أنا لست هاويا لصور الضحايا على التلفاز لأتحسر، لهذا فدائما ما أبتعد عن مثل تلك المشاهد.. لأنها فى الحقيقة لا تُحيى فينا الإنسانية، بل تقتلها بتكرار مشاهدتها.. لكن هناك طرق عدة للوصول إلى مرحلة أكثر سموا وإنسانية، هناك المُعايشة مثلا، أن تسمع الضحية، أن تسمع اللاجيء، أن تسمع العاشق لمدينته، والقوى بحاضرته، أن تسمعهم جميعا فى بيت من الشعر، وتتذوق.. تتذوق الشعر وتأسى.. تأسى لحبات مطرٍ امتزجت برائحة الرصاص، وتشم! تأسى لفتاة دمشقية بلل الدمع شفتاها.. وتشعر بطعم الملح! تأسى لصرخة طفل يهلع من صوت الرصاص.. وتأسى أكثر وأكثر! ـــــــ طوبى للحزانى ـــــــ
اللغة تتسم بالعلو، الأسلوب ناضج.. بعض الصور مدهشة لدرجة عميقة، وبعضها غير مفهوم مثلها مثل لوحة سيريالية غامضة مثل بيتٍ أدونيسىّ مُبهم مثل أشياءٍ مبهمة أخرى، صارت واقعاً، لذلك فقراءتك هذا النوع من الأدب يُعد اعترافا ضمنياً بأحقية وجود الشعر الحر، رغم أن الكاتب أحمد قطليش نفسه لم يعترف مسمياً إياها (نثريات) وأنا مُتفهم الموقف.. لكن تظل اللغة والتصوير وحدهما شاهدين على قدرة الشاعر على إدهاشنا.. ـــ الكتاب بدأ بمقولة لتشيخوف، وانتهى بأخرى له... وهذا شيء رائع بالنسبة لى ــــ لابد هنا أن أشكر الصديق العزيز هانى عبد الحميد على النسخة التى أهداها إلىّ، أول كتاب يُهدى إلىّ
لم يكن الأمر كما ظننت ...فلقد حسبت أن ديواناً دمشقياً حديث الولادة هو لابد صورةً أكثر شاعريةً للركام ...توقعت لوحةً داميةً يسّاقط الرصاص على جنباتها وتحفها الألغام ..فباغتتني حينها إحدى حقائق علم النفس: إن البشر غريزياً يميلون إلى تجاهل الحديث عن الأمر الأكثر إيلاماً للنفوس ..كأن تمطر السماء بوابل القنابل ثم يصيح أحدهم شاكياً مرارة القهوة أو تكاثف الغمام ...وكأنه حين يفعل، يثقب فجوة ذاتية في جدار الواقع الغليظ ، تبدو منها البلاد وكأنها مازالت أهلاً للمقام ....فكذلك لن ترى هاهنا جثث قتلى أو بقايا أشلاء فالمقام كله كان حديث حب ..حيث يحتضن (أحمد قطليش) كف ليلاه السمراء ....ليجالسها على حافة تلك الفجوة المطلة على دمشق ...يتبادلان القهوة وأحاديث من غرام بينما يتابعان الرصاص في السماء كسربٍ من يمام ... فقط كان يعنيه أن يكون أكثر دقة من سواه ....فقال منذ البدء : ((بعيداً عن دمشق لا ينضج قلبي بالحب مهما عظم ..ستبقى به فجوة بحجم باب شرقي))...لذا وجب عليّ التنويه!!
ثم إني وجدت ريح (درويش) لولا أن تفندون التراكيب ، وتدققون في الأبيات ، وجدتها حين تفسح القصيدة بيتان أو أكثر ل(الزعتر البلدي) ...ووجدتها في هوس القهوة.. ..ذاك الذي لم ولن تدركه امرأة مثلي لا تشرب إلا مغلي الأعشاب .. كأن يقول (قطليش) في إحدى المواطن : ((القهوة كالحب ..أو أشد بياضاً))..وحين يشار إلى الحبيبة والوطن ب(البلاد) وكأنهما العالم كله أو أرحب ، فيقول : ((وهي البلاد إن اغتربت ..هي العباد)) ، وفي بعض تفاصيل الغزل ، كأن يقول : ((وجهك كالبحر أو أقل قليلاً)) و ((أحبك.. تنحني السنابل أكثر))..وفي هذه الذاتية الهشة : ((وأنا ..أنا المصاب بك ..أهزأ بالوقت وبالموت وبالطلقة ..أتصبب توقاً ))...درويش رحمه الله وكل ما تجود به الرياح من مقامه هو ذكرى عشر سنين ماضيات من صباي ....فأن يمر بناظري في غير عمدٍ منمنمات درويشية المذاق كهذه ..له عندي سعادة أن تدير المذياع فجأة لتجد أغنيتك المفضلة تعدو باتجاهك مع بعض الذكريات.
ورغم أني أحب تلعثم البدايات وخجل المبتدئين ...إلا أني نظرت هنا إلى ( قطليش) وهو يسير الهوينى واثقاً في مقطع من القصيد قد يبلغ الصفحة أو الاثنتان ...قبل أن يقرر مختاراً أن لا يتعدى المقطع الثاني أكثر من سطرين ,..ثم ستلحظ قرب الانتهاء أنه ضرب بالعناوين عرض حائط الاعتياد ..فالقصيدة واحدة أو أشلاء؟؟ ..هذا بالنهاية قرارك!!..يقول مثلاً في متفرقات نثرية وحيدة : ((كلنا لاجئون ، لأن التراب الذي يحتوينا لا يستطيع تحملنا للأبد )) ((الجميع يشتركون في القتل ، حتى الذبابة التي تزعج القناص ، فيقتل شخصاً فائضاً عن رغبته في القنص)) ((في موقف الباص أذكرك كثيراً ..لا لتعبئة وقت زائد ..بل لارتباطه بالانتظار))
وكنت أظنني الوحيدة التي وجدت الكثير من الدراما في تلك الحقيقة البيولوجية القائلة بأن خلايا القلب والعقل لا تملك القدرة على الإحلال والتجديد ..يقول قطليش: ((خلايا القلب لا تتجدد كخلايا البشرة أو الشعر أو الظفر خلايا القلب واحدة متوحدة ..خلايا القلب لا تمسح ..لا شئ يُمسح وإن كانت الذاكرة تنسى ، القلب لا ينسى ..لن ينسى كل هذي الدماء ولن يقتل جزءا ممن في القلب ..فيموت))
أما الأقرب لقلبي من كل الديوان ..فكانت هذه الأبيات : ((وجهكِ فضفاضٌ علي لا أعرف كيف أتلبسه أتخبط به كقطٍ سقط ببركة ماء باردة وجهكِ يحنو عليّ كشالٍ دمشقيّ عتيق يا وجه أمي يا رقيق
وأرجف من وجه أمي الحزين ...كرجف حمام تبلل وأخفي ارتجافي ، وأخجل حين تصلّين وحدك للعدو وللولد أمي تصلي للبلد عبثاً نصلي للطغاة وللدماء أمي تصلي للبلاد إلى السماء ))
نعم أهوى جمع الألفاظ وبعض العبارات، أمارسها حتى في أوقاتٍ تنوء بالتعب ، فوضعت هنا علامات بجوار المقاطع المتفرقة التالية : ((ونامي ..نامي إذا ما استطعت اقتطاف الرصاص المتشبش في البال ..في البال أغنية نامي ...لأفرشها بيني وبينك ...فما بيننا موت أكثر)) ((نامي قليلا عليك السلام )) ((ونضحك من كذبنا ..كم لنا لم ننم بسلام! )) ((وأصمت كما أي شئ ..ولست أنام)) ((وجهك ما يبقى لي الآن حين تنام البلاد على نفسها في عراء )) ((تعالي نعدّ الرصاص على أنه خراف النعاس لنومة كهفٍ)) ((ولا أنام ...وكيما أنام ، أعد تفاصيل البلاد خيبة ..خيبة)) ((أعيدي لي الآن خفقة دفءٍ أهدهد قلبي الذي يتسع ...وبعض النعاس ..قليل من النوم ..كثير من النوم ....فأرقى السماء)) ((تعالي ننام كثيراً ..تعالي)) ((نامي قليلاً لتصحو على رجعها الروح من نخلة عاقرة)) ((نامي لتتحرر كل الضحكات التي خبأتها عني بلؤمك)) ((أهزّ لها البحر كي تستفيق...تهزّ لي الغيم كيما أنام )) ((قلبي ظل لا يحتاج الضوء ليولد ..ظلي أفرده ..أمد عليه شقائي ...أرجف ، أتدثره ، أنام )) ((لكن حفنة الثقة تلك لن أهبها إلا لموتي ...أغمض بها عين البصيرة فأنام ..أنام ..أنام ))
وبينما أترجل من باص العمل عائدة لمنزلي وأنا أجوّع ما أكون إلى ساعتي نوم، أسمع الصوت في نفسي قائلاً بإصرار : فقط تذكري أن تلومي الكاتب على كل هذا القدر من الغفوة والنعاس ...أستيقظ اليوم نشطة لأعيد قراءتها مجمعة وعلى وجهي ابتسام ..لأسمع نفس صوت البارحة يقول اليوم معاتباً : بأي ساعات الحياة ياترى تكون لنا القدرة على ليّ ذراع الواقع ...تكبيله في زنزانة فردية لنحقق الأحلام ؟؟ ...فليحيا إذن المنام ..ودعيه ينام!!
ملاحظة خاصة : باقتا شكر أرسل واحدة منها إلى زميلنا الشاعر (أحمد قطليش) ، على وليده الأدبي الجميل هذا وأعلم أن القادم منه أجمل وسأنتظره ،..أما الأخرى فهي للصديق (هاني عبد الحميد ) ..والذي دلّني على الجمال مرتين ...واحدة حين عرفت من خلاله موقع (أبجد) العربي الحميم ..والأخرى حين تكبد العناء باسماً ليهديني هذا الديوان ... والدّال على الجمال عندي كفاعله.
ترددت كثيراً قبل تقييم الكتاب وكتابة مراجعة له والسبب هو تأثري بكتابات قصصية للكاتب أعجبتني كثيراً وقد سقطت في فخ المقارنة للأسف! نثريات مذاق باب شرقي أعجبتني حيناً وأرهقتني أحياناً في محاولة يائسة للفهم وان عجزت في بعض الأحيان عن فك شيفرة بعض الصفحات الا أنها كانت صادقة تطل من بين السطور بانسيابية وحنين واضحين. عانيت من حالة عدم فهم في البداية الا أن اعتدت شيئاً فشيئاً على أسلوب النثريات هذا!
أخبرني كاتب هذه النثريات أن من أساسيات الكتابة أن تخرج الكلمات والجمل بانسيابية بعيدة عن التكلف وأعترف أنني اتخذت من هذه الكلمات معياراً لي في تقييم الكتاب ويكفيني أنه على الرغم من عدم قدرتي على فهم بعض التراكيب والتشبيهات الا أنها كانت محملة بعاطفة صادقة لا تخطئها عينا القارئ.
قد لا يكون محل هذه الكلمات في هذه المراجعة ولكنني أتمنى من الكاتب أن يستمر في كتابة القصص على خطى صديقه تشيخوف فلديه ملكة سردية قادرة على أن تصلني كقارئ بدون تكلف.
أعجبتني تلك النثريات القصيرة ذات الجملة والجملتين كثيراً وان كنت بدأت باستخدامها كاقتباسات من الكاتب منذ فترة :) ومنها ما وقفت عاجزة حقاً أمامها مثل: كلنا لاجئون، لأن التراب الذي يحتوينا لا يستطيع تحملنا الى الأبد. قليل من الحزن صلاة. لا أذكر وجوه الشهداء/ أذكر شهقة أم عند سماع المدفع/ شهقة تحمل صورة كل الذين تحبهم/ أن يصبحوا من رجعه شهداء! فلنكن واضحين اذاً/ ولا نذكر الشهداء بأفواهنا/ لنقنع أنفسنا بالبراءة/ ولنكن صادقين اذاً/ ونصمت حتى انتهاء الذي قد صنعنا/ بأنّا امتنعنا عن صنع ما ينبغي واكتفينا بعد الرصاص.
في النهاية أشكر الصديق الكاتب أحمد قطليش على الكتاب والإهداء... قرأت الكتاب الى الآن مرتين وحتماً سيكون مصدراً خصباً للاقتباسات... وعلى الرغم من كرهي الشديد للقهوة والتي شممت رائحتها كثيراً في جنبات هذا الكتاب الا أنها كانت لذيذة بمذاق الزعتر البلدي والشاي الدمشقي :)
بعيدا عن دمشق لا ينضج قلبي بالحب مهما عظم ستبقى به فجوة بحجم باب شرقي . من عرف دمشق و عرف جمالها ..صباحاتها ..قهوتها ..ياسمينها..لا يملك إلا التغني لها في أيام السلم و نشر الآهات عليها في أيام الحرب. يقول أحمد: نحن لا نحب المدن بل تفاصيل الأرواح المنبعثة من حجارتها الأرواح التي فاضت برؤاها على الأيدي لتشكلها حجرا حجرا.. و الأرواح التي مرت فتركت عبقها... و هو ما ذكرني بما قرأته في رواية قواعد العشق الأربعون لإليف شافاق و هي تقول : لا يوجد جمال على وجه الأرض يدوم إلى الأبد إذ إن المدن تنتصب فوق أعمدة روحية كالمرايا العملاقة و هي تعكس قلوب سكانها فإذا أظلمت هذه القلوب و فقدت ايمانها فإنها ستفقد بريقها و بهاءها،لقد حدث ذلك لمدن كثيرة،و هو يحدث دائما. و هو ما جعلني أفكر كثيرا بدمشق و أحزن و أتساءل هل حقا ستفقد بريقها و بهاءها بفعل الحرب... أم أن قلوب سكانها تحمل من الإيمان ما يفوق سواد و شراسة القذائف و الرصاص و الحواجز.... و بعيدا عن دمشق ، أحببت الكتاب و أحببت الحب الكامن فيه ( فالحب ماء الحياة كما يقال) شكرا أحمد ..
ولعلّ من الظلم تجاه هذا الكتاب أن تدخل بين أوراقه ولم تحضّر طقوسك الخاصة من هدوء وقهوة، ذاك أن الكلمات الرائعة لا تُقرأ إلا بهدوء، فما التلذذ بفنجان القهوة بشربه دفعة واحدة، بل باحتسائه على مهل، وكذلك إن أردت التعرف على مذاق باب شرقي، احتسِ كلماته على مهل ..
لطالما رأيت أن الحرب الشديدة يولد فيها ذاك الحب الشديد، ذاك أن حاجتنا إلى الأمان تزداد، فيرجف الضلع الأعوج طالباً أن يعود إلى صاحبه الذي أخذ الفراغ فيه بالنزف شوقاً.. وبذلك كان هذا الكتاب مزيج سحريّ بين الرصاص والغربة والحب، أو هو هلوسات مغترب روحه تناشد وطناً بعيداً كالسماء قريباً كدقة القلب ..
بعض المقاطع فيها شيء من الغموض، تذكّرني بدرويش، وبعضها فيه شيء من التكرار، ربما لتكرر المفردات .. أو لربما لأنها صادرة عن ذات الوجع .. عجيب هو الوجع عندما يسطّر كتاب!
ومقاطع أخرى كثيرة جداً .. مدهشة .. خطيرة! من الصعب اختيار بعضها دون الآخر جداً ..
أنا قليل الكذب في الكتابة عنك إذا أطلَ وجهك فجأة.. ستكفي حبة أوكسجين زائدة في شهيقي، ليختلّ الهواء ما بيننا وينقبض قلبك من حبة أوكسجين ناقصة ..
____
الجميع يشتركون في القتل حتى الذبابة التي تزعج القناص فيقتل شخصاً فائضاً عن رغبته في القنص..
____
وجهك فضفاض عليّ لا أعرف كيف أتلبّسه، أتخبط به كقطٍّ سقط ببركة ماء باردة.. وجهك يحنو عليّ كشال دمشقي عتيق .. يا وجه أمي الرقيق ..
____
والكثير.. مما يجعلها أمنية ألا ينتهي هذا الكتاب أبداً .. :)