هذه المذكرات بسيطة وصادقة، وكرر أكثر من مرة أنه رجل أعمال وحسب، وعالمه هو عالم الأرقام والتقارير، ورجل الأعمال حيثما كان عليه أن يحتفظ بعلاقات طيبة مع السلطة والنظام الحاكم، فمهما ازداد ثراءً ومكانةً فهو مُهدد وضعيف من قبل السلطة العليا، فهي تستطيع في طرفة عين أن تسلبه كل ما يملك، بل وحتى القدرة على العمل
والعجيب، رغم حذره هذا، ورغم ابتعاده عن المناصب الحزبية قدر الإمكان، ورغم اقترابه الودّي بكثير من الزعماء والرجال والساسة، مع اختلاف آرائهم، ورغم نزاهته العملية، ورغم رفضه في عهد الملكية منصب الوزير أكثر من مرة، وعلاقاته الطيبة برجال الثورة بدءً من جمال عبد الناصر ووالده، ومحمد نجيب والسادات وصلاح سالم وشقيقه، وهذه الكوكبة المعروفة، إلا إن ذلك لم يغن عنه شيئًا، اتت فترة الستينيات – وما أدراك ما الستينيات! - حيث فرضت التأميمات بشكل جائر على الشركات المصرية والأجنبية والتقييم البخس الذي شابته رائحة التشفي، مع تهميش دور القطاع الخاص الوطني، وإحلال قادة الثورة والمقربين منها في مناصب إدارة هذه الشركات بعد تأميمها، وهم لا يفقهون شيئًا من الناحية الإدارية في مجالهم، فسيطرت البيروقراطية على مؤسسات الدولة، وطوردت الكفاءات، وكذلك ما كان من التقليل من المشاركة الشعبية وعدم وجود الرأي الآخر في تلك الحقبة
وإن كان أكثر ما حزّ في نفس صاحب المذاكرات هو هذه الحراسة التي فُرضت عليه، قال أنه لم يعترض على التأميمات وأنه طالب بها حتى قبل فرضها، ولكن بشكل حضاري، كأن تأخذ الدولة 51% منها وتترك 49% لمالكها مع حق الإدارة بالإضافة إلى التقييم العادل حسب سعر الأسهم الأخير، وبذلك كانت ستوفّر على نفسها تكاليف كثيرة تكبدتها في سبيل تشغيل هذه المؤسسات، والتي آلت للخسارة نتيجة لانعدام الكفاءات وتعيين المقربين من الثورة في مراكز إدارتها
ثم أن هذا التأميم الذي قام به عبد الناصر وهذا الوضع تحت الحراسة لصاحب المذكرات، انتهى بأن حجرت الدولة عليه في حقه في العمل حتى، وعوّضته بعد هذا الثراء الواسع بإرسال حوالة بريدية شهرية له، بمبلغ جنيهين ونصف!، وقال حينها لأحد المسؤلين:
أنا لستُ حزينًا على المال الذي ذهب، فالمال يمكن أن يأتي في أي وقت طالما وجدت الصحة وسلامة التفكير، لكن ما يضايقني أنا نُصوّر الآن من خلال الصحف ووسائل الإعلام، وكأننا مصاصو دماء او قتلة، أو قطاع طرق، وأنتم تعلمون أن هذا غير صحيح!
ولم يتحرج أن يقول أنه كان في منزله مرة في جلسة أسرية لم يحضرها غريب بينهم!، وحضرت إحدى بناته، ومعها طفلتها المريضة جدًا، وبدأت تشكو حالها وعجزها عن تقديم المعونة للطفلة المريضة، ولم يكن معه ما يكفي لعلاج الطفلة ولكنه وعدها خيرًا وأنه سوف يساعدها، فقالت ابنته متحسرة: بِكَم سوف تستيطع مساعدتي، ونحن في سنوات ضنك ؟
ورفعت رأسها نحو السماء والدموع تترقرق من عينيها وقالت: ربنا يفعل بأولاده مثلما فعل بنا
(تقصد جمال عبد الناصر)
فقال: إن هذا لا يجوز!، فأبناءه ليس لهم ذنب فيما حدث
فأعادت الدعاء على أبنائه مرة أخرى في إلحاح
شعرتُ أن ما تفعله لا يليق بأخلاقنا (!)، فقمتُ من مكاني وصفعتها على وجهها، فبكت وبكى أخواتها معها، وكذلك فعلت زوجتي، وشعرت بالألم يثقل صدري، ويعتصرني ولم أملك إلا أن أقول لنفسي: منه لله
(يقصد عبد الناصر أيضًا)
الوجه القبيح لهذه القصة الأسرية، ظهر بعد أيام، عندما قابله أحد الأشخاص المقربين جدًا من الرئيس عبد الناصر، فبادره بالقول: تسلم إيدك يا باشا
. .
ولم أفهم ما يقصده، فاستفسرت منه عما يعنيه، فأوضح لي أنه يقصد موقفي من ابنتي في المنزل!
نعوذ بالله من شر المخابرات !
.
.
قال: لا يعرف آلام الحراسة إلا من وضع تحتها حيث لا حرية في الحركة، ولا في التعامل، وحيث تكثر الممنوعات: ممنوع السفر، ممنوع العمل، ممنوع الذهاب حتى إلى الأندية، وحيث يخاف الناس أن يحادثوك مباشرة أو بالتليفون، ومَن يغامر بحريته ويضع نفسه في شبهة الحديث مع شخص فرضت عليه الحراسة؟!، والأسوأ من ذلك ممنوع من السعي إلى الرزق، وتعيش تحت رحمة دراهم تجود عليك بها إدارة تسمى إدارة الحراسة، وإذا كان لي أن أكره كلمة، فإن كلمة "حراسة" تعد أسوأ الكلمات وقعًا على أذني حين أسمعها، وعلى عيني حين أقرأها
نهض من كبوته وعاود العمل، فمَن حنكته الأيامُ في سوق العمل، يدري أن المال كله في السوق، وأن الشاطرة تغزل برجل حمار – كما يقول المثل – فما على المثابر إلا الاتكال على الله تعالى والسعي في طلب الرزق، ومن الطريف، أنه التقى في هذه الأيام السوداء، بأحد أعضاء مجلس قيادة الثروة، وحكى له - مسترسلا - حكاية عن أنه كان تعوّد على النزول في فنادق الدرجة الأولى عندما ينزل القاهرة (هو من الإسكندرية)، وبعد ما حدث من التأميم والحراسة، اضطر للنزول للقاهرة والمبيت في إحدى الفنادق دون ما أعتاد عليه، وقال له أنه تصادف أن فتح نافذة غرفته في الفندق، فوقع بصره على لافتة موضوعة تقول كلماتها (العمل حق، العمل شرف، العمل حياة) ، وقال لهذا العضو أنه كان يتأمل اللافتة ويفكر في نصيب هذا الكلام من الحقيقة الواقعة الآن؟، وهل الذين أمروا بوضع هذه اللافتة يؤمنون بهذا القول حقًا، هل يؤمنون أن العمل حق وشرف وحياة، مثلما كُتب!، وإن كانوا كذلك بالفعل فكيف يأمرون بحرمان بعض أفراد المجتمع منه؟
واستمع الرجل كعادته لكلماتي وحيرتي، محاولا أن يخفف عني، والغريب في الأمر إنه بعد أسبوع من هذا اللقاء، ذهبت إلى الفندق نفسه، ودهشت حين لم أجد اللافتة في مكانها (!!)، هل كان ذلك مصادفة؟، أم هناك من أمر برفعها (!)، لا أدري
حُلت المشكلة بصراحة :D
كان على علاقات طيبة مع الجميع رغم هذا، وقابل جمال عبد الناصر في بداية الثورة في الخمسينيات، ومكث معه لساعتين متواصلتين، وهو يحدثه عن الاقتصاد المصري والبورصة، ثم لما انتهى من حديثه، بغته عبد الناصر بسؤاله: لماذا تؤيدنا رغم أننا ألغينا امتيازات كثيرة كنت تتمتع بها؟
فقال له: يا رفعة الرئيس!، كيف لا أؤيد تغييرًا يسعي إلى تحقيق الأفضل، لقد كنت أتوقع مثل هذا التغيير بدءً من عام 1949، وكان كل خوفي أن تقع السلطة في أيدي الإخوان المسلمين، فيعودون بالمجتمع إلى الوراء، وكانت الاحتمالات في تصوري تنحصر في بقاء الحكم الملكي مع فقده لمبررات وجوده، أو قيام إنقلاب عسكري، أو سيطرة إحدى الجماعات السياسية المتطرفة على الحكم، وعندما تحقق الاحتمال الثاني شعرت أنه أفضل الاحتمالات التي كنت اتمناها
حسنًا يا سيدي!، وصل الإخوان المسلمون إلى الحكم، وتحققت أكبر مخاوفك التي كنت تخشاها حيًا، رحمك الله
.
.
هذا الرجل الضاحك في الصورة، الذي ازدهرَ شبابه مع الحرب العالمية الأولى وثورة 1919، وعاصر عهد الملكية والثورة، ومرّ عليه الثلاثة، عبد الناصر والسادات وأوائل عهد مبارك، وهو على ثباته وعمله بمقولته المحببة: ربما كان قد حدث ما هو أسوأ!
هذا «الباشا» السابق الذي عندما كان في لندن في شبابه وقابل جلالة ملك بريطانيا العظمى «جورج الخامس» خلال العهد الملكي المصري، وكانت قواعد البروتوكول تقضي بألا يوجه الضيف أي سؤال لجلالة الملك، بل الملك وحده هو الذي يوجه الأسئلة، ولكن صاحب المذكرات دفعه الفضول أن يسأل الملك بأن يسمح له بسؤال!، وبهتَ الوفد المرافق معه من هذا السلوك المتمرد من زميلهم!، ولكن الملك البريطاني ابتسم في تسامح وقال له: اسأل ما شئت أيها الشاب!، فسأله عن سر وضع القرنفلة في عروة المعطف!، فقال الملك في هدوء: "ليس أكثر من التفائل يا عزيزي!"
هذا الرجل الذي خسر في مفتتح حياته التجارية مبلغًا ضحمًا من المال في أول صفقاته التجارية، وعندما علم والده بذلك قال له إنه سعيد بهذه الخسارة، لأن لو كان النجاح صادفه في أول تجربة، لأصابه الغرور
هذا الرجل الأنيق الثري الذي ظل حتى آخر أيام حياته محافظًا على القرنفلة الحمراء التي وضعها في أثر لقائه بالملك، والذي لم يخلعها وسط أكثر أحداث حياته تشائمًا، هذا الرجل الذي اشتهر بين أهل الإسكندرية بقرنفلته وببذلته الأنيقة وبطربوشه الأحمر الذي لم ينزعه على مدى السنوات الطوال التي تعاقبت على إلغاء الملكية، وبجولاته في شوارع المدينة بسيارته الرولز رويس الفارهة، وبمكانه المعتاد في نادي سموحة
هذا الرجل .. مكافح من الطراز الأول
-الذي يدهشني حقًا يا «باشا» أنه رغم التأميمات التي حدثت لك منذ أيام قليلة، إلا أنني أرى القرنفلة المعتادة لا تزال تزين عروة الجاكتة
فرددتُ عليه مبتسمًا:
ربما كان قد حدث ما هو أسوأ!
ربما كان قد حدث ما هو أسوأ!، فإنني أشعر أنه لا بديل عن التفاؤل في الحياة، والنظر إلى الغد على أنه سوف يكون أفضل، لأن بديل التفاؤل هو التشاؤم الهروبي، أو رفض الحياة بالانسحاب منها أو بمحاولة تحطيمها!، الحياة يجب أن تعاش بحلوها ومرها، وفي النهاية هي رحلة رائعة لمَن يملك القدرة على تغييرها نحو الأفضل