية للعلامة الوردي، الا ان الجزئين هذا وسابقه عن ثورة العشرين فيهما شيء من الملل لكثرة سرد الاحداث والوقائع من كتب التاريخ والمذكرات للشخصيات التي عاصرت تلك الأحداث. لكن ثقل هذا الكتاب في النهاية التي تتضمن تحليلات اخرى عن اسباب الثورة ومقارنتها بالثورة الفرنسية، والملاحق الأخيرة عن الماركسية، ومناقشة أفكارها الاساسية وايجابياتها وسلبياتها وتطبيق نظرياتها على المجتمع العراقي...
جزء غني آخر بالمعلومات يتناول تاريخ ثورة العشرين بصورة مغايرة عن ما تناوله المؤرخين العراقيين من مجرد كيل للمديح لتلك الثورة والمبالغة في ذلك ،ربما يكون الحدث الوحيد في تاريخ العراق المعاصر الذي يرتقي لمصطلح "ثورة" وكذلك نلاحظ انها الحدث الاول والاخير التي نرى فيها وحدة لجميع العراقيين ، رغم سلبيات هذه الثورة الا انها حدث وطني جدير بالتذكر والتحليل واستقاء العبر كما ان الملحقات كانت ممتازة
تبدا الاحداث من عودة طالب النقيب بعد ان استدعاه ويلسون اتبع النقيب كل الطرق الممكنة لغرض مصالحه الشخصية وارضى السياسة البريطانية خاصة عن طريق تمجيد الانتداب البريطاني من خلال جريدة الشرق وبث الدعاية عبر مقابلة زعماء الحركة الوطنية امثال السويدي وغيرهم بان الانكليز يملكون قوة سوف تسحق اي مظاهر الاعتراض والضوضاء والثورة وتبرير سياسة الانكليز بانها في صالح المجتمع على العكس من الثورة التي يسعى قادتها لغرض مصالحهم الشخصية نلاحظ في ثورة ديالى التخبط الواضح من هالدين من خلال ارسال قوة الاحتياط ثم سحبها حيث ان ديالى تعد الطريق الرابط بين ايران والعراق لجيوش الاحتلال كما نرى عودة عادات النهب والضوضاء في اول ملامح عند انسحاب البريطانين من بعقوبة و راينا مهاجمة عشيرة لعشيرة اخرى في استغلال الاوضاع لمصالح شخصية مما ادى الى الابتعاد عن الثورة والانشغال في الدفاع اما ما حدث في دلتاوة فان الكبيشات وقائدهم ابو خشيم اعتبر نفسه حاكم على البلدة وبدا يطالب باخذ حصة من الضرائب كما اعتدو على اهالي البلدة من اليهود مما ادى استنكار ذلك واخراجهم من البلدة كما ان الثورة شملت شهربان وحدوث احداث مشابهة في دلتاوه . ان عدم الانضباط التام والانسجام بين العشائر والبلدات وضعف الامكانيات مقارنة بالقوة البريطانية القادمة من الهند اضافة الى قصف الطائرات ادى الى انتهاء الثورة في ديالى وانتقام البريطانيين وبالاخص من قرية دلتاوه حيث قتل عدد كبير من الاسر وحرقت البيوت كذلك بداية فشل الثورة حيث وصلت رسالة لهالدين من تشرشل بان القيادة العليا امرت بالقضاء على الثورة وانه سوف تمده بامدادت المطلوبة تم استخدام اسلوب الدعاية من خلال الترويج لبرسي كوكس بعودته وانه سوف يأسس حكومة عربية وانه صديق العرب والقاء اللوم وسبب الثورة على ويلسون نرى بعد دخول البريطانيين طويريج واحتلالها بعد ارسال لواءان من الحلة حيث ثار الذعر في كربلاء وقام فخري كمونة باستغلال الوضع بعد ظهور حركة قوية تؤيد الاستسلام وقد تمكن هو واتباعه من السيطرة على البلدة وقد ألف وفد الى الانكليز لغرض استسلام وقابلو قائد الانكليزي ساندرز فاوعز لهم بمقابلة كوكس وحين قابلهم قدم لهم شروط خمس لقبول استسلام البلدة . ان المدفعية والطائرات كانت من الاسباب التي دحرت الثورة حيث الفوارق الامكانيات كانت عالية جداً تحدث الكاتب عن العشائر وبعضهم باسمائهم التي ساندت الانلكيز و كيف تم لها استقطاع ارضي كبيرة لهم مكافاءة لجهودهم للبعض منهم وبعضهم بتقليل الضرائب عليهم يبين الوردي بان الظلم وحده غير كافي قيام الثورات بل يجب ان يكون شعور الشعب به من اجل قيام الثورة ويبين ان قيام الثورة الفرنسية كان بسبب زيادة الوعي حيث سبقت الثورة وجود مفكرين وكتاب ان ما يميز ثورة العشرين هو مشاركة جميع فئات الشعب العراقي وبالوجه الفرات الاوسط يتحدث الوردي في الملحق الاول احداث ثورة النجف والتي نراها قامت بسبب نجم البقال عندما اخذ يحشد اعوانه ضد البريطانيين و نتج ذلك مواجهة بين الثوار والبريطانين التي ادت الى مقتل القائد البريطاني مارشال ليتدخل القائد البريطاني بلفور ويقوم بوضع حصار شديد على النجف لايرفع الى حين تسليم الجناة والثوار استمر هذا الحصار على الاهالي وادى الى انتشار العطش والمجاعة خاصة لدى الفقراء وقد حاول المرجع اليزدي في اكثر من مراسلة رفع الحصار ومطالبته لأصدار عفو عمومي لكن بلفور تمسك برائيه وذلك لاقتناعه بمدى الضعف والوهن الذي وصل إليه الثوار مما دفعه للتمادي والاصرار على مطالبه السابقة وهو تسليم القتلة دون قيد أو شرط وان الفوضى والانقسام سوف يظهر بين الثوار في القريب وهذا ماحدث في نهاية الامر حيث تذمر الناس وقام البريطانيين بمهاجمة تل النجف الذي كانو فيه الثوار وبعد ذلك دخول الى المدينة وتضييق اكثر ثم منح مكافاة لمن يقبض او يدل على الثوار وادت النهاية الى القبض على عدد كبير واعدام 11 شخص منهم البقال وقد يلاحظ اثناء القراءة بان اليزدي كان ميال للبريطانيين لكن الواقع مغاير الى ذلك فان المرجع في سنين السابقة القريبة من الثورة قام بافتاء بالجهاد لغرض الدفاع ضد البريطانيين على مرتين الى حين تقهقر العثمانيين بسبب سوء سياستهم التي ادت الى نهاية وجودهم وتم نفوذ الانلجيز في وسط وجنوب البلا�� في الملحق الثاني يرد الوردي على الدكتور الروسي كوتلوف الذي الف كتاباً حول ثورة العشرين ويظهر الوردي النتاقضات العديدة بعدة استدلالات يتحدث بعد ذلك في الملاحق المتبقية عن الماركسية
إستكمل الوردي هنا جزءه الخامس بقسمه الثاني بنهاية ثورة العشرين وحوادث إستسلام المدن والعشائر والقيادات العراقية القائمة بالثورة آنذاك . هنا تجد صلابة في مواقف متباينة فشيخ عشائر بني حچيم يلاوي ذراع بريطانيا العظمى ( مدينة الرميثة / جنوب محافظة المثنى العراقية) بينما أحد شيوخ بني أسد الشيخ ( الخيون) يتصلب بالدفاع عن ولائه لبريطانيا والذي مُنح بعد ذلك إمتياز سطوة الأراضي ودخوله للبرلمان العراقي في عهد الملك فيصل ، مواقف ستجدد في عاصر الأيام وتتكرر الأحداث في هذه الأيام دونما تغير أو تبدل . أحببت في هذا الجزء ما سردته السيدة أسيرة إبن عبدكة (المس زيتون) على ما أذكر وسردها لمواقف الأسر بيد الثوار ومن ثم مصير إبن عبدكة
"إن البشر مختلفون من حيث مواهبهم الطبيعية، و لا بد أن يكون بينهم الناجح و الفاشل في مختلف الأمور. و ليس في مقدور أي نظام اجتماعي أن يجعل الناس كلهم ناجحين متفوقين على درجة واحدة. و إذا حصل مثل هذا صار المجتمع أشبه بمجتمع النحل و النمل منه بمجتمع البشر."