بسم الله الرحمن الرحيم
المتخيّل والتواصُل
مفارقات العرب والغرب
د. محمد نور الدين أفايه
دار المنتخب العربي – لبنا
ط: 1 ، 1414هـ - 1993
192 صفحة من القطع المتوسط
يحوي الكتاب مقدمة وستة فصول
الفصل الأول : فلسفة المتخيل في الفكر الغربي
( 1 ) اللحظة الأولى: ديكارت والمخيلة
المتخيل والعقل:
تأسست بعض مقدمات االحداثة الفكرية الغربية على لحظة إقصاء المتخيل لتشويشه على العقل عند ديكارت، الذي تأسست الحداثة الفكرية الغربية على بعض مقولاته. فالعقل هو أداة اكتساب المعرفة، والملكة التي تعطي للكائن قيمته الوجودية، ورفض كل ما يشوشه، واستبعاده، ومن ذلك المخيلة فهي " سيدة الخطأ والضلال" . ( سأسميها: اللحظة الديكارتية )
( 2 ) اللحظة الثانية: مع كانط
المتخيل والوعي:
أعطى كانط للمخيلة أهمية مختلفة في فلسفته الترانسندنتالية، فحدد موقع المخيلة في الوسط بين ( الإدراك والفهم )، ووظيفتها أنها الإطار الموحد لمصدري المعرفة: الإدراك والفهم، وشرط قبلي لوحدتهما، لكنها ليست مصدراً للمعرفة.
رفع كانط التهمة الديكارتية للمخيلة ( التشويش على العقل )، إلا أن ذلك لم يؤثر على الفكر الحداثي الغربي، الذي قد تم تأسسه على مقولات تستبعد المخيلة من موضوعات الثقافة العالمة، وتضع المخيلة في مجال أحاديث العامة لا أكثر.
( 3 ) اللحظة الثالثة: الإتجاه الفينومينولوجي:
أعطى هذا الاتجاه المخيلة بُعداً وجودياً مناسباً وساهم في إعادة النظر تجاهها، فأصبحت كلمات مثل: " صور – متخيل – مخيلة – تخيّل ... " عناصر أساسية في المفهوم الفينومينولوجي للعالم والوعي والواقع والأشياء.
هذه الإتجاه جاء بسارتر، ومن بعده المتاثر به " جيلبير ديران "، وسأضع كل منهما في لحظة أيضاً ( لا أعلم لماذا استخدمت كلمة لحظة لكن ربما تأثراً بالباث، لكن أجدها جميلة ولذلك سأبقيها ) .
( 4 ) اللحظة الرابعة: مع سارتر
الصورة عند سارتر هي " التنظيم التركيبي الكلي للوعي ". وليس ثمة تعارض بين الفكر والصورة، فالفكر يتخذ شكلاً مصوراً حينما يعبر عن درجته الإدراكية، إلا أن الموقف تجاه الصور يختلف عن الموقف تجاه الموضوعات الخارجية. ولا يتم تجاوز الموضوعات الخارجية إلا بالمخيلة.
أعاد سارتر الاعتبار للمخيلة، وأصبح المتخيل عنصراً مكوناً للتعالي – التجاوز – الفكري، وليس أداة تشويش.
( 5 ) اللحظة الخامسة: مع جيلبير ديران:
إسهام ديران هو الأهم تجاه وضع المخيلة في الفكر الغربي في زمن النقد التفكيكي للحداثة الغربية، وقد اجتهد ديران لصياغة نظرية للمتخيل، ووضح المؤلف ذلك بشكل مبسط بعيداً عن التعقيد، وسنضع أهم النقاط:
• أولاً: بدأ ديران مشروعه بمراجعة نقدية لكل أشكال التعامل مع المخيلة في الفكر الغربي الحداثي، موضحاً اللحظات والشخصيات التي تعاملت مع المخيلة وكان لها أثرها في الفكر الغربي:
1. ديكارت: أقصى المخيلة والرمز لمدة قرنين.
2. اهتم " ألان" في بداية القرن العشرين بالمخيلة باعتبارها " طفولة الوعي" فجعلها ضمن طرائق وشروط اكتساب المعرفة الأولية.
3. كذلك " برغسون " وضعها في مثل موضع " ألان " إلا أنه دمجها مع الذاكرة. فلا زالت في الهامش.
4. سارتر: رد الاعتبار للمخيلة، واعتبر أن لها خصائصاً:
أ. المتخيل وعي، وبالتالي فهو ككل أشكال الوعي " متعالي " .
ب. المميز لهذا الوعي من بين الأشكال الأخرى، أن الموضوع المتخيل يعطى مباشرة كما هو، بخلاف الطرق المتتابعة والمتتالية للإدراك العقلي.
ت. الوعي المتخيل يتجاوز موضوعه وينفيه.
لقد بذل سارتر جهداً في صوف الوظيفة الخصوصية للمخيلة بهدف تمييزها عن المعرفة الإدراكية ( أي العقلية الاستدلالية النظرية – بحسب ما فهمت - ) .
إلا أن الخلل لدى سارتر أنه " عقّم خصوبة الظاهرة المتخيلة، بإرجاعها إلى محاولة مفهومية غير موفقة "، وإلا لابد من إعطاءها حق دراستها نسقياً، كما نادى بذلك باشلار.
5. النظرة الفينومينولوجية:
نظرة الاتجاه الفينومينولوجي نظرة سوء تفاهم للمخيلة بالخلط بين الصورة والكلمة.
فالصورة حقيقة تحمل معنى لا يُبحث عنه خارج الدلالة المتخيلة والمعنى المجازي أكثر دلالة من المباشر بخلاف اللفظ.
6. النظريات المختلفة:
فاتها تحديد الصورة باعتبارها رمزاً لذلك ضيّعت فعالية المتخيل.
7. الأنثروبولوجيا الاجتماعية:
لم تكتشف المخيلة الرمزية إلا لمحاولة دمجها في النسقية الثقافية السائدة.
• ثانياً: استند ديران على بعض آراء غاستون باشلار، الذي بنى تصوره للرمزية المتخيلة على اعتبارين متكاملين:
أ. المخيلة عبارة عن دينامية منظمة.
ب. هذه الدينامية المنظمة عامل تجانس في التمثل.
• ثالثاً: ابتعد ديران عن كثير من العطاءات لأنها تسقط في تصورات أحادية وخطية لا تساعد على إغناء الموضوع، بل إلى تفقيره، مثلاً:
أ. التأويل السيسيولوجي: يعطي الأهمية للعوامل الخارجية لتفسير الظواهر الرمزية للمتخيل.
ب. التأويل السيكولوجي: يؤكد على دور الكبت والتوتر الداخلي للبنية النفسية للذات المتخيلة.
• رابعاً: سلك ديران منهجاً متعدد الاختصاصات والحقول، لاكتناه حقيقة الرمز، وسبر أغوار المتخيل، فالتزم بـ " الأفق الرمزي" لدراسة النماذج الأساسية للمخيلة الإنسانية.
• خامساً: المخيلة عند ديران:
يرى ديران أن للوعي أسلوبان لتمثيل العالم:
الأول: مباشر عبر الإدراك.
الثاني: غير مباشر وذلك بتمثل الأشياء الغائبة من خلال صور، وبالتالي له دليلان:
1. دليل اعتباطي: له دور إشاري يحيل إلى واقع يمكن تقديمه في كل حين.
2. دليل استعاري: يحيل إلى واقع يصعب تقديمه.
وموقع ( المخيلة الرمزية ) في المستوى الذي لا يمكن فيه تقديم المدلول، فالدليل يقود إلى معنى لا إلى شيء حسي.
مجال الرمز ( حقل المتخيل ) :
ينتمي إلى ما يتجاوز الحس.
وظيفة الرمز ( هذا بحسب ما فهمت ) :
وظيفة الصورة الرمزية: تحوير لتمثل عيني بواسطة معنى مجرد دائماً، فالرمز " تمثل يبرز ممعنى مستوراً هو تجلٍ للغز ما " .
يعتمد ديران على اجتهاد " ريكور" الذي يعطي لكل رمز أصيل ثلاثة أبعاد:
1. كوني: أي يستمد بعض أشكاله وصوره من العالم المرئي.
2. حلمي: متجذر في الذكريات والحركات التي تنبعث من الأحلام التي تشكل المستوى الأكثر حميمية للكائن.
3. شاعري: فهو يستدعي اللغة في تعبيراتها المتدفقة في مستواها اللامرئي واللامقول – المضمر -.
اعتماداً على ذلك أيضاً، يصنف " ديران" الكون الرمزي بحسب مجالات التعبير بالرمز:
1. التكرار الدال للحركات ( الرموز الشعائرية )، مثل التوجه للقبلة عند الصلاة.
2. تكرار العلاقات اللسنية، يمثل له بـ الأسطورة التي تكرر العلاقات المنطقية واللغوية بين بعض الأفكار وبعض الصور، كما هي نظرة ستروس.
3. الرموز الأيقونية: المتعلقة بالصور المرسومة أو المنحوتة.
كل هذه المستويات تشترك في التكرار.
مفارقة ديران للمفهوم الغربي للوعي:
تتشكل المعرفة الرمزية عنده بأنها : فكرة غير مباشرة، وحضور مجازي للتعالي، وفهم متجلي.
بهذا التعريف " فكرة غيرة مباشرة ... إلخ "، يميّز ديران بين الوعي العقلاني والظواهر النفسية الأخرى..
لماذا؟
لأن المعنى المباشر والحقيقي الذي يؤدي إلى المفهوم والدليل المناسب ليس إلا حالة خاصة جداً من المعنى المجازي.
يخلص ديران إلى أن ليس هناك قطيعة بين ما هو عقلاني وما هو متخيل، بل الفكر كله من ضمن الوظيفة الرمزية.
[ تبسيط بحسب فهمي للتيسر:
أن قصد ديران، أن ما يمسى بالإدراك العقلي المباشر والمنضبط كما هو شائع من تعريف للعقلانية ما هو إلا فرع صغير أو جزء من الكل ( المخيلة )، وبالتالي فالعقلانية المشهورة ما هي إلا جزء من الأرض التي انطلقت منها ثم أنركتها وادعت مع ديكارت أنها مشوشة عليها، وأنها طريق من طرائق عمل المخيلة للتوصل للمدلول أياً كان شكله ] .
من أين تأتي أو تنتج المتخيل:
قسّم ديران من موقعه الأنثروبولوجي المخيلة إلى نوعين، ( نهاري و ليلي ) والمتخيل ينتج من التوتر بينهما ثم إلتقاءهما في زمن السرد. وهذين النوعين على خطين متقابلين بالتضاد، والمخيلة تنتج من هذه العلاقة.
[ في ظني هنا أنه لم يخرج من الثنائيات الغربية المتقابلة عادة ].
سمى ديران بنيته للمتخيل بـ " فلسفة المتخيل " أو " ميتافيزيقيا المخيلة "، وهذه التسمية تفيد مبحثاً يكشف عن المخيلة التي لا تُعلَّل بالأشياء بل من خلال إعطاء معنى ثانٍ لها، يشكل القاسم المشترك الأكثر كونية.
تؤسس أبحاث ديران على افتراض أن الصور تتموضع ضمن إطار دلالي وليس ضمن إطار سيمولوجي، رافضاً اعتبار الصورة مجرد دليل لواقع نفسي أو خارج عن الوعي.
وظيفة المخيلة في عمقها وظيفة أمل لأنها تسعى إلى قهر الموت ونشدان عالم أفضل للبشر.
الوصل بين الشكلانية المنطقية ودلالية الرموز يتم عن طريق ( البلاغة ) التي تتوسط بين المخيلة والعقل.
• سادساً: نقطة الإلتقاء بين الشرق والغرب على متن المخيلة لدى ديران:
1. فك المركزية:
يرفض ديران مركزية المخيلة لأي ثقافة لوحدها وجعلها معياراً لبقية الثقافات، لذلك يدعو إلى خزان رأسمال المخيلة المشترك بين كل الناس، فالمتخيل يكون " الملتقى الأنثروبولوجي".
2. الحاجة الغربية:
الغرب العقلاني محتاج إلى الشرق لاستتعادة التوازن بالآخذ من مخيلته، وهي عودة للشرق مرة أخرى بغير النفس الاستشراقي، بل لاستعادة المعنى الرمزي للإنسان، فالإنسان لدى ديران ثابت غير متغير، وأن المخيلة أساس منطلقه ورؤيته للحياة، وأن الإنسان التقليدي هو محل الإنسانية الأكمل، والإنسان الغربي هو " الإنسان الحديث " المقتصر على جانب من المخيلة، وهي الإدراك العقلي.
3. أزمة الغرب:
حقيقة هذا البحث لدى ديران هو نتيجة لأزمة الغرب، وهي دعوة لقلب المعاني التي تأسست عليها الحداثة أو الثقافة الغربية، وتفكيك هويتها والاعتراف بالآخر، والأخذ منه.
وهنا سؤال ( قلب معنى الحداثة الغربية ) :
لماذا كان المخيلة محلاً للنظر في هذه الأزمة الغربية الفكرية؟
ق 1 : القول بأن هذا النظر محاولة لتفادي مشكلة بداية الفلسفة الغربية وانطلاقها من الإغريق ومخيلاتهم ( كما يؤرخ لها ) فهو سؤال البدايات كالعادة.
ق 2 : قول " ريكور " الذي يرى أن هذه اللحظة هي لحظة نقد للحداثة، وأن التفكير في الرمز تعبير عن التخلي عن اللغة ذات البعد الواحد، واستدعاء لغة شمولية.
يُرجّح المؤلف رأي ريكور مستنداً على تاريخ كتابة ديران لكتابه في فترة نشط فيها نقد الحداثة الغربية وتفكيكها.
نخلص من هذا الفصل :
إلى أن المخيلة كانت بين حدين، لحظة ( استبعاد وتهميش المخيلة ) مع اللحظة الديكارتية، ولحظة ديران لحظة ( استدعاء المخيلة وقلب معاني الحداثة الغربية )، مع فتح الباب للآخر والأخذ منه، وإعادة النظر للذات والهوية والآخر والعقل.
الفصل الثاني: المعقول والمتخيل في الفكر العربي المعاصر
طرحت أزمة الاستعمار والهيمنة الغربية سؤال الهوية، فكان السؤال مفروضاً ابتداءً، وكانت محاولات الإجابة من ذات معذبة في زمن يحتم عليها الجواب في وضع مختلف مستحضرة الفارض أثناءه. هذا السؤال يستدعي قضايا : الذات والواقع والوعي والمتخيل.
العقلانية والوعي المنشطر:
الوعي العربي كان مستقطباً بين، الوعي المترحل إلى الماضي، والوعي المستغرق في الآخر الغربي، وبينهما محاولة توفيق تسعى للحفاظ على الهوية مع استحضار الغرب والأخذ منه.
والحديث عن فلسفة عربية في هذا الوضع هو في حقيقة الأمر حديث عن " فلسفة الثقافة" كما يسميها جعيط، وهي التي تتخذ من موضوعات الهوية والتراث والعلاقة بين الشرق والغرب حديثاً لها، أي هي فلسفة ثقافة مأزومة، حولت الكثير من الجهود الفكرية إلى أطروحات مؤدلجة.
كانت أظهر قضية طُرحت هي ( العقلانية ) وتجاذبت هذه المشكلة الهوية والتراث والغرب، إلا أن أهم محاولة نقدية هي محاولة الجابري بحسه البيداغوجي، ووعيه السياسي، وتكوينه الفلسفي متعدد الإهتمامات، وإلمامه بالنص التراثي.
إلا أن مشروعه على أهميته ومزاياه جاء تلبية لحاجة النهوض، تلك الحاجة الظرفية، مستبعداً كل اهتمامٍ بالفن ومجالات المتخيل الإبداعي تحت ضغط سؤال الهوية والأزمة الظرفية، وبالتالي وقع في الحد الحداثي الغربي الديكارتي الذي يستبعد المخيلة، وإن كان له ثمة محاولات أو بدايات محاولات مع كتابه عن السياسة.
هذه التبعية للغرب، وعدم تحديد مفهوم المخيلة ولا المتخيل ولا دوره لدى العرب، وعدم إعادة قراءة الغرب، في الوقت الذي أعاد الغرب قراءة الشرق ومنحه هويات أو تسميته، والتضخم الأيدلوجي، كل ذلك يستدعي بعثاً جديداً لإعادة تسمية الذات، والهوية، والآخر والتراث والمخيلة، لا على غرار الحركات المؤدلجة ولا القوميات السياسية، بل على نحو وعي حقيقي بالذات التي يسعى الغرب السياسي لعرقلتها مرة بعد أخرى حتى توقف الفكر العربي عند حرب الخليج.
الفصل الثالث: الشرق المتخيل: حفريات في النظرة الغربية للعرب
تلتقي الاتجاهات العربية من كل الأطراف إلى اعتبار الغرب مصدراً من مصادر السؤال الذي فُرض على النخب العربية بخصوص إنتاج الذات والهوية، ومرجعاً من مراجع الجواب عليه، بل حتى الشيخ السلفي – على حد وصف العروي – يبني عناصر خطابه الدفاعي على معطيات الغرب.
السؤال:
من هو هذا الغرب هل هو غرب التاريخ مع الكنيسة، أم غرب عصر الأنوار، هل هو واحد أم متعدد. كذلك البحث عن صورة الشرق في المخيلة الغربية هو بحث عن :
- مفهوم الشرق عبر التاريخ.
- مفهوم الشرق في سياسة الاستعمار والهيمنة الغربية.
- مفهوم الشرق الذي تشكلت على إثره هوية الغرب.
وهذه الصورة الثالثة هي التي سيبحثها المؤلف، باعتبار الشرق عنصراً من عناصر تكوين هوية الغرب.
في كتاب " الشرق والمتخيل " لـ " تيري هانتش" تأتي هذه الصورة، وقد طرح " رينان " من قبل تعبيراً عن الشرق بأنه ضرورة ثقافية للغرب لتغطية النقص، أي أنه مكون إضافي لا أساسي، في حين أن هانش يرى أن الشرق مكون أساسي من مكونات الهوية الغربية.
يعتبر هانش كتابه حديثاً عن الغرب، وحضور الشرق فيه حضور عنصر اساسي لتكوين الهوية الغربية، فالشرق مفهوم يشكل نقيض الغرب، وعنصر يسكن المخيلة الغربية.
أما أصول النظرة الغربية للشرق:
تولدت من الاحتكاك الإسلامي مع الغرب في شرق المتوسط، عبر الفتوحات الإسلامية وتشكلت ثلاث لحظات لإعادة منح الشرق هويته في المخيلة الغربية، وهذه اللحظات هي:
1. لحظة الغرب الكنسي، التي تدافع هذا الشرق وتعتبره عدواً، وديناً حضارياً يزاحمها، وفي نفس الوقت منهلاً علمياً يزوّدها بما تحتاج.
2. لحظة غرب الأنوار الذي يرى الشرق موضوعاً للتفكر فيه فضولاً أو طلباً للمعرفة.
3. لحظة غرب الحداثة والاستعمار والهيمنة الغربية، والنظر إلى الشرق على أنه محل الطمع، وفي نفس الوقت من ناحية النظر إليه على أنه مرحلة تاريخية تخطتها الذات الغربية، أي التجاوز.
آلت هذه اللحظات إلى واقع : شرق حضاري ملغى، ومعترف به كأسطورة وحلم ومحل للغرائب.
هذه اللحظات الثلاث في المخيلة الغربية تجاه صورة الشرق، واللحظة الأخيرة الحالية المضافة هي التي تحطم هذه اللحظات وتعيد إنتاج هوية الغرب أولاً ثم النظر للشرق.
هذه النظرة تجاه الشرق من بداياتها كونت الهوية الغربية جغرافياً، و قصدياً ( أي التطلع للاحتذاء بالشرق )، و دينياً في فترة مضت. [ للإستزادة حول تشكل هوية الغرب أرجو الرجوع لكتاب المركزية الغربية أو كتاب روجيه غارودي عن الغرب، وسأضيف أسفل التلخيص إن شاء الله شيئاً من ذلك للإفادة ] .
الفكرة المركزية لدى هانتش:
أن صورة المشرق لدى الغرب من الكنيسة في العصور الوسطى التي دشنت حملة محاربة للحضارة العربية الإسلامية، ثم لدى عصر الأنوار التي أقامت سوسيولوجيا للشرق موضوع المعرفة، ثم الحركة الرومانسية التي احتضنت الشرق الروحي والإغرابي في سياق احتجاجها على الصراحة العقلانية للأنوار، ثم التوسع الاستعماري للغرب الذي قبّح صورة الشرق للهيمنة عليه، ثم الصورة الأخيرة المطالبة بتكسير كل تلك القوالب والكشف عن حقيقة هذا الشرق في تاريخه وثقافته ومجتمعه وحركته.
هذه الفكرة المركزية لـ ( الشرق المتخيل ) لإحراج الوعي الغربي وموقفه تجاه الشرق الذي يجهله ويوظفه ويؤسس هويته بناءً عليه.
أما صورة الغرب لدى العرب:
فهي صورة قديمة لم تتجدد ولم تنظر للتطورات الحادثة، ولا زالت خاضعة للأديولوجيات المتعددة.
الفصل الرابع: المتخيل والغرابة
هو حديث عن حضور الآخر والهوية في الأدب الشرقي والأدب الغربي من خلال شخصيات انتخبها المؤلف، للجمع بين الأدب والفكر أو الفلسفة.
بداية يبين الخصومة بين الأدب والفلسفة وأنهما قلّ أن يجتمعا في شخص، لكنهما اجتمعا في سارتر.
وجعل هناك نموذجين ( الشرق الحاضر في مخيلة الأديب-الفيلسوف الغربي ) و النموذج الآخر المعاكس ( الغرب الحاضر في مخيلة الاديب-الفيلسوف الشرقي )، إلا أن الفرق بينهما أن النموذج الأول مرتحل باحث عن حل لأزمة العقلنة الغربية والعنصرية والمركزية الغربية، طالباً من الآخر الحضور فيه، بينما النموذج الثاني نموذج الحاضر في الغرب طالباً فتح باب الضيافة له في هذا الغرب.
النموذج الأول والثاني كلاهما حضرا في شخص " الخطيبي "، فهو الأديب الراحل عبر سؤالات الفلسفة والبحث عن الذات والهوية في الفكر الغربي – الفرنسي.
وهذا الغرب لديه ليس هو الغرب المسيطر المستعمر بل هو غرب متعدد، ولكن يبدو أن الخطيبي لم يخرج من استراتيجة التفكيك في اتجاهيه النقديين:
1. استنطاق أساسيات الذات.
2. مساءلة ميتافيزيقيا الآخر.
يستنطق الخطيبي النصوص واللغة والحضارة لرؤية حضور الآخر في أساسيات تشكلها، ثم الأبواب المفتوحة له فيها، محللاً نصوص " سيغالين" و " رولان بارت"، راحلاً مع رحلاتهما إلى الشرق بحثاً عن الذات.
1- فيكتور سيغالين:
نصوصه يسكنها هم الإنتزاع من الذات للإلتقاء بالآخر، متضمنة في عمقها نظرة للذات والآخر والعالم.
فالآخر مكوّن لعملية الإنزياح عن الغرب، الذي يرى النفس ذاتاً والآخر موضوعاً، هذه النظرة المتلذذة بالنظر إلى الاختلافات بينهما، والذات التي لا يمكن أن تدرك نفسها إلا من خلال حضور الآخر المتنوع المعترف به.
" إن كتابات سيغالين جاءت بالعمق الوجودي، التبرم من مركزية الغرب، الإعلان عن التقدير المطلق للآخر كاختلاف جوهري، تكسير حدود الأدب، الجمع بين الكتابة والسفر، كل هذه القضايا، واعتبارات أخرى جذبت الخطيبي نحو سيغالين".
2- بارت :
المولود في زخم النزعات النقدية لأسس الحداثة الغربية ومركزية العقل فيها، وقد عاصر الخطيبي، و هناك قواسم مشتركة بينهما، فإن كان بارت ينتمي إلى جيل الفلاسفة والمفكرين الذين عملوا على خلخلة أسس الفكر الغربي، فالخطيبي، تحت تأثير واضح لهؤلاء يموضع نفسه ضمن ما أسماه بـ " النقد المزدوج"، أي نقد الأسس اللاهوتية للفكر العربي الإسلامي، ونقد القاعدة الميتافيزيقية للفكر الغربي.
يقول بارت عن الخطيبي: " إنني والخطيبي نهتم بأشياء واحدة، بالصور، الأدلة، الآثار، الحروف، العلامات. وفي الوقت نفسه يعلمني الخطيبي جديداً، يخلخل معرفتي، لأنه يغير مكان هذه الأشكال كما اراها، يأخذني بعيداً عن ذاتي، إلى أرضه هو، حين أحس كأني في الطرف الأقصى من نفسي".
نظرة بارت للشرق بصفته نظاماً رمزياً، له مجازاته وتجريداته، ونظرته للعالم والكائن والطبيعة، فالمستهدف ليست نظرة هذه الشرق لهذه الأمور، بل إمكانية الأخذ من هذه الأنساق، وتحولاتها. والنظر إليه باعتباره مجالاً لتحطيهم الغرب من خلاله.
الكتابة واللغة الوطنية:
يدخل الكاتب المغربي اللغة الفرنسية بمتخيله ورموزه وثقافته، فالنظر إليه بوصفه تعبير عن الغريب وعجيب وإعرابي لا لقدرته على البرهنة بالجدارة والقدرة التعبيرية، فسيعتبر دائماً أجنبياً.
الفصل الخامس: التواصل ونقد العقلانية الأداتية
عبر اللغة والأطروحات الحديثة حول معنى التواصل باللغة، وداخل المجال التداولي، والمخيلة تعتبر ركيزة أساسية، فالتواصل اللغوي وغير اللغوي يحمل خبراً يتحول إلى سلوك، ودلالة على مضمون. والتواصل المابعد الحداثي هو تواصل مفتوح يعبر عن أزمة الكائن في هذا الكون.
وبالعودة إلى مقدمة المؤلف نجد أن وسائل التواصل الحديثة فرضت نفسها بصورها ومخيلتها في تكوين المعارف والتزويد بها، فتجاهلها تجاهل للواقع لا وعي به.
ثم الفصل الأخير في بضع ورقات عن ( الترجمة والفكر العربي ) .
تم والحمد لله، وملخص لأهم الأفكار المحورية، وفي الكتاب ما هو مهم جداً وتركته خشية التشتيت لا أكثر.
الإضافة عن الغرب:
عن الغرب من كتاب غارودي:
ويذكر جارودي في كتابه " حوار الحضارات " أن ( بول فاليري ) يؤكد على أن الغرب الأوربي وليد تقاليد ثلاثة:
- في المجال الأخلاقي: المسيحية، وبوجه أدق الكاثوليكية.
- في مضمار الحقوق والسياسة والدولة: تأثير موصول للقانون الروماني.
- في حقل الفكر والفنون : التقليد الإغريقي." [ ]
والولايات المتحدة الإمريكية وليدة أوروبا، وبنت حضارتها، وبذلك تنضم إليها.