أغبط كل من استمع إلى محاضراته في تاريخ اليونان، فطريقة هذا الأستاذ الجامعي في عرض هذه المحاضرات جاذبة وواسعة الآفاق وليس فيها هذا السرد الجاف للأحداث، وربما كان سبب هذا في إنه لم يطمح في نشرها في كتاب (!)، وتعجب أصلاً عندما طلب طلابه منه ذلك!، فهو يقول في مقدمة كتابه الجميل: في هذا الكاتب جمعت المحاضرات التي كنت قد ألقيتها، قبل سنوات، على طلاب قسم التاريخ في كلية الآداب بجامعة دمشق؛ إنني لم أفكر حينذاك في طبعها لقلة عدد الطلاب من جهة، ولأن الموضوع لم يكن قد اكتمل بعد من جهةٍ ثانية، على أن الطلاب ظلّوا - بعد إحالتي على التقاعد - يتناقلون هذه المحاضرات منسوخة على الآلة الكاتبة، وأخيرًا فاتحني بعض أساتذة قسم التاريخ من تلاميذي القدماء في طبعها بسبب الحاجة الشديدة إلى كتاب في تاريخ اليونان يرجع إليه طلاب التاريخ المتزايد عددهم
ويشكر بعض "تلاميذه القدامى" ثم يقول: حقًا إنه لمن أكبر دواعي الاعتزاز والرضى لأمثالي من المدرسين أن نرى تلاميذنا القدماء يسبقوننا في البحث العلمي ويحملون بعدنا شعلة المعرفة ويسهمون في نشر الثقافة
فهذه المحاضرات لم تكتمل، فهو يبتدأها بالحديث عن أهمية دراسة التاريخ اليوناني، وعن بلاد اليونان القديمة وجغرافياتها، وأبرز عصورها الأولى، وعن دور الانتقال من البدواة إلى الحضارة وتأثرها بالحضارات المجاورة كالفينيقين والبابليين، وكذلك عن نشأة الفلسفة الأولى والأدب والشعر وهوميروس، وكذلك عن أشهر أركان اليونان المتمثلة في آثينا وأسبارطة، وعن الحروب الفارسية الأولى والثانية وحسن بلاء أثينا وتفانيها في تلك الحروب الفارقة في تاريخها، ثم سطوع نجمها (مقابل خفوت نجم اسبارطة) الذي أدى إلى زعامتها لليونان وإنشاءها للاتحاد الديلوماسي تحت قيادتها
وهنا ينتهي الكتاب!، وهناك جزء ثانٍ لم يكتبه المؤلف أو لم ينشره قط!، قال فيه إنه سيتحدث فيه عن الفصول المتبقية ابتداءً من عصر بريكلس إلى الإسكندر الأكبر وخلفائه، رغم إنه قال في المقدمة الأولى إنه يزمع كتابته ونشره، وكان حينئذ قد خرج إلى التقاعد منذ سنوات كما قال، ولكنه بعد ذلك وبعشرة أعوام أخرى، نشر الطبعة الثانية من هذا الكتاب (الجزء الأول)، وقال إنه سعد بالإقبال غير المتوقع عليه وبإعادة نشره، وإن لم يشر - بغرابة - في مقدمة الطبعة الثانية إلى مصير الجزء الثاني والذي كان سيتمم به هذا الكتاب، وها قد مضت الآن ثلاثون عامًا تقريبًا على الطبعة الثانية، فلربما إذن أغرته الراحة بعد خروجه إلى التقاعد، أو العكس!، فتعاظمت عليه الأوجاع والمتاعب! .. علي أيَّ: رحمه الله تعالى وأجزل ثوابه
وليت الأساتذة الجامعيون يتحدثون هكذا في محاضراتهم:
ويمكن للزائر اليوم أن يشاهد آثار هذا المسرح العظيم الذي مازال على حالته الأولى، فإذا وقف في الدائرة المركزية الواسعة المصنوعة من الحجر، التي تسمي «أوركسترا» (أي مكان الرقص)، والتي كان يجري عليها التمثيل، يستطيع أن يرى أمامه أربعة عشر ألف مقعدًا ترتفع من ثلاث جهات على شكل مدرج، ومما يدل على المهارة المعمارية إنه يمكن من كافة المقاعد مشاهدة مكان التمثيل وسماع أصوات الممثلين بمنتهى الوضوح، ولابد للزائر - وهو يتأمل هذا المسرح - من أن يتصوّر بالخيال جماهير المتفرجين يتدفقون من المدينة في مرح لحضور إحدى روايات «أوريبيديس» ويشعر كأنه يشارك اليونانيين القدماء حياتهم الزاخرة في الهواء الطلق
كتاب تاريخ اليونان للدكتور محمد كامل عياد 💛 يدرس الكتاب في البداية الظروف المناخية و الجغرافية التي ساهمت في قيام الحضارة الإغريقية منذ الحضارات الإيجية الأولى Aegean civilization: كالكريتية Minoan period (نسبة لجزيرة كريت Crete و التي بدأت دراستها عقب إكتشاف قصر Knossos الذي يفترض انه كان للملك Minos، خلال الحفريات التي بدأها العالم الانجليزي Arthur Evans سنة 1900)، و الحضارة الميسينية Mycenaean civilization بشبه جزيرة اليونان... كما تحدث عن حرب طروادة التي ظل المؤرخون حتى القرن 19 يعتبرون ما جاء بأشعار هوميروس Homer مجرد أساطير حتى اكتشف الحالم الألماني Schliemann آثار طروادة و غيرها من المدن المذكورة بكتاب شاعر الخلود.. و يظل في الأسطورة شيء من الصحة🥀.. كما تحدث الكتاب عن هجرة القبائل اليونانية و أصولها و اختلاطها بالحضارات الشرقية و خاصة المصرية و اقتباسها منها و عدد شعراءهم و علمائهم و فلاسفتهم و نشأتهم، و قيام المدن و النظام الديمقراطي و تطور الفكر و الفنون و الأدب و الفلسفة خلال الفترة العتيقة و العصور الكلاسيكية، و الغزو الفارسي لبلاد اليونان معلنا بوادر القضاء على روح الفردية و القبلية و الانقسام و الأنانية التي ميزت الشعب اليوناني فجعلت منه على الدوام لقمة سائغة في طريق الغزاة، و من ثم التوسع اليوناني الغربي و اصطدامهم بالقرطاجيين🌊.. كتاب جميل و دقيق ابدع فيه الكاتب من خلال تحليله المتقن للأحداث و نقده المنطقي و بحثه في حقائق الوقائع التي وصلت الينا سواء من خلال التاريخ المكتوب او ما تم تناقله شفاهيا من الأشعار، و لو أنه أظاف إليه رسومات و خرائط لسهلت علينا فهم التحركات العسكرية و الهجرات أفضل.. و كما قال الكاتب في كتابه و أقتبس: "تاريخ اليونان يثبت لنا بأن شعبا صغيرا فقيرا يستطيع إذا كان غنيا بالفكر أن يسيطر على العالم إلى الأبد"🧡 اليونانيون منذ القدم و على الرغم من بعض عيوبهم هم شعب الفنون و الفكر و لازال بإمكاننا إلتماس هذا الفن في جزرهم و مدنهم الجميلة كقطعة من الجنة على وجه الأرض🧡