كتبت دار الهلال على غلاف الكتاب الخلفي كلمة جاء فيها أن هذا الكتاب هو آخر الآثار التي كتبها المؤلف قبل وفاته، وإن النيّة كانت لديه أصلا هي صرف النظر عن كتابة هذه الذكريات لأن الظروف لم تساعف!، فهو قد ألّف كتاب شامل عن خليل مطران يلمذ بنواحٍ عدة من حياته، وكان ينوي أن يفعل الأمر نفسه مع شوقي وحافظ (ولعلّي فاعل ذلك في مستقبل الأيام!)، لم يكن ثمّ مستقبل إذن!، وربما أحب سرعة خروج هذه الذكريات الشخصية عن الأميرين قبل أن تتعقد الظروف عليه أكثر!، فهو صحفي شاب ممن كان يقترب من هالة مَن ملأ السمع والبصر من أدباء العصر، ليتقدم الصفوف بعد موتهم ويؤلف كتابًا يقول في مقدمته:
قد كان من حظي أن أعاصرهما، واجتمع بعما فترة من الزمان قبل أن يغادرا الدار الفانية إلى الدار الباقية، وكنت وقتئذٍ في مقتبل حياتي الأدبية والصحافية، فساعدتني الصحافة التي احترفتها على الاجتماع بهما والتردد عليهما، فعرفت عنهما ما لا يعرفه الكثيرون، وكشفت من أمرهما ما لم يكتشفه الأكثرون، فجمعته في هذه الذكريات ودونته في هذه الفصول
ولا ريب إن المعاصرين لهؤلاء العلماء والأدباء يعلمون عن حياتهم ما لا يعلمه غيرهم ممن يأتون بعضهم، ولهذا كنت كمعاصر لشوقي وحافظ حريصًا على أن أضع هذا الكتاب عنهما، مسجلاً فيه أهم الذكريات، وأصدق الصور، وأطرف اللمحات
وما أكثرهم في كل عصر ومكان، وما أحوجنا إليهم أيضًا، أي نعم!، فما أجمل الذكريات التي تنطلق من فم الأصدقاء والخلصاء والزملاء للفقيد الراحل، فكلامهم عنه أكثر عمقًا وأسنى حكمًا وأنفذ نظرًا من أحاديث هذه الكائنات الطفيلية الملتصقة غصبًا بالسراج!، ولكن ما أحوجنا إليهم لأن فئة الأصدقاء والخلصاء هذه لا تفصح عن كثير!، أنتم تعرفون مَن هو أكثر طعن وجه لأبي هريرة رضيَ الله عنه، ألا وهو كثرة الرواية عن الرسول عليه الصلاة والسلام مع القصر الشديد لفترة مصاحبته له عليه الصلاة والسلام، بينما رجل لديه مكان مكين كأبي بكر الصديق لم يضمّ الصحيحان (البخارى ومسلم) من أحاديثه عن الرسول صلى الله عليه وسلم سوى ستة أحاديث لا غير!
الكتاب جميل بالتأكيد، وكانت لدى الصحفي الشاب جرأة ليسأل كلا من شوقي وحافظ في بيتهما عن رأيهما في الآخر!، وسأل شوقي عن طروف كتابته للمسرحيات ولماذا اتجه لهذا الفن وكيف كان يعدّ له، وسأل حافظ عن الأستاذ الإمام محمد عبده كثيرًا، وكان حافظ يتحدث عنه حتى يتهدّج صوته ويتأثر للذكرى، وسأل شوقي عن المنفى، وكيف عادَ منه بعد خمس سنوات وقد زادت أوتاره وترًا جميلا غير مألوف، فيجيبه شوقي بك:
نزلت برشلونة مع عائلتي، ونزلها أيضًا الأمير عزيز إبراهيم، والأمير حبيب لطف الله، ولم يكن فيها من الجالية العربية أحدٌ غيرنا، فأدخلت أولادي في بعض مدارسها الراقية، ثم عكفت على قراءة كتب الأدب العربي في غير أوقات النزهة، فاستوعبت منها ما لم أكن قد استوعبته، وطالعتها كلها حتى أكاد أقول إنه ليس في الأدب العربي كتاب لكبار الأدباء لم استوعبه خلال السنين الخمس التي عشتها باسبانيا
ثم يتحدث عن أجواء أسبانيا وذكرياته بها، ويعود لهذه النقطة مرة أخرى فيقول: في هذا الجو وفي ذاك الوسط الكريم نشأت نشأة أخرى في الأدب العربي، واستأنفت دراستي له بعناية واهتمام، وتوفرت على رياضة الذهن في ثمرات القرائح العربية، منثورها ومنظومها، فحصلت منها على ثروة لم أفز بها من قبل