╝ قد يُعرف عباس محمود العقاد لدى فئة بأنه أديب وكاتب مصري وأحد المثقفين المؤثرين في البيئة الأدبية العربية والفكرية، وبأنه كاتب العبقريات (عبقريات شخصيات إسلامية)، وقد تزيد هذه المعرفة أن حياته عامرة بسجالات في المجال الأدبي أو ما يعرف -عند من كتبوا عنه- بمعاركه الأدبية والفكرية. لكن هل يمكن أن نعرف العقاد في معاركه السياسية التي دفعته أيضا للكتابة في هذا المجال؟
عن هذا يجيب كتاب «العقاد في معاركه السياسية» لسامح كريِّم. صدر عن دار القلم- بيروت 1979. 327 صفحة.
إن جل ما خاضه العقاد من معارك في ميدان السياسة، وما تبناه من موقف يقدمه هذا الكتاب في عشرة أقسام مفصلة. بحيث هي إجابات عن مجموعة من الأسئلة منها ما يتعلق بتفسير مواقف العقاد الكثيرة فهو ما يكاد يفرغ من موقف حتى يبدأ في اتخاذ موقف جديد، وهو نفسه ما يكاد يفرغ من معركة حتى يبدأ في أخرى، مما يعطينا شخصية لعلها خلقت للمواقف، ولتفسير ذلك فقد قد الكتاب ثلاثة تفسيرات هي التفسير السياسي، والاجتماعي، والفكري، وكل تفسير يوضح جانبا من ملامح شخصية العقاد.
ثم عرض الكتاب مواقف العقاد من بعض المفاهيم السياسية والتي تمثلت في صيغ الأحزاب، والثورات، والمذاهب الاجتماعية، والأحداث الوطنية، والنظم العنصرية، والحركات الدينية، وقد جاءت في ستة فصول من هذا الكتاب.
ثم عرض الكتاب الشخصيات السياسية التي خاض العقاد معهم أعنف المعارك السياسية، بداية بمعركته مع الخديوي عباس حلمي الثاني، حيث أن هذا الأخير كان له موقف من العقاد الذي مس ذاته التي لا تمس في عرف الملوك والسلاطين، فاتهمت السلطة العقاد وكان هو أول صحفي مصري تتخذ السلطة موقفا ضد كتاباته المناهضة لسياستها... ثم يأخذنا هذا الكتاب أيضا إلى معارك العقاد مع الملك فؤاد وابنه الملك فاروق.. مرورا على باشوات العهد الملكي ورؤساء وزرائه وأحزابه إلى غاية قيام ثورة 23 يوليوز 1952، وهنا توقف هذا الكتاب لحظات مع موقف العقاد من قائد الثورة المصرية جمال عبد الناصر.
أما في القسم الأخير فهو يضم بعض الوثائق التاريخية التي تعطي فكرة للقارئ والباحث عن فترة مهمة من حياة العقاد، الوثيقة الأولى هي نص محاكمة العقاد عام 1930 مع دفاع مكرم عبيد عنه...
والوثيقة الثانية هي نص المقال الذي كان قد كتبه العقاد تعليقا على كتاب فلسفة الثورة في الميزان للرئيس عبد الناصر...
╝ تعد قيمة هذا الكتاب في كونه يضيئ فترات مهمة من تاريخ مصر، بداية مع ثورة عرابي إلى غاية ثورة الضباط ورئاسة عبد الناصر لمصر، وهي مراحل متعددة في قرن التحولات الكبرى، هذا القرن الذي شهد نضال العقاد ليس كأديب فقط بل ككاتب صحفي ورجل مبادئ كان يدعو إلى الحرية والديمقراطية ولم يتنازل قط عن مواقفه رغم كل الظروف التي مر بها خاصة بعد انسحابه من حزب الوفد حين كان كاتب الحزب... وبهذه المبادئ والأفكار استهوى العقاد بمقالاته الشعب المصري في المقابل كان يؤلب عليه كبار السياسيين، لأنه رجل يرى المبدأ أرضا صلبة يعيش عليها أو يموت عليها، ومبدأ حق الحرية هو ما كان يشغل بال العقاد، فاستعان بصناعة الكلمة وليس أي كلمة، إنها تلك الصادقة التي لا تنمو إلا في بيئة تتسم بالحرية، فكانت أزمته مع هذا الحق لأن غيره لم يكن يريد له أن يتمتع به ، بل حتى لا يفكر في الاستمتاع بحريته، ومن هذه الأزمة انطلقت معاركه على فترات وأزمنة مختلفة كان فيها الطرف الآخر في المعركة هو الحاكم/السلطة ومن لا يقتنع أن الناس لا يستعبدون بعد أن ولدتهم أمهاتهم أحرارا...
✏️ رشيد أمديون