ولد الفقيد في مدينة العريش في شمال سيناء المصرية في 24 نوفمبر 1909، وتوفي في يوم الأحد العاشر من نوفمبر 1991م في سويسرا ودفن جثمانه في مدافن الجامع الإسلامي في مدينة جنيف، وهي المدينة التي أحبها وكان يطيل من الإقامة فيها كلما استطاع، وتعود علاقته بها إلى أيام دراسته للدكتوراة في سويسرا إبان الحرب العالمية الثانية وقد حصل على ليسانس الآداب من قسم الفلسفة من كلية الآداب بالجامعة المصرية "جامعة فؤاد الأول ثم جامعة القاهرة من بعد ذلك" عام 1934، فكان بذلك ضمن أوائل من تخرجوا في هذا القسم، ودرس للماجستير ونال درجتها برسالة عن "إبراهيم بن سيار النظام" عام 1939، ثم سافر في بعثة لنيل درجة الدكتوراة من أوربا، ونالها من جامعة بازل في سويسرا عام 1945 برسالة بالألمانية عن "الغزالي ونقده للفلسفة اليونانية"، وقد عاد إلى مصر وعن مدرسا في كلية الآداب بجامعة فؤاد الأول، ولكنه لم يلبث أن اختير لإنشاء المعهد المصري في مدريد عاصمة إسبانيا، عام 1949م، وعين أول مدير له وظل في هذا المنصب حتى عام 1953، ثم عاد بعد فترة إلى القاهرة، وبعد سنوات انتدب لإنشاء الجامعة الليبية ورأس قسم الدراسات الفلسفية والاجتماعية فيها، ثم يعود مرة أخرى إلى القاهرة عام 1962م، حيث كان قد انتقل من جامعة القاهرة إلى جامعة عين شمس، ثم ينتقل في النهاية إلى الكويت حيث يشارك في إنشاء كلية التربية ثم كلية الآداب بها ويصبح أستاذا للفلسفة فيها منذ عام ميلاد جامعة الكويت 1966م حتى عام 1987، وكان رئيسا لقسم الفلسفة لحوالي عشر سنوات ابتداء من وقت التأسيس، ويستمر نشاط الفقيد في مصر بعد عودته إليها في التدريس المنتظم بعد أن عين أستاذا غير متفرغ في جامعة الزقازيق في دلتا مصر، واستمر على هذه الصفة حتى رحل إلى عالم الغيب.
كان اعتماده على عقله كبيرًا، قال - رحمه الله - أن الخبر المتواتر ليس بحُجة لقائله، وزاد الدائرة اتساعًا فقال أنه قد يجوز ان يجمع المسلمون جميعًا على خطأ، وضرب مثلا، قال إن من ذلك إجماعهم على أن النبي صلى الله عليه وسلم بُعث إلى الناس كافة، دون جميع الأنبياء، فهو لا يرى جواز ذلك بعقله ومنطقه، لأن المنطق أخبره بأن آيات الأنبياء جميعًا لشهرتها تبلغ آفاق الأرض، لأنها لغرابتها ستتناقل على ألسنة الناس وستشيع خارج قوم هذا النبي، إذن فمن المنطق أنه يلزم على كل مَن بلغه ذلك أن يصدّق هذا النبي – أيّ نبي - ويتبعه؛ وهنا نقل المؤلف قول ابن قتيبة في أن النظّام خالف الرواية عن النبي عليه الصلاة والسلام التي تقول أنه قال: "بُعثت إلى الناس كافة، وبُعثت إلى الأحمر والأسود، وكان النبي يُبعث إلى قومه"، ثم نقل المؤلف تعقيب ابن قتيبة على رأي النظّام السابق، إذ قال: وفي مخالف الرواية وَحْشَةٌ، فكيف بمخالفة الرواية والإجماع لما استحسن
ولكن هكذا كان النظّام
قال الجاحظ عن أستاذه إبراهيم بن سيّار النظّام: كان إبراهيم مأمون اللسان قليل الزلل والزيغ في باب الصدق والكذب، ..، وإنما كان عيبه الذي لا يفارقه سوءَ ظنه وجودةَ قياسه على العارض والخاطر والسابق الذي لا يوثق بمثله، فلو كان بدل تصحيحه القياس التمس تصحيح الأصل الذي كان قاس عليه أمره على الخلاص، ولكنه كان يظن الظن ثم يقيس عليه، وينسى أن بدء أمره كان ظنًا
وينسى أن بدء أمره كان ظنًا!، صدقَ، وقال ابن المقفّع فيما جاء في الكتاب: إن مَن يلزم القياسَ ولا يفارقه أبدًا في أمر الدين والحكم، يقع في الورطات، ويُمضي على الشبهات، ويغمض على القبيح الذي يعرفه ويأبى أن يتركه كراهةً لترك القياس، [..]، ولو كان شيئًا حسنًا ينقاد حيث قيّد لكان: الصدق، ولكن يحدث احيانًا أن نترك قياد الصدق وننصرف إلى مستسحن مُجمع عليه معروف، كأن نكذب لدرء الأذى عن مظلوم يطلبه ظالم ليقتله
ولكن النظّام، يبدو أنه ضاق من أهل الحديث الذين يعارضونه بأحاديث تنسف تدرجاته المنطقية، فأحدهم يقول عن النظّام بأنه كان أشد الناس إزراء على أهل الحديث، وكان يصفهم قائلا:
زواملُ للأسفارِ لا علم عندهم بما تحتوي، إلا كعلم الأباعرِ
أي كالحمار يحمل أسفارًا!
فالجاحظ مثلا قال أن النظّام كان لا يحفل بالأحاديث الواردة في تفضيل السنور (القط) على الكلب، وقال يومًا لأصحاب الأحاديث: كيف رويتم أن النبي عليه الصلاة والسلام أمر بقتل الكلام واستحياء السنانير، ثم بيّن النظام لهم أن الكلاب بالمنطق أعظم نفعًا من القطط
ثم يقول لهم: ثم قلتم في سؤر السنور وسؤر الكلب ما قلتم، ثم لم ترضوا به حتى أضفتموه إلى نبيكم صلى الله عليه وسلم!
ويقول مؤلف الكتاب عقب هذا: نستطيع أن نستنبط مما تنقدم أن النظّام كان ينقد الحديث على ضوء العقل، فيردّه إن كان غير مقبول في العقل، أو إذا لم تؤيده حجةٌ ظاهرةٌ، أما إذا وصل إلى علمه حديث لا يعرف له تأويلاً ولا سببًا ولا يجد في حجّة العقل ما يعارضه فإنه يتوقف في أمره حتى يتجلّى له
وكرر هذا الكلام عنه أيضًا في موضع آخر عتد حديثه عن تفسير النظّام للقرآن: والنظام ذو نزعة نقدية في تفكيره، فهو يتناول ما يصل إليه علمه، ويزنه بميزان العقل، وعلى هذا الأساس يقبله أو يرفضه، وهو على هذا الأساس يصحح الحديث أو يُزيّفه، ويتأوّل نصوص القرآن، وهو في كل أبحاثه يحكّم العقل، وهو أداته، ولا يعتمد على النص بقدر ما يعتمد على العقل
.
.
وبين الأخذ بالرأي وبين الإيمان بما جاء: وجوهٌ لا تعارض بينها، فالإمام علي قال: ما كنت أرى باطن القدمين إلا أحق بالمسح، حتى رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح على ظهر خفيه
أو فيما روى بعضهم أن القول لعمر بن الخطاب، وأنه هو القائل: لو كان هذا الدين بالقياس لكان باطن الخف أولى بالمسح من ظاهره
قول الإمام علي كرم الله تعالى وجهة ورضي عنه: (ما كنت أرى باطن القدمين إلا أحق بالمسح، حتى رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح على ظهر خفيه)، دليلٌ صريح على القول بالرأي، وأن هذا من الشريعة ما لم يخالف النص
ومعلوم أن الإمام علياً أسند هذا الحكم وهو المسح على أسفل الخف، إلى مجرد رأيه، (كنت أرى)، وإلى مجرِّد أنه ليس عنده نص بذلك، واستمر عدم النص في حقه حتى رأى النبي يمسح على أعلاه، فحينذاك أبطل العمل بالرأي، وأجرى الحكم المأخوذ من عمل النبي
فهل يجوز لأحد أن يقول إن هذا دليل على إبطال القياس مطلقاً!؟
لا يحق هذا لأحد، بل غاية ما يمكن أن يقال إنما هو: إن العمل بالرأي إن كان مخالفاً للحكم المقطوع به المستمد من الشارع، إمَّا من نصه عليه، أو من عمله، فلا يصح التمسك بمجرد الرأي
وعلة عمد جواز التمسك بالرأي ههنا ليس هو فساد الرأي من أصله، بل هو معارضة ما تحصَّلَ بالرأي لما ثبت عن الشارع
.
.
أحسب النظّام - والله أدرى به- صحيحَ الإيمان!، وإن كان كما يقول الجاحظ قد غلب سوء الظن عليه، فألقى بالتهم على الجميع في سبيل وصوله إلى تصوره المثالي لهذا الإيمان، فكان ما كان من أمره، هذا مع ما كان عليه من قوة الحجة والجرأة في القول، مما جلب له الكثير من التلامذة المتبعين أو من المذمّين الشانئين على سواءً، فخبر وفاة النظّام جاء في التاريخ على روايتين شتّان ما هما!، فالخبر الأول يقول أنه كان سيرته الفسق والفجور، ومات وهو سكران، وأنه كان واقفًا في شرفة عالية، وفي يده قدح الخمر، وأنشأ يقول:
اشرب على ظمأٍ، وقل لمهددٍ: هوّن عليكَ، يكونُ ما هوَ كائنُ
فلما انتهى من انشاده سقط من الشرفة ومات بإذن الله تعالى!؛ بينما الخبر الثاني يقول أن أصحاب النظّام سمعوه يقول وهو يجود بنفسه:
اللهم إن كنت تعلم أني لم أقصّر في نصرة توحيدك، ولم أعتقد مذهبًا من المذاهب اللطيفة إلا لأشُدّ به التوحيد، فإن كان منها ما يخالف التوحيد فأنا منه بريءٌ، اللهم فإن كنت تعلم أني كما وصفتُ، فاغفر لي ذنوبي وسهّل علىَّ سَكرة الموت
ثم مات من ساعته
وهذا لا يتفق بحال مع موته سكرانًا!، ثم إنني والحمد لله لا أميل إلى تصديق أي خبر يكون في ثناياه ذكر بيت من الشعر أو بيتين قالهما صاحب الخبر!، فللوضّاعين لمستهم الخاصة
رحم الله العظيم أبو ريدة (هو اسم مرفوع دوما) فقد تتبع آراء النظام ورتبها ليطلع القارئ، قدر المستطاع، على عقلية وأفكار هذا العقل الغريب والذكاء المبهر. ولأنني أشعري (حتى الحياة) فلا غرابة أن أكون ذا ريبة من النظام وأضرابه. ولكنني حقا انبهرت بتلك التفسيرات الأنثروبولوجية عند النظام؛ مثل تفسيره للوضوء بعد النوم وغسل يوم الجمعة، وأما حديثه عن الغولة عند العرب فقد أصابني بالدوار الساحر. ويمكننا أيضا نقل بعض نظرياته، مثل الطفرة، إلى خارج ميدانها الفلسفي والتجريدي كما نراه عند منظري حرق المراحل وعلى رأسهم لينين. لكن هذه الطبعة رديئة بسخاء غريب؛ أخطاء مطبعية يستحي منها القارئ وكأنه هو الذي ارتكبها !! أما أبو ريدة فسيبقى أحد الأسماء اللامعة في ثقافتنا الحديثة رغم أنف بدوي الثقيل .