ولد بقرية الكرنك بمحافظة قنا بصعيد مصر، أتمَّ حفظ القرآن الكريم سنة 1929م، ثم غادر قريته ليلتحق بمعهد القاهرة الأزهري عام 1930م، ليحصل على الثانوية الأزهرية عام 1935م. وبعدها التحق بكلية دار العلوم عام 1939م وحصل على دبلوم دار العلوم عام 1943م ثم إجازة التدريس عام 1945م، ولم يكد يبدأ الدكتور تمام حسان حياته العلمية معلمًا للغة العربية بمدرسة النقراشي النموذجية عام 1945م، حتى حصل على بعثة علمية إلى جامعة لندن عام 1946م، لينال درجة الماجستير في لهجة الكرنك من صعيد مصر، ثم يحصل على الدكتوراة في لهجة عدن. وعقب عودة الدكتور تمام من رحلته العلمية عُين مدرسًا بكلية دار العلوم كما انتدب مستشارًا ثقافيًّا للجمهورية العربية المتحدة في العاصمة النيجيرية لاجوس عام 1961م. وحين عاد إلى مصر عام 1965م، شغل منصبي رئيس القسم ووكيل الكلية قبل أن يتولى عمادتها عام 1972م.
وأسس د. تمام حسان الجمعية اللغوية المصرية عام 1972م، وكان أول رئيس لها وأنشأ أول قسم للدراسات اللغوية بجامعة الخرطوم في السودان، كما أسس بجامعة أم القرى قسم التخصص اللغوي والتربوي وتولى أمانة اللجنة العلمية الدائمة للغة العربية بالمجلس الأعلى للجامعات المصرية وانتخب عضوًا بمجمع اللغة العربية عام 1980م. أشرف الدكتور تمام على العديد من الرسالات الجامعية في مصر والدول العربية يعد الدكتور تمام حسان أول عالم لغوي يدرس المعجم باعتباره نظامًا لغويًّا متكاملاً تربطه علاقات محدودة وليس مجموعة مفردات أو كلمات كما كان المستقر عليه عالميًّا فهو الذي نبه إلى فكرة النظام اللغوي للمعجم، وأن هناك كلمات تفرض الكلمات التي تستعمل معها، وهو أول من أعاد تقسيم الكلام العربي على أساس المبنى والمعنى رافضًا التقسيم الثلاثي (اسم وفعل وحرف) إلى سبعة أقسام، وهي الاسم والصفة بحيث يختلف الاسم عن الصفة أنه لا يكون إلا مسندًا إليه مبتدأ بخلاف الصفة، ثم الفعل ثم الظروف ثم الضمائر ثم الأدوات ثم الفواصل؛ وذلك بحسب السلوك النحوي الخاص بكل لغة، وهذا مفاد كتابه "اللغة العربية معناها مبناها".
كان أول من فرَّق بين الزمن النحوي والزمن الصرفي فقال بالزمن الصرفي الذي هو وظيفة الصيغة المفردة من دون الجملة (ماضٍ، مضارع، أمر) والزمن النحوي الذي يختلف عنه وقد يخالفه مثلما هو الحال في قوله تعالى ﴿لَمْ يَكُنْ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمْ الْبَيِّنَةُ﴾ (البينة)، فهو زمن مضارع مصرفيًّا لكنه ماضٍ نحويًّا.
سُجلت حول كتبه الكثير من الدراسات اللغوية في الجامعات المصرية والعربية، وما زال عمله رهن الدراسة حتى الآن، ويعتبر الدكتور تمام أن دراسته للقرآن منذ البداية كانت فاتحة الخير وكانت سببًا في الاجتهاد في اللغة، ويقول: التوصل إلى فكرة القرائن النحوية جعلني أنظر نظرةً جديدةً في تفسير التراكيب والتعرف بشكلٍ جيدٍ على الأسلوب العربي. توفى إلى رحمة الله في صباح يوم الثلاثاء 11/10/2011 بعد مرض قصير وعملية جراحية بالمخ رحم الله الفقيد وتغمده برحمته وادخله جناته على مدى هذه السنوات الطويلة لم ينقطع العطاء العلمي من تأليفٍ وترجمةٍ فألف أهم كتبه "مناهج البحث في اللغة"، و"اللغة العربية بين المعيارية والوصفية"، و"اللغة العربية معناها ومبناها"، و"الأصول والتمهيد لاكتساب اللغة العربية لغير الناطقين بها" و"مقالات في اللغة والأدب"، و"البيان في روائع القرآن"، و"الخلاصة النحوية"، إضافةً إلى عشرات المقالات والبحوث التي نشرت في الدوريات العربية. ومن الكتب التي قام بترجمتها "مسالك الثقافة الإغريقية إلى العرب" و "الفكر العربي ومكانته في التاريخ" و"اللغة في المجتمع" و "أثر العلم في المجتمع" و"النص والخطاب والإجراء". اللغة العربية معناها ومبناها. الأصول. مناهج البحث في اللغة. اللغة بين المعيارية والوصفية. الخلاصة النحوية. البيان في روائع القرآن - جزئين. التمهيد لاكتساب اللغة العربية لغير الناطقين بها. مقالات في اللغة والأدب - جزئين. مسالك الثقافة الإغريقية إلى العرب (مترجم). الفكر العربي ومكانته في التاريخ (مترجم). اللغة في المجتمع (مترجم). أثر العلم في المجتمع (مترجم). النص والخطاب والإجراء (مترجم). خواطر من تأمل لغة القرآن الكريم (2006). اجتهادات لغوية (2007). مفاهيم ومواقف في اللغة والقرآن (2010). الفكر اللغوي الجديد (2011). حصاد السنين- من حقول العربية (2011) جوائز جائزة آل بصير بالمملكة العربية السعودية عام 1984. جائزة صدام عام 1987. جائزة الملك فيصل العالمية 2006. تكريم في المؤتمر الدولي للغة العربية والتنمية البشرية بوجدة، المغرب،
ممل في بعض فصوله، لكنه مفيد جدًا. أنصح بقراءته جميع المهتمين بالدراسات اللغوية. ---------- تحديث: *هذا ملخص للكتاب كتبته لأغراض درسية. *في الملخّص بعض الأخطاء لكنني لم أعدلها ووضعت الملخص كما كتبته في مرّته الأولى لم أعدّل عليه إلا بعض التعديلات الطفيفة ليتناسب مع هذا الموقع. *المكتوب هو تلخيص للكتاب ولا يعبر بالضرورة عن رأيي. ---------- هذا تلخيص لكتاب (اللغة بين المعيارية والوصفية) للدكتور تمّام حسّان، اخترته بشكل عشوائي وقرأته، والحمد لله لم تذهب قراءتي هذه هباءً منثورًا فقد استأنست به واستفدت كثيرًا منذ الصفحة الأولى، وتعرّفت على الدكتور تمّام حسّان الذي يعد علمًا من أعلام علوم اللغة العربية وأحد المجددين في هذا المجال، وما هذا الكتاب إلا تأكيد على علمه وتجديده.
ينقسم الكتاب إلى بابين، وينقسم كل باب منهما إلى ثلاثة فصول. تناول المؤلف في الباب الأول (المعيارية) وفي الثاني (الوصفية)، وقد لخّصت أهم النقاط في هذين الفصلين، كما لخّصت تمهيد الكتاب لأهميته. وقد تجاوزت في تلخيصي بعض الجزئيات خشية أن يطول البحث لذا أنصح بالرجوع إلى الكتاب لأخذ فكرة أدق والنظر في الأمثلة التوضيحية التي تجاوزنا بعضها، والله ولي التوفيق.
*تمهيد الكتاب:*
يتحدث الدكتور تمّام حسن في تمهيد كتابه عن الثقافة ويقسّمها إلى قسمين: أولًا: الثقافة المادية، كالمساكن، والأدوات، والأزياء. ثانيًا: الثقافة غير المادية، كالدين، والقانون، والعادات العرضية.
ولأننا نحتاج إلى اللغة للتواصل والتعبير عن ثقافاتنا وعاداتنا مادية كانت أو غير مادية نخلص إلى أن اللغة أساس كل أنواع النشاط الثقافي، ولهذا تعتبر اللغة أقرب الأدلة وأقواها عند استقصاء الملامح الخاصة لأي مجتمع معاصر كما عبّر المؤلف.
نجد الدكتور يؤكد على ماسبق قوله ويدلل عليه بمثالين، فيقول في الأول أننا لايمكننا أن نعرف شيئًا من نظم العرب في جاهليتهم إلا إذا درسنا لغة العرب في العصر الجاهلي من حيث دلالات المفردات وتقلبها أو ثباتها، ففي قوله تعالى {مَا جَعَلَ اللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ} صورة للعادات الجاهلية، وكذا في الآيات الأخرى التي تتحدث عن العصر الجاهلي. أما في مثله الثاني فهو يتناول العصر الإسلامي ومصطلحاته التي لاتُفهم إلا إذا عرفنا شيئًا من ثقافة الإسلام، فمصطلحات كالمكاتبة، والمزارعة، وأم الولد، والبيعة، والربا، وغيرها من المصطلحات التي صارت ذات معنى مغاير في العصر الإسلامي لا تُفهم إلا بفهم الثقافة الإسلامية. وكذا بالنسبة للمجتمعات المعاصرة فلو أحضرت رجلًا من العصر الأموي مثلًا وطلبت منه أن يشرح مصطلح (الضمان الاجتماعي) أو (برقية مطولة) لما استطاع بالطبع أن يشرحها بشكل صحيح. وبهذا نتبيّن أن اللغة ماهي إلا مرآة تعكس صورة المجتمع وثقافته.
تعد اللغة الرابطة الأقوى بين أعضاء المجتمع فهي تهب كل مجتمع خصائصه المميزة، وتمّز كل جماعة عن غيرها. واللغة لا تربط أبناء الجيل الواحد فحسب بل إنها تربط حتى أبناء الأجيال المختلفة من نفس المجتمع فعندما ننظر إلى المصطلحات التي ظهرت في العصر الإسلامي –والتي ذكرنا بعضها في الفقرة السابقة- نجد معظمها أو كثيرًا منها على الأقل مستخدمًا في المجتمعات الإسلامية والعربية في العصر الحالي.
استنادًا إلى ما سبق نستنتج أن اللغة صنو المجتمع وانعكاس ثقافته، لذا لا نجدها تنفك أو تنفصل عن هذه الاجتماعية فحتى في أقصى حالات الانعزال نجد الفرد يحدّث نفسه أو يكتب لها فيما عبّر عنه المؤلف بالاجتماعية الفردية.
إن نظرنا إلى اللغة تختلف باختلاف مواقعنا، فإنّ نظرة الواقف موقف المتكلم للغة وتعامله معها تختلف عن نظرة وتعامل الباحث، فإن هدف المتكلم هو صحة الاستعمال، أما هدف الباحث هو الوصف عن طريق المنهج الصالح من ملاحظة واستقراء ثم تقعيد. لهذا قد نتقبل عندما يتعامل المتكلم بشيء من المعيارية لأن هدفه صحة الاستعمال، ولكننا نعيب تعامل الباحث اللغوي بهذه المعيارية لأن الأصل في وظيفته هي الوصف. وبعد أن ينتقد المؤلف الباحثين الجدد وانصرافهم عن الوصفية إلى المعيارية وينقل لنا بعض الاقتباسات من مؤلفاتهم ويقارنها بمؤلفات القدماء الذين اهتموا بالوصف، يعلل لجوءهم إلى المعيارية وتقديسهم للقواعد بالانطوائية التي سبّبها نقص المادة الجيّدة التي يمكن أن تجري عليها الدراسة بعد عصر الفصاحة.
و مع ختام تمهيد الكتاب يتبيّن لنا معنيا الوصفية والمعيارية. فالوصفية هي الملاحظة والاستقراء والتشريح، أمّا المعيارية فهي التقيّد بالقواعد والمعايير وتحديد الصحيح من الخاطئ. كما يذكر لنا في ختام التمهيد مخالفات منهجية وقع فيها النحاة من ناحيتين: الأولى هي شملهم بدراستهم مراحل متعاقبة من تاريخ اللغة العربية، التي تبدأ من حوالي مائة وخمسين عامًا قبل الإسلام حتى تنتهي بعصر الاحتجاج وهذه ثلاثة قرون لايمكن أن تظل فيها اللغة ثابتة. أما الناحية الثانية فهي عمدهم إلى لهجات متعددة من نفس اللغة فيخلطون بينها ويحاولون إيجاد نحو عام لها جميعًا.
إن المعيارية مظهر من مظاهر موقف المتكلم، ومن الأمور التي تتجلى فيها سمة المعيارية هو أمر القياس. والقياس هو صوغ التراكيب الجديدة بناءً على معرفة لتراكيب أخرى سمعها المتكلم مسبقًا. وفي اللهجات هنالك ألفاظ عديدة تجري على القياس، ولذلك نجد في بعض اللهجات العربية بعض الكلمات كقولهم لمؤنث الأحمر أحمرة فهم يقيسون، فكما مؤنث الطويل طويلة فمؤنث الأحمر أحمرة.
في أيامنا هذه لم يعد القياس مقتصرًا على اللهجات فحسب فها نحن في ظل هذه التغيرات الحياتية وفي ظل هذه العولمة بحاجة إلى استحداث كلمات جديدة لتدل على أشياء جديدة، وهذا مافعله أحيانًا سلامة موسى إذ وضع كلمات جديدة على مثال كلمات أخرى جرى استعمالها في العصر العبّاسي. فمن الكلمات التي أراد أن يشيعها في الناس كلمة (فندقة) ويقصد بها دراسة طرق إدارة الفنادق، وقد قاس هذه الكلمة على فلسفة، وهرطقة، وسفسطة. وهو هنا استخدم القياس، ولكن القياس على العربية وحده لايكفي في انتشار الكلمة، وإنما المعول في ذلك على الذوق اللغوي العام.
والصوغ القياسي يحتل جانبًا هامًّا من نشاط مجمع اللغة العربية، إذ أنه أخذ على عاتقه عبء تطويع اللغة العربية الفصحى لظروف الحضارة الحديثة. ويتّبع المجمع طرقًا ثلاثًا لتحقيق ذلك: أولًا: التعريب؛ وذلك بأن تؤخذ الكلمة الأجنبية المستعملة، فتوضع في قالب عربي من حيث أصواتها وصياغتها.
ثانيًا: الترجمة؛ وذلك بإيجاد مقابل عربي للكلمة الأجنبية المستعملة.
ثالثًا: ارتجال كلمة جديدة تراعى فيها شروط الصياغة العربية.
والصوغ القياسي هنا واضح في الحالتين الأولى والثالثة. وتعد هذه العمليّة عمليّة معيارية إلى أقصى حد، بها شروط كثيرة وكل شرط يمثل معيارًا، ولكن لا يعتبر اعتراف المنهج الوصفي في الدراسات اللغوية بالصوغ القياسي خيانة لطابعه الوصفي، فهو لم يعترف بها كفكرة منهجية وإنما لاحظها ووصفها كنشاط لغوي.
يعزو المؤلف هذه المعياريّة التي طرأت على البحث اللغوي إلى طبيعة هذا البحث، إذ أن دراسة اللغة تعتمد على تلقي النصوص من أفواه الرواة، ومشافهة الأعراب والفصحاء، مما يدع مجالًا للاستقراء واستنباط القاعدة من تقصي سلوك المفردات والأمثلة، ولهذا وجدنا الدراسات العربية الأولى تتسم بالوصف، وتبتعد إلى حد كبير عن المعيار. ولكن عندما انتهى عصر الاحتجاج وانتهت أحاديث الرواة وجد النحاة أنفسهم وجهًا لوجه مع تجربة جديدة، هي أن يتكلموا في النحو دون اعتماد على روايات جديدة، مما أدى إلى أن تصير الروايات القديمة مقاييسًا متحجرة كان من الواجب في رأي النحاة على طلاب الفصاحة أن يتّبعوها. إضافة إلى ماسبق يعتبر شيوع منطق أرسطو في بداية العصر العبّاسي وما بعده فيصلًا في المناقشات، الدينية منها وغير الدينية، إذ أصابت هذه العدوى كل نواحي النشاط الفكري الإسلامي كعلم الكلام، والفقه، ودراسة اللغة.
على سبيل التوضيح نقل المؤلف في هذا الفصل عن ابن جنّي الأضرب الأربعة في اطّراد الكلام وشذوذه وهي: الضرب الأول: مطّرد في القياس والاستعمال جميعًا. الضرب الثاني: قوي في القياس، ضعيف في الاستعمال. الضرب الثالث: مطّرد في الاستعمال، وشاذ في القياس. الضرب الرابع: الشاذ في القياس والاستعمال جميعًا.
وبعد أن انتهى من عرضها فنّد الضرب الثاني بقوله أن هذا القسم لا يبدو أنه استعمل في كلام العرب إذ أن الأمثلة التي أوردها ابن جني على هذا الضرب تنحصر في بيت، وقراءة، ومثال. ثم راح مؤلفنا يفنّد كل واحد من هذه الأمثلة على حدة. ثم فنّد الضرب الثالث والرابع، وقال عن الرابع أنه لا يرضاه القياس ولا الاستعمال ولكن القسمة المنطقية وفق منطق أرسطو جعلت ابن جني يورده. وهذا دليل بيّن يوضح فرض المعايير على دراسة اللغة.
ولقد اختلف النحاة في قياس نعم وبئس من جهة، وأفعل التعجب من جهة أخرى، فقد ذهب الكوفيّون إلى أن هذه أسماء، وذهب البصريّون إلى أنها أفعال. أي أن الكوفيين قاسوها على الأسماء فاقتنعوا بعد قياسها بأنها أسماء، والعكس بالنسبة للبصريين، وما هذا إلا تأكيد على أن نتائج هذا القياس لاينبغي أن تؤخذ بثقة تامّة.
وهكذا راح الدكتور تمّام حسّان يفند حجج متّبعي المعيارية ويؤرّخ -إن صح التعبير- بداية هذه المعيارية وشيئًا من صورها حتّى وضع في صفحات هذا الفصل الأخيرة اقتباسًا من كتاب الخصائص، يعترف فيه ابن جنّي صراحة بضعف العلل النحوية التي اعتمدها النحاة واتّخذوها تسلية لهم، حتّى أنهم أغرقوا في المنطق فصار لا يقتصر على القياس وإنما تعدى إلى التعليل الذي أوجد نظرية العامل التي ينكرها المؤلف. والعلل قسمان: علّة صورية، وعلّة غائيّة. تسأل الأولى عن الكيفية (كيف) وتسأل الثانية عن السبب (لماذا) ولو أنهم اكتفوا بالسؤال عن الكيفية لكفاهم، ولكنّهم خرجوا عن نطاقهم وراحوا يسألون عن سبب رفع المبتدأ والخبر ونصب المفعول، وصاروا يجيبون عن هذه الأسئلة بإجابات ضعيفة كما اعترف ابن جنّي عندما قال: " اعلم أن محصول مذهب أصحابنا، ومتصرف أقوالهم مبني على جواز تخصيص العلل. وذلك أنها وإن تقدمت علل الفقه فإنها، أو أكثرها، إنما تجري مجرى التخفيف والفرق، ولو تكلف متكلف نقضها لكان ذلك ممكناً -وإن كان على غير قياس- ومستثقلا، ألا تراك لو تكلفت تصحيح فاء ميزان، وميعاد، لقدرت على ذلك فقلت: مِوزان وموعاد. وكذلك لو آثرت تصحيح فاء موسر وموقن، لقدرت على ذلك فقلت: ميسر، وميقن. وكذلك لو نصبت الفاعل ورفعت المفعول، أو ألغيت العوامل: من الجوار والنواصب والجوازم لكنت مقتدراً على النطق بذلك، وإن نفى القياس تلك الحال. وليست كذلك علل المتكلمين؛ لأنها لا قدرة على غيرها" .
*ب-الفصل الثاني: المستوى الصوابي: *
في هذا الفصل شرح ما سمّاه بالمستوى الصوابي. لقد بيّن المؤلف أن للسلوك اللغوي عنصران هما: عنصر الوضوح، الذي يسد الحاجة اللغويّة أو المعنى الوظيفي. وعنصر المطابقة، الذي يسد الحاجة الاجتماعية أو المعنى الاجتماعي. ويتوافر هذان العنصران في كل كلام، فكل كلام يدل على لغة وطبقة اجتماعية، ويضاف إليهما عنصر الجمال عند نسخ الكلام الأدبي، وعنصر (الانسجام المنطقي) في الكلام العلمي.
لتوضيح عنصر الصواب الاجتماعي ضرب المؤلف مثلًا بأستاذ جامعي يتكلم بلهجة أولاد البلد في محاضرة يلقيها على طلاب. أما ترى الطلاب يضحكون عليه؟
أما المستوى الصوابي في اللغة هو الاعتراف بما وافق اللغة وكان صحيحًا فيها بغض النظر عن الأمور الخارجية. فلا يُشترط تطابق الخبر للواقع حتى نقول عنه أنه صحيح لغويًّا، فلا شك أن المنطق يرفض أن يكون عبد المطّلب عبدًا لعمّه المطّلب، ويرفض فكرة العبوس في ابنه العبّاس، ولكنّ اللغة تسمح بهما.
والظاهر أن دارس العربيّة غرضه الأساس هو معرفة هذا المستوى الصوابي، فما دراستهم لتاريخ العرب، وثقافتهم، وفلسفتهم، وإسلامهم إلا للوصول إلى هذا المستوى الصوابي.
والمستوى الصوابي يختلف باختلاف المكان والزمان، أي أنه يتغيّر على مر الزمان فما كان صوابًا بالأمس قد يستحيل خطأ اليوم، وما كان خطأ قد يستحيل صوابًا، ويمكننا أن نتبيّن هذا لو نظرنا إلى لفظة (سيّد) التي كانت تستعمل في مقابل العبد، ثم صار يسمى بها صاحب النفوذ والسلطان، وبعد هذا اختصت بالهاشميين، حتى أصبحت أخيرًا عامة لكلّ الناس، وصار الناس يكتبون في المكاتبات الرسمية: (إلى السيّد/ فلان).
في ختام الفصل يعتب المؤلف على المتزمّتين من رجال اللغة، الذين لا يخاطبون الناس بما يفهمون بل يتزمّتون ويتشدّقون باللغة، وهذا يجعلهم أبعد الناس عن المستوى الصوابي.
*جـ-الفصل الثالث: أثر الفرد في نمو اللغة:*
يتساءل الكاتب في هذا الفصل عن أصل اللغة، كما يتساءل إن كانت اللغة طبعًا يولد به المرء أم تطبّعًا يكتسبه. والظاهر أنّ الكاتب يميل إلى أن اللغة أمر مكتسب، كما أنه رفض صراحةً الرأي القائل بأن اللغة توقيف.
يتساءل أيضًا عن سبب توقّف الاستشهاد بالفصيح من الكلام والشعر الحديث، وتطويق الاستشهاد بالعصر الذي سمي بعصر الاحتجاج على الرغم من أن حتى القدماء كانوا يلحنون ولكننا كنّا ننتقي الصائب الصحيح من كلامهم ونتجاوز اللحن. أما إذا أردنا ألّا نحتج إلا بكلام من لا يلحن فلا يجب أن نحتج إلا بالقرآن الكريم وأحاديث رسول الله -صلى الله عليه وآله-.
في ختام الفصل تناول المؤلف فكرة انتماء عدّة لغات إلى أصل واحد تطوّرت عنه، وهذه الفكرة ظهرت في القرن التاسع عشر إبان ظهور نظرية داروين للتطور.
تكلم في بداية هذا الفصل عن الرمزية والرموز، وعرّف اللغة أنّها مجموعة من الرموز، وكذلك إشاراتنا وحركاتنا بالأيدي وتعابير الوجوه ماهي إلا رموز. ولهذا قسّم المؤلف الرموز إلى خمسة أقسام: رموز لمسيّة، ورموز ذوقيّة، ورموز شميّة، ورموز سمعيّة، ورموز بصريّة.
بعد حديثه عن الرموز في اللغة تناول الرمزيّة في أحاديثنا وفي الأدب، وتناول الأسماء ودلالاتها وبيّن أنه لا علاقة بين الاسم والمسمى، ثم راح في حديث مسهب يتناول (المعنى).
يتأثر المعنى بستة أمور تكمل المعنى ويتّضح بها وكل واحد منها يدل على شيء. وهذه الستة هي: الأصوات، والتشكيل الصوتي، والصرف، والدلالة، والمعجم، والنحو. فالكلمة تخرج عن طريق حركات أوتار الحلق وهي التي تُخرج الأصوات وتختلف الكلمة باختلاف تشكيلها الصوتي وحروفها فقد نجد كلمتين تحملان نفس التركيب من الحروف عدا حرف ولكنّهما تختلفان تمام الاختلاف في المعنى كما يختلف المعنى باختلاف طريقة النطق. وكذا في الصرف فصيغة اسم الفاعل مثلًا تحمل معنى مغايرًا لصيغة اسم المفعول. وكذا في الدلالة اي في المعنى على صعيد التركيب والمفردة، وفي المعجم من حيث المعنى المعجمي، وفي النحو من حيث موقعها في الجملة.
تناول في ختام هذا الفصل موضوع الخط المكتوب الذي يترجم اللغة المنطوقة، وعرض آراء بعض العلماء في هذا الأمر ومن هؤلاء كان ابن فارس الذي يرى بأن اللغة توقيف وأن أول من خط بالقلم كان آدم -عليه السلام- وهذا ما لا يتّفق معه المؤلف فيما يبدو. بعد هذا انتهى المؤلف بحديث تاريخي عن ظهور الكتابة في الجزيرة العربية، وحديث عن الصعوبات التي تواجه الخط العربي وقسّمها إلى صعوبات مالية، وقومية، ونفسية، واجتماعية، وثقافية. ذكر المؤلف أيضًا بعض الاقتراحات التي طُرحت بشأن إصلاح الأبجدية العربية، كما طرح رأيه -الذي تراجع عنه لاحقًا- وهو اشتقاق رموز عربية من الأبجديتين الإغريقية واللاتينية. كما أكّد المؤلف أن الكتابة العربية قديمة قدم التجارة عند العرب فقد ظهرت لأغراض تجاريّة ونحوها لا لأغراض أدبيّة كما يتوهّم البعض.
*ب-الفصل الثاني: الاستقراء والتقعيد:*
يعتبر الاستقراء والتقعيد من طرق الوصف في دراسة اللغة وتتوسط بينهما مرحلة (التقسيم) وهي المرحلة التي تقسّم فيها المدروسات فيما يشبه التشريح كما عبّر المؤلف. والاستقراء هو أقرب شيء إلى الملاحظة، أما التقعيد فهو وصف ماتمت ملاحظته.
تحدّث المؤلف عن علم الأصوات وأهميّته لدى الباحث في اللغة، وتناول المؤلف هذا الموضوع من ناحية الدراسة اللغويّة، ومن ناحية العلوم الطبيعيّة إذ يعتبر الصوت أمر علميٌّ دُرِس ودُرست موجاته في حقل العلوم التجريبيّة الطبيعيّة. اعتبر المؤلف علم الأصوات من أهم العلوم التي يحتاجها الباحث اللغوي إذ يستطيع بهذا العلم وصف ما يسمع واكتشاف طريقة النطق به والمخارج التي خرج منها الصوت حتى لوكانت اللغة التي سمعها غير مألوفة عنده.
بعد أن تناول المؤلف نواحي العمل النطقي وهي ثلاثة: الحركة؛ أي حركة الحبال والأوتار الصوتيّة، ثم الصوت الذي يخرج نتيجة هذه الحركة، ثم السماع؛ وهو تلقي الصوت عن طريق أذن المستمع. بعد هذا تناول المؤلف موضوع الاستقراء وطريقته المثلى التي يجب على الباحث اتّباعها مستعينًا بمساعد البحث.
يقسّم المؤلف الاستقراء إلى ملاحظة ثم تقسيم ثم اصطلاح، أي وضع مصطلحات لما تمت ملاحظته تُعين على الإشارة له بسهولة. بعد هذا تناول في عدّة نقاط بعض الأمور التي على الباحث مراعاتها، مثل طريقة التعامل مع القواعد وعدم اعتبار الشاذ عنها منافٍ للفصاحة. تناول المؤلف لاحقًا موضوع التقعيد وأكّد أن التقعيد ليس إلزامًا بقاعدة معيّنة إن حاد عنها أحدهم فقد أخطأ، لا بل التعقيد وصف لما تمت ملاحظته.
في الختام تحدّث عن أعلام الدراسات اللغوية العربية، وقد وضع شجرة بيانيّة تبيّن من منهم أخذ عن من، وقد بيّن أن أخذهم هذا تم على أفكار معياريّة لا على استقراء ثم تقعيد، ولكنّه مدحهم رغم ذلك ووصفهم بـ"الشجرة المباركة التي رسخت جذورها في التربة العربيّة وإن لم يكن جميع ثمارها عربيّ الأرومة".
من المفيد أن تطالع الأفكار التي تقرأها بلغات أخرى مكتوبة بلغة عربية رصينة، والكاتب أستاذ من أساتذة اللغة العربية. ويبدو متأثراً بالغرب في الجدل الذي خاض فيه بين الوصفية والمعيارية: وهي في نظري جدلية مفتعلة وموجهة بالأساس للغة العربية. والأساس المتفق عليه بين الكل أنك تصف لغة فتقول ما يفعله أهلها عند إرادة التعبير عن كلام أو منطوق أو فكرة من ناحية النحو والصرف والتراكيب والمعاني ويمثل هذا نحو هذه اللغة، فلو عبر أحد حتى ولو من نسلهم عن فكرة او منطوق بطريق غيرهم فهو ليس من اللغة، بل ربما لهجة اخرى أو مستوى آخر. ثم عندما ننظر إلينا الآن، فهل نحن نتكلم اللغة العربية الفصحى كلغة أم؟ أم أن لنا لغة أخرى كما يسميها آخرون اللغة العربية المصرية ... إلخ. فإذا أردنا كمتكلمين للعربية الفصيحة التي هي ليست لغتنا الأصلية إدخال عناصر وأساليب جديدة، أليس من الأصل أن تراجع على اللغة العربية الفصيحة كما يعرفها أهلها الأصليون؟ ألا ينبغي عند إذ أن يكون الحال حال معيارية لا وصفية، لأن هذا مقام تعلم. ثم هناك عامل آخر: تختلف لغتنا عن كل لغة أخرى، بارتباطها بالقرآن، فهذا دين، وبالتالي النحو العربي دين. وتمسكنا بهذا النحو وتمسكنا بالرسم أو الإملاء العربي دين. ويبدو متأثراً بالغرب أيضاً في التركيز على أهمية الدراسات الصوتية، لكنه يلمح إلى عدم اهتمام المسلمين بعلوم الصوتيات والتشكيل الصوتي كفرع من علوم اللغة والنحو، وأن اهتمامهم كان من قِبل القراء اهتماماً بالقرآن لتحقيق القراءات، وذلك لأنها عندهم علوم وسيلة وليست علوم غاية! وليس هذا عيبا في نظري، بل هو من تأثره المطلق بالغرب. ثم حكاية تغيير الخط العربي وتمثيله بحروف لاتينية أو إغريقية! لا أعرف لم كل أساتذتنا هكذا منبطحون أمام الأوروبيين واللاتين. ثم بعد لأي يعودودن عن آرائهم، ولا يعرف أحد بعودتهم بل تظل الآراء القديمة تملأ الدنيا ضجيجاً، ويستغلها اصحاب الأهواء من بعدهم.